العلاقات الإسرائيلية الأميركية ليست حديقة من السوسن

تم نشره في السبت 18 تموز / يوليو 2009. 09:00 صباحاً
  • العلاقات الإسرائيلية الأميركية ليست حديقة من السوسن

هآرتس - الوف بن

النكتة التالية تروى في مكتب رئيس الوزراء في القدس. ماذا يفعل اميركي يكتشف خرابا في بيته؟ المغسلة مسدودة؟ المرحاض فائض؟ الأمر بسيط جدا. يدعو باراك اوباما الى إلقاء خطاب، فتحل المشكلة.

بعد نصف سنة من دخول اوباما البيت الابيض، وثلاثة اشهر ونصف الشهر بعد دخول بنيامين نتنياهو مكتب رئيس الوزراء، تبدو علاقات اسرائيل والولايات المتحدة في درك اسفل. من الجانب الاسرائيلي، يبدو اوباما كزعيم ضعيف، يخاف المواجهات مع الاشرار في كوريا الشمالية وايران ويحاول التغطية على ضعفه بخطابات باردة وبضغط غير نزيه على اسرائيل. ومن الجانب الاميركي، نتنياهو يبدو كرافض للسلام، يحاول التغطية على تطرفه بأقوال غير ملزمة وبالتدخل في السياسة الداخلية الاميركية.

نتنياهو مقتنع بان اوباما سعى الى المواجهة معه، لارضاء العالم العربي. ويعتقد رئيس الوزراء، أن المسؤولين عن هذه السياسة هما المساعدان اليهوديان للرئيس، رام عمانويل ودافيد اكسلرود، اللذين حرضا اوباما ضده.  هذا يبدو كجنون اضطهاد، ولكن حتى مجانين الاضطهاد لديهم اعداء. هناك أدلة على أنه حتى خلال الحملة تحدث مستشارو اوباما بينهم عن الابتعاد عن اسرائيل كاساس لعلاقات جديدة بين الولايات المتحدة والعرب والمسلمين. كما أن هذا ليس مفاجئا. كل زعيم يريد أن يظهر بانه يختلف عن سلفه، واذا كان جورج بوش اعتبر في الشرق الاوسط وفي اوروبا كمؤيد لاسرائيل بشدة، فإن هذا قد يفسر رغبة اوباما تبريد العلاقات مع اسرائيل. وجاء انتخاب زعيم اليمين نتنياهو ليساعد اوباما ورجاله الذين وجدوا هدفا مريحا للضغوط.

التعبير العلني عن هذه السياسة كان الطلب القاطع لادارة اوباما من اسرائيل بتجميد البناء في المستوطنات، حتى آخر كوخ. كانت هذه مناورة مدروسة، وقد وجه الضغط الى النقطة الاكثر حساسية. المستوطنات مكروهة في العالم وانتقادها ليس له ثمن سياسي في الساحة الاميركية. فلن يقف أي عضو كونغرس او منظمة يهودية ليصرخ امام البيت الابيض "نعم للنمو الطبيعي في نوكاديم". من ناحية اوباما، الدعوى لتجميد المستوطنات كانت السبيل الاكثر راحة لحشر نتنياهو موبخا في الزاوية دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه وكذلك تهديد بواقي ائتلافه، إذا قرر  ان ينكسر ويستجيب للطلب. إنها حالة كاملة الاوصاف.

بعد شهرين من لقاء نتنياهو واوباما في واشنطن، حيث تلقى مطلب تجميد المستوطنات، تكثر المؤشرات على أن ضغوط الادارة على رئيس الوزراء قد توقفت. اوباما لم يتراجع عن مواقفه، ولكنه وافق على أن تكون معالجة المستوطنات جزءا من رزمة دبلوماسية واسعة تتضمن ايضا بادرات طيبة من الدول العربية، وموافقة فلسطينية على استئناف المفاوضات، وربما ايضا اعادة تحريك القناة السورية.

المستوطنات لم تجمد حاليا. وقد بحث جورج ميتشيل، مبعوث الرئيس، مع وزير الحرب ايهود باراك في صيغة لتجميد جزئي، وبلورة "قاعدة بيانات مشتركة"، وهو غطاء مكشوف لاضاعة الوقت.

في لقائه مع زعماء الطائفة اليهودية يوم الاثنين من هذا الاسبوع، والذي كان يرمي الى الاشارة الى انتهاء الازمة في موقفه من اسرائيل، حاول اوباما الاقناع بانه يضغط ايضا على الفلسطينيين والدول العربية وان الخلاف مع اسرائيل هو "داخل الاسرة". من التقارير عن اللقاء يتبين أن اوباما حاول تقزيم الخصام على المستوطنات، ولكنه اصر على ان تقدم مسيرة السلام واقامة الدولة الفلسطينية يصبان في مصلحة اسرائيل وانه لن يتنازل عنهما.

ابتلاع الكبرياء.

