"سحابة صيف": العشوائيات في إطارها القومي وكنتيجة مأساوية للتهجير

تم نشره في الأربعاء 16 أيلول / سبتمبر 2009. 10:00 صباحاً
  • "سحابة صيف": العشوائيات في إطارها القومي وكنتيجة مأساوية للتهجير

محمد جميل خضر

عمّان- تمتد الموضوعات التي تطرحها الدراما السورية المعاصرة وتتسع لتشمل مختلف نواحي الحياة. وهي في هذا السياق حققت جرأة غير مسبوقة، وكانت سباقة في طرح قضايا معيشية وحياتية حساسة في الوعي العربي المعاصر، مثل تعرض أحد أفراد الأسرة للإصابة بمرض الإيدز وتسلط أبناء المتنفذين على الناس، وتحكمهم بمصائرهم، وعدم تقبل ابن المتنفذ فكرة أن ترفضه امرأة ما مهما كانت وجاهة منطقها في هذا الرفض، كأن تكون مخطوبة لشخص آخر (مسلسل غزلان في غابة الذئاب)، مشاكل الفتيات في فورة سن المراهقة ومطلع المرحلة الثانوية وحتى نهايتها (أشواك ناعمة)، مشكلات الشباب والإنترنت والإدمان والمخدرات ومعاكسة الفتيات وملاحقتهن وتقليد الثقافة الغربية ومحاولة تمثلها (مواسم الخطر ومسلسلات أخرى).

وهي تحقق رمضان هذا العام نقلات نوعية جديدة، باختيارها موضوعات وقضايا لم تتطرق إليها أعمال الدراما السورية المعاصرة من قبل، فمسلسل "سحابة صيف" على سبيل المثال، يأخذ متابعي المسلسلات السورية الذين يتزايدون عاما بعد آخر إلى واقع حال الفلسطينيين المقيمين في مخيمات اللاجئين في الشام (دمشق وما حولها)، ويرصد طبيعة العلاقات القائمة في الأحياء العشوائية التي يمثلها المخيم والمناطق المجاورة له. ويسبر أغوار الحراك الإنساني هناك، خصوصا مع دخول عراقيين تلك الأحياء وأزقة المخيم، ممن هربوا من بشاعة الاحتلال الأميركي لبلدهم وويلات الحرب الأهلية والاغتيالات الطائفية والإثنية، ومن انعدام الأمن والافتقار لأبسط مقومات الحياة والكرامة، وتوزعوا في بلدان عربية عديدة على رأسها سورية والأردن.

ويتحرك "سحابة صيف" إخراج مروان بركات وسيناريو وحوار إيمان سعيد وإنتاج المسار الدولية للإنتاج الفني وبطولة نخبة من نجوم الدراما السورية، بتوازن مدروس بين قضاياه المختلفة، وصولا لتحديد مصائر شخصياته التي يلعب ماضيهم دورا حاسما في تحديدها. والبناء الدرامي المتوازن في العمل يشمل كذلك شكل تناول أبناء البيئتين الفقيرة والمترفة مادياً والمرفهة حياتيا، وطبيعة تأثيرهما المتبادل وسط التغيرات والانهيارات الفكرية والمبدئية.

وهو يعاين بعين سلسة وحدوبة سير المنطقة العربية نحو مصير مجهول مع اندلاع الحروب في عدد من بلدانها، ويصر على ترك بصيص فرح رغم كل المآسي التي يطرحها ويمعن في الغوص في تفاصيلها، وهناك حب وعطاء وأمل تحاوله شخصيات عديدة في المسلسل.

ومن القضايا الجريئة والصادمة التي يتناولها "سحابة صيف" بفنية حارة وتقنية متقدمة، مسألة تعرض طفلة لاغتصاب متواصل على مدى سنوات من قبل والدها، وكذلك تعرض طفلة أخرى لاعتداء لاإنساني من قبل رجل أمن، وهي طفلة تعيش مع والدتها الطبيبة (ريم علي) التي قادتها ظروف غامضة العيش في تلك الأحياء العشوائية متشاركة مع جيرانها في حمّام واحد.

الذاكرة المشحونة بالأسى للطفلة التي كان يعتدي عليها والدها، جعلتها تقع فريسة الإدمان (أدت دورها بإتقان ديمة قندلفت)، وتقيم علاقة حب ملتبسة مع زميلها في الجامعة (قيس شيخ نجيب) فقد أصابها ما جرى لها بعقدة من الرجال جميعهم خصوصا في حالة الاقتراب اللصيق. 

يعيش مئات آلاف العرب في سورية ولبنان ومصر والأردن والسودان وغيرها في عشوائيات لا يلتفت إليهم فيها أحد، وهي عشوائيات بدأت تدريجيا تتكون في فوضاها المدمرة ثقافتها الخاصة بها، وقيمها. وأصبحت حاضنة نموذجية للعنف وانهيار المنظومة الأخلاقية وضياع البوصلة، و"سحابة صيف" بحسب مخرجه وعدد من المعنيين فيه يشكل محاولة لإلقاء الضوء على هذه العشوائيات. وكذلك إلقاء ضوء غير مجامل على بشاعة التهجير ولاإنسانيته، تهجير الشعب الفلسطيني عن أرضه عنوة وزرع أناس مكانه، وما رافق ذلك من معاناة غير مسبوقة، تركت آثارها العميقة على أفراد شعب كان بعضه يتنعم برفاهية وعز ومال وجاه في مدينته يافا أو حيفا أو عكا أو غيرها، قبل أن تصيبه نكبة الرحيل، وضياع الأرض والعرض والمال بالصميم، وتقتل أفق الحياة فيه.

شارك في المسلسل نخبة من نجوم الدراما السورية منهم: بسام كوسا، سمر سامي، سلوم حداد، جهاد سعد، نادين، ديمة قندلفت، كاريس بشار، محمود نصر، قيس الشيخ نجيب، عامر علي، كندة علوش، خالد القيش، محمد قنوع، اناهيد فياض، أحمد الأحمد، إيفا حاج بيه، إياس أبو غزالة، خليل فاضل، إياد أبو الشامات وصبحي الرفاعي.

mohammed.khader@alghad.jo

التعليق