عمر الرزاز يستعرض في جمعية اللويبدة تجربتي منيف ومؤنس الفكرية والأدبية

تم نشره في الاثنين 15 حزيران / يونيو 2009. 09:00 صباحاً

 

مدني قصري

عمّان - استذكر الدكتور عمر الرزاز "إرث العائلة" المتمثل في الراحلين الأب الطبيب منيف الرزاز وولده الروائي الراحل مؤنس، بعد أن استهل الندوة التي نظمتها جمعية أصدقاء اللويبدة أول من أمس بمقرها عودته إلى البلاد وانشغاله بالمحافظة على إرث العائلة.

 وقال بداية "من المفارقات أنني لما رجعت إلى البلد، واستلمت مهامي، وكان قد مضى على وجودي في أميركا نحو خمسة عشر عاماً، لم يهتم الكثير من مُتقاعدي الضمان الاجتماعي بتحصيلي العلمي، إذ كان همّ كل واحد هو اسم العائلة، وهذا الإرث الذي ليس من صنعي، ولكن من صنع والدي. وكان هاجسي كيف أؤدي مهمتي، وأحافظ على هذا الإرث". وفد أضاف المتحدث أن سيرة هذه الأسرة الصغيرة وما عاشته من أحداث أليمة، اختلطت بسيرة جبل اللويبدة الصغير، وبما شهدته من أحداث.

تحدث المحاضر، عن كفاح "لمعة بسيسو" "أم مؤنس"، وما كابدته من أجل زوجها وأسرتها، تلك المرأة "المتمردة" التي كانت قبل سنّها السابعة تخرج إلى الشارع وتلعب كرة القدم مع أبناء الحي، وبعد الثامنة منعتها تقاليد الأسرة من الخروج إلى الشارع، فصارت تخرج متخفّية بلباس أخيها وليد.

وتابعت دراستها، كما يضيف الرزاز، وتألقت بعد تخرجها من الثانوية، حيث باشرت في كتابة الشعر والمقالات، وكانت أوّل صوت نسائي على أمواج الإذاعة الأردنية، تحدثت فيها عن حقوق المرأة، وعن حقوق الرجل المنقوصة في الوطن العربي، وكان من أطرف ما قالته في هذا الشأن، أن المرأة يستحيل أن تتقدم من دون تحرّر الرجل وتقدّمه، لكنّ الذي حدث أنه، فيما كانت تتحدث عن حقوق الرجل الناقصة، إذا بالبث الإذاعي ينقطع فجأة على أمواج الإذاعة.

وتابع "انخرطت لمعة في الأربعينيات في العمل السياسي، وفي تلك الأثناء تعرفت على منيف الرزاز وأعجبت بشخصيته القوية رغم إعاقته، ونشأ بينهما حب كبير، وتزوّجا، وكان زواجهما بداية طريق كفاح طويل، حيث كانت لمعة تشدّ أزر زوجها المعتقل، وكان هاجسها حماية الأطفال من التداعيات السياسية التي بطشت بهذه العائلة".

وتناول المحاضر بعد ذلك، حياة الدكتور منيف الرزاز، والد الكاتب مؤنس الرزاز، والذي كان "نموذجاً لموقف من الحياة، ومن السلطة" وكان واحداً من القيادات القومية في حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، والذي اتهم عام 1979 باشتراكه في مؤامرة ضد صدام حسين، ووُضع تحت الإقامة الجبرية، إلى أن مات في سجنه عام 1986، بالرغم من أنه كان يشغل منصب الأمين العام المساعد للقيادة القومية لحزب البعث. ومما يقال عنه إنه كان يحب الطرب والغناء، ويجيد العزف على العود، وكان مولعاً بقراءة الأدب وسماع القرآن. وكان يحث الجيل على أن يخلق مُثله النابعة من أعماق ذاته. وكان يؤمن بالحرية ويدافع عنها، ويرفض السلطة والتسلط، وقد دفع ثمن ذلك غالياً.

وتناول أعمال الدكتور منيف الفكرية والأدبية، وانعكاس تلك الأعمال على حياته ونضاله، ومنها كتابه "معالم الحياة العربية الجديدة" الذي يتناول موضوع الحرية، وكتابه "تطور معنى القومية" ومشكلات الحرية في البلدان المختلفة، وكتابُه "التجربة المرة" الذي يتناول سيرة حزب البعث العربي وصراع الأمة مع أعدائها. وهنا تساءل المحاضر قائلا: "لماذا ذهب منيف إلى العراق العام 1976 بعد كتابة "التجربة المرة"، وما سرّ تداعيات الحكم العسكري عليه؟ مؤكداً أن هذا السؤال كان على مرّ الأيام، هاجس مؤنس الرزاز أيضاً.

بعد ذلك انتقل عمر الرزاز للحديث عن حياة الأديب الراحل مؤنس الرزاز، وفضّل أن يكتفي بالحديث عن طفولة مؤنس التي سلبت منه، ولا يعرف الناس عنها الكثير، وعن علاقته الإشكالية بوالده منيف الرزاز، "لأنه، كما قال، لا يمكن فهمُه إلا بفهم علاقته بوالده، لأن السنوات الأولى في حياة الطفل، كما يقول أب التحليل النفسي، سيغموند فرويد"، هي التي تطبع حياة هذا الطفل كلها".

وأوضح أن علاقة حبٍّ كبير كانت تربط الطفل بوالده في الخمسينيات، ولذلك فقد كان للاعتقالات التي تعرّض لها الوالد أكبر الأثر على تنشئة الطفل. وهنا يسرد المحاضر تفاصيل مؤلمة عن حياة مؤنس في طفولته، وما تمخضت عنه من آثار عميقة على إنتاجه الإبداعي عبر السنين. فهذا الطفل الذي ولد لأب مناضل قضى طفولة مختلفة عن أقرانه. وظل مشهد اعتقال الأب البعثي، لسنوات طويلة، ماثلاً في ذاكرة الطفل ذي الحساسية المفرطة، فضلا عن أن نهاية الأب المأساوية، في إقامته الجبرية، ثم موته، كانت محركاً أساسياً لقريحة الكاتب، وموهبته الإبداعية.

ومن المفارقات التي تحدث عنها الدكتور عمر الرزاز، أن جبل اللويبدة كان دوماً يمثل المراحل الآمنة في حياة عائلة الرزاز. ففي كل فترة لم تسكن فيها الأسرة، هذا الجبل، كانت فترة اعتقالات وسجون، ومن هنا "كانت اللويبدة، كما قال، هي الملاذ، والعنوان الوحيد الذي شعرنا فيه بالوحدة والأمان".

التعليق