تحقيق غير كاف

تم نشره في السبت 25 نيسان / أبريل 2009. 10:00 صباحاً

هآرتس - أسرة التحرير

نائب رئيس الأركان، اللواء دان هرئيل، بسط أول من أمس (الأربعاء) أمام الجمهور ووسائل الإعلام استنتاجات التحقيقات الميدانية التي أجراها الجيش الإسرائيلي في أعقاب إصابة المدنيين الفلسطينيين وأملاكهم في حملة "رصاص مصهور". وكان الأبرز في أقواله هو المديح الذاتي على مستويين - التحقيق نفسه وجوهر التحقيقات.

برأي هيئة الأركان، وفي أعقابها أيضا وزير الحرب ايهود باراك، الذي سارع الى الترحيب بالاستنتاجات، فإن الجيش الاسرائيلي ليس فقط الجيش الأكثر أخلاقية في العالم بل الجيش الذي يحقق مع نفسه أكثر من كل الجيوش ايضا. وهو لا يخشى الكشف عن نقاط ضعفه، داخل بيته على الأقل كي يصلح الأخطاء ويتحسن؛ ولشدة فرحته يتبين له المرة تلو الأخرى بأن نقاط ضعفه ليست كثيرة جدا.

لا حاجة لأن نبحث هنا في صحة القرار بالخروج الى عملية عسكرية واسعة في غزة كي نلاحظ شكل وقوة استخدام النار في الحملة. فالجهود لتقليص اصابة جنود الجيش الاسرائيلي لا ينبغي أن تشكل مبررا لإصابة سائبة او متهورة للمدنيين. وحتى حسب معطيات الجيش، التي عرضها نائب رئيس الاركان، فقد قتلت قواته بيقين 295 مدنيا فلسطينيا و162 رجلا آخر "لم يشخصوا كنشطاء ارهاب". وهذا ثمن دموي باهظ لا يمكن تبريره فقط بالحجة العادية في أن منظمات الارهاب العاملة في اوساط السكان المدنيين هي المسؤولة الحصرية عن معاناتهم. من الصعب قبول هذا الزعم في أن قتلا كهذا كان نتيجة لاخطاء استثنائية ارتكبها افراد وفي ظل الحفاظ على "مستوى اخلاقي ومهني عال"، على حد قول اللواء هرئيل.

من المعروف أن المقاتلين الذين شاركوا في الحملة، وليس فقط المراقبين الاسرائيليين والاجانب المشتبه بهم بالمزايدة والازدواجية الأخلاقية، ثاروا على ما رأوا، وسمعوا، بل واحيانا فعلوا في غزة. لكن الجيش الاسرائيلي الرسمي يتنكر لهذه الثورة ويحاول تقزيم العوامل المؤدية لها. وبدأ طرح نتائج التحقيق كدفاع متأخر، لأن كبار مسؤولي الجيش والحكومة يخشون من إجراءات قضائية ضدهم خلف البحار.

لقد حقق الجيش الاسرائيلي وبرأ نفسه. واعترف الجيش بأنه كانت هناك نقاط خلل واستثناءات ولكن هذه قليلة فقط بالنسبة لحجم النشاط الكبير في غزة. ويعترف الجيش الاسرائيلي في صحوة متأخرة، بأن الفلسطينيين كانوا محقين أحيانا في ادعاءاتهم بإصابة غير مبررة للمدنيين؛ مثلا في الحالات التي كشفت عنها مراسلة "هآرتس" عميرا هاس. أو في قضية إطلاق الفوسفور الذي اعترف الجيش الاسرائيلي به متأخرا وبعد سلسلة من النفي.

أحد الجوانب الأكثر إقلاقا لتحقيقات غزة هو القطيعة الموجودة بين المستويات العليا والدنيا - تلك القطيعة التي طرحها خطاب المقاتلين في الحملة، والذي جرى في معهد رابين ونشر في "هآرتس".

في المستويات العليا، في هيئة الأركان في تل أبيب أو في قيادة المنطقة الجنوبية في بئر السبع، كان هناك تفكير ثابت، وتخطيط وتوجيه، ولكن في الطريق الى الأسفل تذوب السياسة، وتضيع الأوامر ويتشوش التنفيذ. لا دليل على أن الجيش الإسرائيلي تحسن في هذا المجال منذ قاتل في لبنان في صيف 2006. كما أن ادعاء وزير الحرب باراك ورئيس الأركان غابي اشكنازي في إعادة بناء الجيش الاسرائيلي مايزال يحتاج الى تحقيق.

التعليق