محمود ودمع الأمهات

تم نشره في الأحد 9 آب / أغسطس 2009. 09:00 صباحاً

خلدون الداوود*


كنت أحاول جاهداً في الأشهر الأخيرة أن أكتب نصا بلغتي أشارك الجميع فيه محبتهم الى الروح الكبيرة لمحمود درويش، ولكن في كل مرة كنت أنسحب مسرعاً من هذه الورطة، ليس خجلاً من لغتي، أو من تقلباتي، أو خوفي من أصدقائي.

وكان أن طلب مني الشاعر السوري نزيه أبو عفش أن أرافقه من مرمريتا إلى عمان من أجل لقاء محمود أكثر الأصدقاء الذي يرعبني دائماً.

 وذات زمن ليس ببعيد، وفي بيتي بالفحيص نصحني صاحب "ورد أقل" بألا أتكلم نهائياً "لأن حديثي يشبه الكلمات المتقاطعة، ويحتاج إلى وقت حتى يفككه".

طلب مني محمود أن أصمت، وليس أن أسكت (وهو سيد التفريق بين الصمت والسكوت)، وأمرني بأن أنشغل بالإشراف على الطعام والشراب، الأمر الذي أضحك أكرم مصاروة وأسعد عبدالرحمن وليلى شرف. وفي أثناء ذلك كنت أعدّ لدرويش مطباً هوائياً متوسطياً، حيث أخبرته بأنني عازم على كتابة روايتي الأولى كسيرة ذاتية بطلها نهر الأردن، بعدما علقت الفكرة في ذهني قبل أن أولد، حينما أتى ضيوفنا من "يطا" الخليل فألفيناهم مشتركين معنا في كل شيء: الشكل واللباس والشبرية والحطة والأحلام.. والتخلف!

 ثم توالت لقاءاتي مع درويش وأصدقائه، رغم أننا ولجنا علاقة غير تصالحية أبداً، فكنت لا أترك أية فرصة إلا وأردّ فيها على محمود بطريقة تضجره، لكنه يظل فرحا مسرورا بالفتى ذي الخمسين عاما الذي لا يتقن تركيب الكلام المنطقي.

 وذات مساء فوجئت بالراحل محمود درويش يتفرس في لوحات ابني فادي في رواق البلقاء، ثم يكتب في دفتر الزوار: "إنني اليوم أشهد على ولادة فنان جديد".

وما بين محمود درويش وموسى برهومة ثمة أم، وثمة دموع يخجل كل واحد منهما أن يذرفها على صدر أمه، لكن موسى ذرفها على صدرها وهي مسجاة، وسمعت نحيبه حتى خشيتُ عليه أن يلحقها، ولكن ماهر سلامة ونعيم مشعل منعاني من إيقاف شلال نحيبه، لأنهما يعلمان مرارة الفقدان وفداحة الغياب.

 لم أرَ، من قبل، هذا المشهد الشعري على الإطلاق، حيث كان محمود درويش يعبر في تلك القنطرة ما بين الدمعة والدمعة، فتذكرت وصية الصمت، وتذكرت وصية أم موسى لرفيقتها سهاد "لا تجعلوني أنام في ثلاجة الموتى"، وكان للحاجة ما أرادت، وهي تنام في دفء التراب برفقة أم محمود درويش التي لم تطق صبرا على فراق حبيبها، بعدما كان دمع العالم قد بلل مقلتيها.

فنمن بسلام، يا أمهاتنا العظيمات، ولينتصر الشعر على الموت، ولتنتصر القصيدة على شهوة الفناء.

* مؤسس رواق البلقاء للفنون

التعليق