الموت يغيب الكاتب والشاعر اللبناني بسام حجار

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2009. 09:00 صباحاً
  • الموت يغيب الكاتب والشاعر اللبناني بسام حجار

 

عمان - الغد - جاء رحيل الشاعر اللبناني بسام حجار عن عمر يناهز 54 عاما، صادما ومفجعا وذلك بعد إصابته قبل أشهر بمرض السرطان، وقد دفن الشاعر في مقبرة صيدا حيث عاش معظم حياته.

نشر الراحل منذ العام 1979 عدداً من الكتب الشعرية التي شكلت محطات أساسية في قصيدة النثر اللبنانية، ولا سيما بين الجيل الثاني من شعراء هذه القصيدة.

وعمل حجار في عدد من الصحف، فكتب في "النداء" و"الحياة" و"السفير" و"ملحق النهار الأدبي". وظلَّ يكتب في ملحق "نوافذ" الذي تصدره صحيفة "المستقبل" حتى وفاته.

رحل بسام حجار هو الذي عاش بين هجرات الحروب وجولات العنف وهجرات السلم، هو الرافض للعنف والقتل والإلغاء وحروب الآلهة جميعاً وجنون الطوائف والمذاهب والتعصب.

لجأ أخيراً إلى الموت، الى عالمه واعتزل بعزلة قاسية وفي غربة رافقته الى داخله طويلاً خارج الكرنفالات والأضواء، هو الذي كان بالكاد يومئ الى ذاته وبتجريدية عالية وداخل تجربته ومكانه ولغته وشخصيته وبيته وقصيدته.

رحل بسام حجار في لعبة ليست جديدة خلف الأضواء، في التواري والاختفاء تاركاً حضوراً خصباً مقيماً محرراً وكاتباً وشاعراً عُرف بالقدرة على الاستلهام اليومي على نحو تبدو معه التجربة الشعرية تعبيراً عن علاقات محددة ومباشرة بأناقة الكتابة الخاصة وبأجواء شبه سرية وبارتدادات شبه دائمة الى حرب مأساوية قلقة.

تقرأه لغة مركّبة موحية بذاتية، وبكيمائية لغوية مكثفة وبخصوصية جمالية في التعاطي مع اللغة.

رحل وهو لم يكمل مسيرته. قدم الى المكتبة اللبنانية العربية انتاجاً شعرياً بنكهة فردانية متعددة متمايزة وخاصة، كما قدم الى القراء أجمل الترجمات ممسكاً بمفاتيح لغوية بشيفرات محددة واسعة الرؤيا وباهرة تكتب وتبحث عن أشياء خاصة وكبيرة.

هو المثقف المتطلع بعمق الى الأشياء، شخصية بالغة الحساسية، مستبطنة لبعض من الغموض في استخدامات اللغة والصورة والرمز باستيحاءات حداثية ومعاصرة لم يدخل اليها كثيرون.

في الآونة الأخيرة انتقل ولم ينتقل بسام حجار الى الكتابة اليومية شبه السياسية، لا أدري إذا كان يلعب في الزمن الميت للشعر هو ابن تلك الجمالية الشعرية التي لم تسكتها الحرب لا عن الحرية ولا عن التمرد.

كانت كتاباته الساخرة والتهكمية بمثابة امتياز الصفحات بأدوات تعبيرية لغوية وكأنها لوحات نقدية عالية النبرة واسعة الرؤيا وساحرة. كتابات في ملحق "نوافذ" تشير الى عقم الدوامة اللبنانية الفوضوية حيث السلم الأهلي والتعددية والتنوع تسقط في مأساة الحرب مرة ثانية وثالثة وأكثر. كانت نثريات محملة بماويتها الكيانية وبالسخرية من قيم سياسية محملة بكل أدوات الترغيب والترهيب والأصابع العليا المرتفعة بوجه الحريات العامة محاولاً تفكيك الخطاب السياسي مؤشراً ليس الى ماضي الكلمة واللغة بل الى مستقبلها بوضوح وموضوعية وبحساسية مع عدم الارتهان الى رؤيا سياسية وحزبية ضيقة أو محددة.

