خالد أبو خالد: تربيت على ضمائر مقدسة أسهمت في تماسكي

تم نشره في الجمعة 24 نيسان / أبريل 2009. 09:00 صباحاً
  • خالد أبو خالد: تربيت على ضمائر مقدسة أسهمت في تماسكي

شاعر فلسطيني يرى أن المقاومة تستدعي الحياة

حاوره: زياد العناني

عمان- يرى نقاد أن الشاعر خالد أبو خالد ساهم بإثراء صوت القصيدة المناضلة والمقاومة، وأنه أصَّل وما زال يؤصل الحكاية الفلسطينية وحكاية" العوديسا التي ما زلت تنتفض، وتعيد رسم الحياة الثقافية الفلسطينية.

ويؤكد آخرون أن خالد أبو خالد "ينام على فلسطين ويصحو على فلسطين" ويمتاز بثباته الإبداعي على لقب شاعر المقاومة المتأجج والصاعد من الوجدان الشعبي، الذي لا يتوقف عطاؤه عند الحساسية الشعرية المتدفقة والصادقة أصلا، بل يتجاوزها بالوعي الجمالي والالتزام الوطني.

يذكر أن الشاعر خالد أبو خالد يعمل في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وسبق له أن عمل مذيعاً في إذاعة وتلفزيون الكويت، وفي القطر العربي السوري أيضاً، ثم التحق بصفوف المقاومة وتحمل مسؤوليات فيها. كتب الشعر والمسرحية، ونشر إنتاجه في المجلات والدوريات.

*انت تنتسب الى افق جرى توصيفه بـ "قصيدة المقاومة". هل ما تزال هذه التسمية تحتفظ بديمومتها الابداعية؟

- قصيدة المقاومة الآن تتعدد وتتنوع وتختلف من شاعر إلى آخر ومن مرحلة الى أخرى. وفي تقديري أننا إذا حللنا هذا التعدد سنكتشف أنها ليس فقط القصيدة المحرضة على المقاومة بالكفاح المسلح، ولكنها القصيدة التي تصدر عن حب فلسطين وكل ما يتعلق بها من مكونات.

أرى أن القصيدة الغزلية - وأنا لم أكتب قصائد غزلية- يمكن أن تكون قصيدة مقاومة لأنها تؤكد على الجمال والحب والمستقبل، وهكذا أقيس قصيدة المقاومة حتى عندما يتحدث شاعر مثل محمد لافي عن مكونات غرفته البسيطة فيعطي دلالات تتعلق بالمقاومة، وعندما يكتب زهير أبو شايب حالة من التصوف مع هذه المكونات. أزعم أن قصيدة الشعر العربي الحديث في نماذجها العالية أو المتفوقة، أو حتى التي تقع دون ذلك هي قصيدة مقاومة. في السنوات العشر الأخيرة تعرفت على تجارب شعرية لشبان في الأردن وفي مصر ولبنان وسورية، صنفتها جميعاً كقصائد مقاومة بامتياز، فهي ليست سوى نوع إبداعي مجازي للمقاومة والشاعر الذي يعمل على تطوير قصيدته من مرحلة إلى أخرى، ومن مكان لآخر هو عملياً يقاوم الموت، ونحن عندما نقاوم الموت نستدعي الحياة.

*لماذا لم تكتب قصائد غزلية إلى الآن؟

- إن القصيدة الحديثة من وجهة نظري هي قصيدة حب، وعندما نقول قصيدة حب نعني أن الحب ليس غزلاً، وليس توصيفاً لشكل المرأة أو حركتها أو ثيابها. الحب الوعاء القادر على أن يجعل حضرة المرأة متداغمة مع موضوعات مثل الأرض والقضية التي يناضل الشاعر من أجلها، والتالي أعتبر قصائدي قصائد حب بامتياز، وقد تجد أن في بعض القصائد أن المرأة كاملة الحضور في متنها.