حسب كل التقارير التي تصل من واشنطن، لن ينشر اوباما قريبا خطة سلام مفصلة. تخوف نتنياهو من أن تطالبه اميركا بالانسحاب من كل المناطق وتقسيم القدس لن يتحقق قريبا. الادارة تميز بين "المادة والمسيرة"، بين الجوهر والاجراءات، وستركز الان فقط على إيجاد إطار للمفاوضات وعلى ما يبدو ايضا عرض أهداف ومواعيد لتنفيذها من قبل الطرفين. مع هذا فإن نتنياهو وائتلافه يمكنهما ان يناما بهدوء.

نتنياهو انتصر ظاهرا في هذه الجولة: المستوطنات تواصل الازدهار والقرارات الحاسمة القاسية في "المسائل الرئيسة" كالحدود، والقدس واللاجئين تأجلت. ولكن ليس لديه ما يدعوه الى الفرح. فحتى في التقدير الاكثر تفاؤلا والاكثر ثناء على نتنياهو فان انزال الايادي انتهى بتفوق طفيف لاوباما. قبل كل شيء، في محاولة انزال اوباما عن ظهره، اضطر نتنياهو الى قبول فكرة "الدولتين للشعبين". ثانيا، لوح اوباما بطلب نتنياهو في أن يسبق وقف النووي الايراني أي خطوة سياسية. ثالثا، والاهم، نتنياهو فشل في خلق ثقة وحميمية مع الرئيس والادارة. ليس لديه أي قناة كتومة الى البيت الابيض، أو أي تفاهم هادىء على السياسة. ويتحدثون في مكتب نتنياهو بحسد عن التنسيق التام بين ايهود اولمرت وادارة بوش.

في اللقاء مع الزعماء اليهود، تحدث اوباما بمحبة تجاه اسرائيل، ولكن حسب التقارير التي صدرت من هناك، لم يقل ولو كلمة طيبة واحدة عن نتنياهو. اوباما يفصل بين اسرائيل ورئيس وزرائها. ومن ناحية نتنياهو، هذا مدخل لمشاكل عسيرة في المستقبل. في نهاية اليوم، اسرائيل تحتاج الى الولايات المتحدة اكثر بكثير مما هو العكس. اسحق شامير هو الاخر وقف ببطولة في وجه ضغوط بوش الاب ضد المستوطنات الى أن سقطت الصواريخ على تل أبيب في حرب الخليج. اميركا حمت اسرائيل، وحصلت على الثمن حين جرت شامير الى مؤتمر مدريد وساعدت في اسقاطه من الحكم.

ومع ذلك يبدو أن اوباما سار بعيدا جدا في مطلبه التجميد المطلق للمستوطنات وسيتعين عليه أن يبتلع على الاقل جزءا من كبريائه. فقد دخل في مواجهة مع نتنياهو بيدين شاغرتين، من دون عصا تهديد صريحة على اسرائيل ومن دون جزرة الهدايا وخطوات التطبيع من جانب الدول العربية. في اللحظة التي اوضحت فيها الادارة بان امن اسرائيل هو قيمة مقدسة، عرف نتنياهو انهم لن يهددوه بتأخير قطع الغيار لطائرات سلاح الجو – مثلما فعلت الادارة السابقة، حين ارادت معاقبة اسرائيل على بيع السلاح للصين وطالبت باقالة مسؤولي وزارة الحرب. كما قدر نتنياهو على نحو سليم بان السعوديين سيكونون بخلاء في البادرات الطيبة، وان رفض الفلسطينيين استئناف المفاوضات سيساعده. ليس هناك افضل من الرفض العربي للتخفيف عن اسرائيل.

اخطأ اوباما حين تجاهل الرأي العام الاسرائيلي، وسمح لنتنياهو بان يبلور خلفه اجماعا سياسيا ضد تجميد الاستيطان وعرض الرئيس بانه غير ودي يتزلف للعرب. يبدو أن اوباما يجد صعوبة في أن يميز بين الاسرائيليين ويهود أميركا. زيارته  الى معسكر الابادة بوخنفيلد، فور خطاب القاهرة، يرمي الى توازن الانطباع لمد اليد للعرب والمسلمين، بخطوة موازية تجاه اليهود. هكذا نظر الى الامر من جانب اليهود الاميركيين، ولكن في اسرائيل فهموا هذا كاهانة. الرواية الاسرائيلية تولي اقامة الدولة للصلة التاريخية منذ عهد التوراة، بالكفاح الصهيوني والانتصار في حرب الاستقلال. كما اعتبر الاسرائيليون رسالة اوباما في القاهرة بان اسرائيل اقيمت كتعويض عن الكارثة، كتبنٍ للنهج المناهض للصهيونية من محمود احمدي نجاد. لقد فوت اوباما الفرصة، ومستشاره رام عمانويل لم يشرح له لماذا.

ولكن ما حسم كان السياسة الداخلية. اللوبي الاميركي من اجل اسرائيل ، ايباك، أثبت بان كل من أبنه بعد انتخاب اوباما اخطأ. ايباك لم يحاول الدفاع عن توسيع المستوطنات، او الوقوف علنا في سبيل نتنياهو. لا يمكن بيع هذه البضاعة في واشنطن. اللوبي اتخذ خطوة هادئة بوسائل مدروسة ومعروفة لديه: تجنيد الكونغرس كي يلمح للرئيس بان يترك اسرائيل.