تساقط الهواءُ خلفه بلا رحمة

بول شاوول

 إلى بَسّام حجار

-I-

كان يشبه شِعره بسام. صوته. صوته كان طالعاً من وراء كلماته. أقرب الى الصمت. أخف من التمتمة. رفيق الزوايا المنفردة بلا حساب.

كان يشبه شِعره. بسام. تلقاه كأنما تلقى قصيدة كتبها. او سيكتبها. أو لن يكتبها. قصيدة قد تبدأ بيديه أو بعينيه أو بأنفاسه. يقابلك بتلك البسمة المظللة: السروة تنفتح فجأة على أحجيتها. أو يقابلك بتلك السرية المُعلنة: ما وراء الكلمات أشقى أو ربما ما يشيع منها، أوفر، وأقسى، وربما أحياناً أكثر انقشاعاً، مما يلقى في الأركان. من طزاجة ما يتوارى خلف التماعة أو رعشة خافتة، أو لمحة على تباعد.

رحل بسام. هكذا ربما بوداعات منشغلة بغيرها. قليلة. كأن يفتحُ الباب ثم لا يغلقه وراءه. وحده كأن ظلالاً كثيرة لتبقى، وأخرى لتشيع ما خلفّه وبأسف من حفيف، أو رذاذ، أو ما يقع في ما لا ينساه، أو من فتح الباب ملياً بلا رحمة ترجى. بلا حديقة. ولا سياج بفصول أربعة أو خمسة أو بلا فصول. ربما. وأقل.

-II-

ذلك أن الشاعر. ومن مساءاته الكثرى، ويرى، وستارٌ يقطع هواءه كمقصلة، ويرى، كم ان المسافة حية بعذابها بين العتبة والعتبة، بين الفجر وما يشرق عليه. وهكذا، ليكون له ان يحدق، وبلا أسف، في ما يتلاشى منه، ولا يحفظه، وما يتبدد في احشائه، لحظة لحظة، ولا يستبقيه. هذا الجسد، من يتكهن ما يفعله في عتمة الداخل، في تضاعيف الشرايين في هشاشة الأعماق، لا شيء! ربما. وفجأة، فريسةً، يصير، واعزلَ، وبلا حيلة، ولا معين: وفجأة الوحش ينهش. ينهش. ولا ما يرده. جنون الفريسة الطازجة. بدمها. وجلدها. كيف ترتعش وكيف لهذا الوحش الغامض، ان يستفرسَ الكائنَ. الوجه. اللحم. الدم. ومِزقاً في الداخل. فيا لقسوة العمر ويا لتِيه المشقات. ويا لعزلة البدن في مصارعه الأخيرة.

-III-

رحل بسام. مديد فضائه، شقيق يديه، أليف عزلته. وكان له أن يبقى. وكثيراً (وأين؟) وكان له ألا يبقى وكثيراً. فيا لتلك الشدة في الصحو.. ويا لتلك الصفاءات كيف، لبديدها، أن يتفانى، ذرات في فضاء نَهِم.

قاس، جاحد، أكُول، يحول ما تجمعه العناصر على غير تكاوينها.. إنها اللحظات القصوى من يُدبّرها. إنها الهاوية من يقيس سُجُفها وفخاخها؟

وهنا، كان لبسام، أن يترجّل (بعده أو قبله) وكثيراً، ثم لينهض، ثم ليتملّى جميع حواسه وعينيه وكلماته وصمته في ما يخون نسيانه في ما يعزل إحجامه بريبات مجهولة وبإشفاق طاعنة.