*هل لك أن تحدثنا عن مراحل التطور في تجربتك الشعرية؟

- لقد بدأت شاعراً شعبياً شفوياً وعبَّرت ارتجالتي هذه عن تركيبة الحياة بما فيها من حب وحرب ومعطيات كثيرة، ثم انتقلت لأكتب في عمود الشعر العربي، فتطورت أدواتي وتطور الشكل لدي. وعندما انتقلت إلى قصيدة التفعيلة. أواخر الخمسينيات اكتشفت أن التفعيلة تشترط لغة مختلفة تتجلى في كونها ابنة عصرها في ما يتعلق بمشكلات الحرية والموت والحياة، وفي تطور قدرة الشاعر على التعبير عن المضامين التي تمحور حولها الأدب، ومن هنا يظل الشعر يطور من قدرة الشاعر على توصيل هذه المضامين للمتلقي، وهي مضامين لا تتغير، ولكن الذي يتغير هو الشكل الذي يستخدم أداة ووعاء، وهذا الشكل هو الذي يرتقي بالقصيدة من نص إلى آخر، ومن مرحلة لأخرى، محافظاً على تماسك المضمون في داخله، وعلى قدرة هذا المضمون في أن يظل في مساحة الثوابت التي تتحول أشكالها إلى حالات أرقى، والرقي هنا في شكل النص هو الذي يوازن بين الذاتي والموضوعي، وبين حاجة الشاعر إلى الإرتقاء، وحاجة المتلقي إلى الفهم.

* قلت إن تجربتك مرت في ثلاث مراحل، برأيك لماذا لم تكتب قصيدة النثر؟

- لقد مرت قصيدتي بتجربة مزاوجة بين العامود والتفعيلة، والمزاوجة بين النثر والتفعلية، ولكن هذه المزاوجة حكمها دائماً سقف تطور القصيدة لدي، فأنا مثلاً لا أرى في قصيدة النثر تجاوزاً نهائياً لقصيدة التفعيلة أو لديوان الشعر العربي، فالذي لا يعرف يجب أن يعرف أن عمر قصيدة النثر في بلادنا أطول بكثير من عمر قصيدة التفعيلة، لقد بدأت بالريحاني والزيات، وآخرون كتبوا هذا الشعر، وعندما أقول الشعر فأنا أتحدث عن الشعرية بمقياس قصيدة العامود أو التفعيلة، ولكن بمقياس شعري يتعلق بلغة الشاعر وأدواته في هذه المرحلة، فهي نص مواز للنصوص في تجربة الشعر العربي الحديث، بمعنى أنها ليست نتاج تطوره، ولكنها نتاج ميلاد حدث مواز لديوان الشعر العربي قديمه وحديثه، تماماً كما هو الحال في المقامات مثلا التي ولدت لتكون موازية للرسائل أو الخطابات أو أي صيغة كانت سائدة في حينها.

إن لقصيدة التفعيلة والعامود إشكاليات جرى حلها مع تطور التجربتين، فإن ما نصطلح عليه بأنه قصيدة نثر لم يستطع أن يتجاوز مشكلاته، وأخطر هذه المشكلات مشكلتان: الأولى هي الاستسهال والثانية، هي الكتابة تحت تأثير الوافد المترجم، فثمة نصوص يمكن أن تحتمل توقيعاً أجنبيا،ً بمعنى أنه ليس فيها من خصائص الأصالة شيء، ومنها ما لا يحتمل أي توقيع أجنبي، ومن هنا إذا استطاع شعراء قصيدة النثر أن يحلوا تلك الإشكاليات فقد استطاعوا عملياً أن يخرجوا بها إلى الحالة الأكثر معاناة. بمعنى أن على الشاعر الذي يغامر في الشعر أن لا يستسهل من جهة، وأن لا نخضع للتأثير المترجم من جهة أخرى، ولكن المشكلة هي في أصحاب المنابر الإبداعية أولئك الذين يجدون لديهم من الفراغات في الصحافة أو المنتديات.

* ولكن ألا ترى معي أن قصيدة التفعيلة عانت من المشككين سواء في الاستسهال أو في فعل الترجمة!!

- قصيدة التفعيلة عانت أكثر من هذا بكثير، وما زالت تعاني، ولكنها لم تعان من تأثير المترجم. هي عانت من تأثير الحرفية التي عانت منها قصيدة العمود.

الشاعر الذي يستطيع أن يكتب قصيدته بحرفية إنما يكتب قصيدة خالية من روح الشعر بمعنى أنه نظام. وكذلك قصيدة التفعيلة ثمة من يكتبها بهذه الحرفية لكنها تخلو أيضاً من روح الشعر. هذه الإشكالية ستظل موجودة إلى زمن ليس قصيراً والخروج من هذه الاشكالية رهن الخروج من إغراءات الحضور لدى المتلقي. فالشاعر المتفوق لا يطربه الحضور ولا يستعجل القصيدة ولا يلهث وراءها، وإنما يكتبها عندما تأتيه، وقد يغيب عن المنابر سنوات لكنه لا يغيب عنها، فالمتلقي دائماً ينتظر النص الأرقى ولا يخاف الشاعر هذا الغياب لأنه يتوقع أن المتلقي بانتظاره.