في يوم زيارة نتنياهو الى البيت الابيض، وضعت في صندوق البريد الوافد لاوباما رسالة من 73 سناتورا صيغت بطريقة مذهلة. لا يوجد هناك كلمة عن المستوطنات. فقط تأييد حماسي للمسيرة السلمية، دعوة ناعمة لاستيضاح الخلافات مع اسرائيل انطلاقا من القرب والود وقائمة مطالب من الفلسطينيين. بين الموقعين كانت ايضا اغلبية اعضاء كتلة الرئيس. كان هذا تكرارا للانجاز الهائل الذي حققه ايباك في العام 1975 حين نجح اللوبي في احباط سياسة "اعادة التقويم" لهنري كيسنجر في رسالة 76 سناتورا الى الرئيس فورد. يمكن التخمين، بان هذه المرة ايضا لم يكتفِ اللوبي بالرسالة وأسندها بعمل مرتب. مرت بضعة اسابيع، واستوعبت الرسالة في البيت الابيض: الاختلاف مع موقف اسرائيل مقبول، ولكن صفعها علنا غير مقبول.

باسم الآباء

على الحائط في غرفة عمل الجنرال عبد الرزاق اليحيى في رام الله معلقة صورة قرية مولده، الطنطورة. صورة جوية، تظهر الجزر الصغيرة القريبة من الشاطىء وقارب متحرك يجر وراءه زبدا أبيض. يحيى ولد في الطنطورة قبل 80 سنة. تماما في تلك السنة التي ولدت فيها تل أبيب. لم يكن بوسعي الامتناع عن التشبيه: عندما تجند أبي في صفوف البلماخ، تجند اليحيى في "جيش الانقاذ" بقيادة فوزي القاوقجي. ويحتمل أن يكونا قد شاركا في ذات المعركة في حرب الاستقلال. ولكن منذئذ دحرجتهما الحياة الى اماكن مختلفة تماما. اللاجىء اليحيى تقدم في الجهاز الامني لـ م.ت.ف واصبح رئيس اركان جيش التحرير الفلسطيني ووزير الداخلية في السلطة. والان يعمل كمستشار لشؤون الامن لدى رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض.

أول من أمس (الأربعاء) زرت اليحيى، الذي يلقب بأبو أنس. الى جانب وفاء عمرو الصحافية التي تغطي منذ سنين انباء السلطة الفلسطينية والمسيرة السياسية. ذكرته متى التقينا لاول مرة في طابا، في المحادثات الاولية على تطبيق اتفاقات اوسلو في العام 1993. آفي بينهو اصدر صورة: الجنرال الفلسطيني يسير على الشاطىء مع نظيره الاسرائيلي، عوزي دايان.

يتذكر اليحيى ويقول: "نعم، حاولنا في حينه تحقيق السلام من خلال الامن. هذا نجح في البداية، ولكن عندها رفضت اسرائيل التحديد الزمني للفترة الانتقالية. رئيس الوزراء رابين قال انه لا توجد مواعيد مقدسة، وهذا أفشل الامر".

اليحيى، الذي لم يكن في أي يوم عضوا في فتح بل تقدم في الصفوف كمستقل، قاد الاصلاحات الامنية في السلطة. وهو يروي بانه بعد سيطرة حماس على غزة، قبل سنتين، كان هناك قلق كبير من أن تسقط الضفة الغربية في اعقابها في ايدي العصابات المسلحة التي تحمل السلاح وتهدد الشارع برعبها. واقترح نهجا مغايرا لمعالجتها: اسلافه في وزارة الداخلية ارادوا البدء باعادة تنظيم قوات الامن. اما اليحيى ففضل العمل في الميدان، من الاسفل الى الاعلى، وقبل كل شيء التصدي للقوة لـ "العصابات".  لا تنشغلوا بالاسرائيليين، قال لرجاله، الان يجب ترتيب البيت.

نجحت المواجهة. وسلم المسلحون اسلحتهم أو خبأوها. ووقفت شرطة السلطة في زوايا الشارع و"صفينا الجريمة ايضا"،. التواجد الشرطي واضح في شوارع رام الله، وفي الاسابيع الاخيرة بدأوا يفرضون في المدينة حتى قوانين ايقاف السيارات، وتحرير مخالفات للسواقين (خمسين شيكل للمخالفة) وجر سيارات تقف عند الاحمر – ابيض. لقد تفرغ اليحيى لخطة اعادة تنظيم قوات الامن.

اليحيى التقى نتنياهو في العام 1996، مع جبريل الرجوب ومحمد دحلان. وقد اقترح على حد قوله فتح الطريق المسدود في المحادثات على اتفاق الخليل. لكن التصريحات الراهنة لرئيس الوزراء والتي تطالب الفلسطينيين بالاعتراف باسرائيل كدولة الشعب اليهودي، تثير غضبه. وهو يقول: "ابائي واجدادي كانوا هنا منذ آدم وحواء. ابي وجدي وجد جدي ولدوا في الطنطورة. ابو وجد نتنياهو لم يكونا هنا".

التعليق