وكان له، أن يتفقد اسلحته، وكانت كثرى. اسلحته، التي لم تسقط قبله، ولا ربما بعده. وربما لا شيء! عمر غير مديد انقطف على كسرة وقت: كأن تفتح نافذة لتراك الظلمةُ خلفك: الطعنة الفجاءة، الفجاءة الحادة. وبلا انكساف وبلا نذور وبلا مناديل ولا قبعات. هكذا كأن يعبر من ضفة الى ضفة بلا جسور. يختلط كل شيء بكل شيء: الجسم بأسبابه. والمرض بآلاته السرية. والعمر بتمازجه واليأس بستائره المرفوعة، ومراسيه المتباعدة. وهناك، ولا شفقة، لتلوِّّح شفاه متلعثمة، وتُنكس وجوه جلّلها السواد، ويسترد الصمت أحجياته..

-IV-

رحل بسام. ولا احد يرحل كمثل بسام. رحل بسام. وكأنه آتٍ من وراء الوحش الناهش. انتصر عليه بالصمت. وكأن الصراع لم يكن متكافئاً الا عندما سقط الوحش قبله. قبل بسام. سقوط اللعنة. بين الفريسة والآلة الجهنمية. الطالعة من الجسد. كيف يطلع من الجسد، ومن خلاياه ومسامه وتلابيبه ودوراته، وحش لا يشبهه. التدمير من الداخل وبالداخل: كيف يخون الجسدُ الجسدَ. كيف ينجب الجسدُ موتاً عديداً وبلا أسف، الجسد ينتصر على الجسد بالموت.

ولطالما انتصر عليه بالحياة او بالغياب او بمهملات الوقت. أو بالأرق. او بما يرميه أمامه. الجسد يهزم الجسد بالموت. والجسد بالجسدِ. الموت بالموت. والفريسة بالفريسة.

وهنا كان على بسام ان يواري ما اراد الجسدِ ان يواريه: فليقتحمهْ. فليبَادِرْه. وأخيراً فليكسرْ جشع هذا الجسد بفخاره، فليخرج من الحلبتين الى باب واحد: الموت. من كوة واحدة: العتمة. من كلمة واحدة: الصمت.

V-V-

وكان لذلك الصمت ان يترك ما يترك وراءه: ما لا تأخذه يدٌ ولا ترمشه عين. ما لا يخادعه قَدَرَ ولا يلاعبه غياب.. ما لا تهتكه لعنة: غادر بسام السرير والعتبة والبيت والصمت ليغادر الموت ايضاً: مغادرة الحياة مغادرةٌ للموت. ليغادر ما يمكن مغادرته: احتمال مغادرة كالشِعر. والشعر احتمال مغادرة دائمة ولا يغادر. التحقَتْ ببسام تذكاراتٌ خلفه وامامه. وآلام وأيام. لكن تمرَّدَ شعره قبله وكثيراً. تمرد شعره بعده. شعره الذي يشبهه، يشبه شَعرَه اذا طال. وصمته اذا لم يبُح. وظله اذا استبقناه في كلماته. على صورته، على مقاسه. على خطاه، على اصابعه، على رماد سيجارته، على مدار كأسه، على حافة سروه الداكن بأسراره. وغباره وطيوره. على تلك القصائد خرينة الكامن. رهينة فضاء مفتوح، أليفة غربة مكسورة، خليلة صمت كثيف بمدارك كثيرة وبوح أقل. حليفة عبث قائم. عبث تستشفه بمودة عالية. تسترده مرات ويتلوّن. ولا تراه، ثم تستعذبه عبقاً: الجرح والنزف واللاشيء والعدم، لكنه العدم الخلاب. المفتوح على الاقدار الباذخة بتفاهاتها. انها العزلات المتوارية خلف عزلات. وبياض وهوامش يرسم حدودها العصية عليه وعلينا: الكنز المرصود: العزلات العالية المحفرة في تربتها.

وبسام في ما خلفه، يمسح وجوهنا بغفلات حادة، بوحشات مألوفة، بمُتع مُرَّه، بشِعر يشبهه، ولا يشبه سواه. وعندما يكون لسواه ان يشبهه، فلكي نرى بسام وراء مراياه المحجبة.