* كيف تنظر إلى راهن الشعر وما يمر الآن عليه من تصفيات مثل "شاعر المليون" و"أمير الشعراء"، وغيرها من التسميات؟

-من المؤسف أن شعراء متمرسين شاركوا في مثل هذه الظاهرة، وعندما تسأل لماذا؟! يتحدثون عن أن هذا الأمر يعطيهم فرصة لكي يكونوا موجودين. المشكلة في مثل هذه الظاهرة أنها تبدو إتفاقاً بين شركات الإتصالات، وهذه القنوات الفضائية التي تستخدم هذه الظاهرة لتكسب بالتقاسم ما لا حدود له مع شركات الاتصالات، وما يوزع من جوائز نقدية لا يساوي قطرة في بحر من الأرباح، لكن الخطير هو أن المنتديات الفضائية أصبحت تدعو أسماء تظهر لكي تشارك في التعامل مع المتلقي العربي، وتكون عملياً غير قادرة على أن تقدم نصوصاً ذات خصائص متقدمة.

المشكلة الأكثر خطورة هي التي تدعو "الجمهور"؛ الجمهور الذي هو في مستويات ثقافية عريضة لكي يحكم على أن هذا يمكن أن يكون شاعرا، وهذا غير شاعر، وتبعد قضية الشعر خارج إطار الإبداع. فأمير الشعر أو شاعر المليون ليس هو من يتخرج في تلك الظاهرة، ولكنه الشاعر الذي يحظى بجمهور يتلقى شعره بوعي، ولا يمكن أن يبلغ عدد المتلقين مليوناً، فالشعر هو للمتلقي النخبوي بالأساس، وبالتالي ما هو المقياس الذي تقدمه شركات الاتصالات والقنوات الفضائية لكي يكون إطارا، وأداة لحكم قيمي على النصوص المقدمة.

* بما أنك تتحدث عن الشعر النخبوي، كيف يمكن لنا أن نتجاوز مشكلة التلقي؟

_في تجربتي التي امتدت ثلاثين عاماً على مستوى المنصة اكتشفت أن العواصم تحشد المتلقي في ظروف المد السياسي. أما في مثل ظروفنا الحالية، فالعواصم مقفرة حيث لا عمل سياسي، وحين تبتعد عن العواصم والمدن الكبرى نلتقي بجمهور واسع وغني ومتعطش لتلقي الشعر، وقد يصل عدد الحضور في قرية نائية إلى ألف، بينما لا تجد مثل هذا العدد في العواصم مستثنياً من هذا تجربة محمود درويش، فهي تجربة ساهمت في أسبابها عوامل عديدة ليس أهمها شعرية الشاعر. فلو جاء هاني شاكر إلى أي عاصمة لوجد حشوداً من الناس. إذن هذا ليس هو المقياس، ثمة ان التلقي هو تدريب الجمهور على أن يستقطب لصالات المنصات بالأسلوب الذي يضمن حضورهم، وهذا لا يحدث لدينا فأنت تجد أن التعميم خارج المهرجانات لا يتناول أكثر من نفس العدد المحدود الذي يأتي كل مرة. ثم إن الجامعات هي المساحة الحقيقية للشعر، فلماذا يغيب الشعر عن الجامعات وهذا هو السؤال؟ في الستينيات كانت الجامعات هي ملتقى الشعراء. الآن الجامعات مقفرة من الشعراء الذين يتحملون مسؤولية تنموية لاستنهاض جيل جديد من الشعراء.

* كل شيء قد تغير من حولك.. ما الذي يجعلك متماسكا فيما تقوله عن المبادئ والأفكار الكبرى؟

- الشعر يساعدني على التماسك. أنا في داخلي تربيت وربيت مجموعة من الضمائر، منها ضمير الأرض المقدسة وضمير الشهيد أبي، أو الشهداء وضمير جدي وضمير الشهيد عبدالرحيم محمود، ثم أنا شاعر أفكر بواقعية ولا تشدني الأوهام حلمت دائماً بولاية فلسطين في جسد الوطن العربي الواحد. إن فلسطين هي الاسم الحركي لهذا الوطن العربي، والواقعية تقول إن العدو الصهيوني هو عدو يملك برنامجاً لمشروعه، وبالتالي هو يسخّر ما يستطيع بما في ذلك بعض الفلسطينيين، وبعض العرب يشكلون غطاء لمشروعه، وانجرارهم لوهم الدولة الفلسطينية، ولأنني واقعي فأنا غير قادر ولا أستطيع أن أجر إلى مثل هذا الوهم، ولأنني واقعي أيضاً أعرف وأعي أن الواقع ليس ثابتاً، وإنما هو متغير ومتحرك لأن الانحطاط حالة عابرة وليست ثابتة.

التعليق