-IV-

إسْوَّدَ علينا خبر رحيلك يا بسام. في عيوننا التي وَهنت. في ايدينا التي انقبضت على ما تبقى من اشياء تسقط ولا تجد مقراً لسقوطها. اسودّ النهار على اخرياته الى أوله. انقشعت على الخبر الصاعق، ليلة سابقة فأخرى، فدوامٌ لم يعد دواماً. ولجلجة اصوات دون كلامها. هكذا. وعندما كان لنا ان نستذكره غاب كله. كانت الدمعة ربما كل التذكر الدمعة التي تبقى اكثر من مائها. ذلك انه، عندما فاجأنا الخبر، في المطار واكبنا، خلف كل الحقائب والنظرات الغائبة والخطى الطارقة كالنواقيس. وعندما كان لنا، في عودتنا الى البلاد، ان نتلفت حولنا، تهاوت من انظارنا ظلال وكلمات ومقادير صمت ومن أحزاننا ما يُبدل المطر فوقنا، شهقة، او أنفاساً تَنَصّلت من أسبابها، وأسف تقلب على جمره. ذلك ان الخبر الذي اسوَدّ علينا كظل سروة من سرواتك وكغيمة بعيدة بلا أثر، ادار ابصارنا كلها، وكان وجهك الأقصى وشعرك الأبهى وكانت ملامحك ملتبسة بهواء اختلط بماء المطر، وبصمت امتزج برماد السماء!

-VII-

رحل بسام. من باب الى باب. ربما، من سرير الى سرير، ربما. من وقفة امام الوجع، ربما من اطلالة على العدم. ربما. ربما!

من طبقة ظاهرة الى جذور. ربما! ولكن عندما تستحضر ما يمكن استحضاره يكون لتلك القامة السرية بطولها، ولتلك الأحجية في العينين، ولتينك اليدين المسبلتين ان تضعا على الوسادة الأخيرة ما افلتتاه طويلاً.. كأنْ تحب الوردة فتفلتها الى مساحتها الأخيرة! كأن تُقلًِب البصر لترميه في فضائه العقوق!

ربما. الشعر بل هو الشعر من أول القامة الى آخر الأركان المنعزلة.. الى آخر الكلمات القاطعة على فضاء لا ينتهي.

-VIII-

نام بسام على حافة عينين متعبتين

على هاوية حواس ملتهبة.

كأنْ لا يستيقظ نوم

في نوم آخر،

على حافة ما يبعثر الحاسة والهواء

على منحدرٍ وعالياً بلا دربه السابقة،

وغريباً على مُطله الحي.

IX

شِعر يجري أمامه كما لو

أن على أطراف أصابعه

حريقاً.

كما لو أن ولادة جديدة قادمة.

X

فجأة اختفى في ذاته

تماماً.

كأن ترى لهباً يكبر

وينطفئ على لهب آخر

فجأة

لم يعد من ذاته

وغاب،

كأنْ شعلة

تكبر فجأة

ولا تنطفئ.

(انطفأ ملء حواسه)

وعندها تساقط الهواء

(خلفه)

بلا رحمة.

XI

الغيوم، على يديه، وفجأة،

كأن انحنت او ضجرت من الرحيل

ومن السماء

تتوقف لحظة (كما لا تفعل الغيوم)

تترك أيديها

وقبعاتها

تسبل أجفانها (عليه)

ثم ترتمي بكل خفتها الخادعة

وكثيراً

عليه

لكي لا تعود

لكي تغطي وجهه

كآلام بطيئة يطيئة

لكي تبقى عليه

لكي تنسى السماء ولو مرة واحدة.

ولو مرة واحدة،

لكي لا تكون الغيمة غيمة:

بل وجه آخر على مسافة بطيئة

بطيئة

كأصابع مسبلة على أصابع

كأحزان متعبة على أحزان متعبة

كميتة جاءت للمرة الأولى واستقرت

على خرابها الأخير.

(ليل 17/ 18 شباط 2009)

التعليق