غرايبة: أدين بالمعنى الجمالي للبتراء وتجليات سيلها ما بين الحلم والواقع

تم نشره في الجمعة 13 شباط / فبراير 2009. 09:00 صباحاً
  • غرايبة: أدين بالمعنى الجمالي للبتراء وتجليات سيلها ما بين الحلم والواقع

روائي أردني كاد يعتذر عن"مشروع التفرغ الإبداعي"  

حاوره: زياد العناني

عمان- يرى الروائي هاشم غرايبة أن روايته "أوراق معبد الكتبا" التي فازت بمشروع التفرغ الابداعي، كانت ومنذ البداية تهجس بالإنسان ومعاناته وبحثه الدائم عن الحقيقة.

ويشبه غرايبة صراع "بترا " مع اليهود بصراعنا الراهن معهم، لافتا الى أن أبعاد روايته قد ذهبت في اتجاهين:الحديث عن الماضي بصيغة الحاضر والتعريف عبر الهوامش بتلك الرموز والاشارات القادمة من الماضي.

ويقول غرايبة  "كنت مدينا لـ "بترا" بالمعنى الجمالي الذي يتممد في الرواية، خصوصا وأن في صخرها البارد تتجمع نيران دافئة، وأن في جوفه أيضا مياه عذبة عذوبة الماء المتخيل".

يذكر أن الروائي هاشم غرايبة من مواليد العام 1953 في قرية حواره/ شمال الأردن، أكمل الدراسة الثانوية في مدارس مدينة اربد في العام 1970. تخرج في جامعة بغداد في العام 1975. كما يذكر أن غرايبة قد حاز على جائزة الإيراني للقصة القصيرة في العام 1990، ودرع الرواد العرب من جامعة الدول العربية على مجمل أعماله (مهرجان الرواد العرب/ القاهرة 1999).

صدر له في مجال المسرح: "ثلاث مسرحيات أردنية " منشورات رابطة الكتاب الأردنيين 1985، و"كان وما زال" و"الباب المسحور" و"مصرع مقبول ابن مقبول "و"الوقوف على قدم واحدة "، وصدر له عدد من الروايات منها: "بيت الأسرار "دار الأفق 1982، و"المقامة الرملية " المؤسسة العربية 19980 و"رؤيا " دار الكندي 1992.

وفي مجال القصة القصيرة صدر له: "هموم صغيرة " طبعتان 1980 مطبعة شوقي معبدي وأمانة عمان الكبرى "قلب المدينة " دار الكندي 1994/ ترجمت للألمانية، و"عدوى الكلام" المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001.

"الغد" التقت غرايبة فكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته الروائية، إضافة إلى معالجته للحدث الذي قاده إلى الحديث والواقعة التي كانت توجه سرده لحظة كتابة "أوراق معبد الكتبا".

* بداية دعنا نسأل عن روايتك الجديدة " أوراق معبد الكتبا" وظروف كتابتها تحت مظلة مشروع التفرغ الابداعي؟

- رواية " أوراق معبد الكتبا" ولدت بالصدفة، رغم التخطيط المسبق في الإعداد لها كونها جاءت ضمن مشروع التفرغ الابداعي التابع لوزارة الثقافة، فبعد أن كتبت أكثر من مائة صفحة مما كنت أتخيله الجزء الثاني من رواية "بترا ملحمة العرب الأنباط " شعرت بثقل الوقت وثقل المادة التاريخية التي حضرت في النص، وشعرت أنني أبتعد عن فرحي بالكتابة. وفي منتصف عام التفرغ توقفت عن الكتابة وقررت الاعتذار عن المشروع وذهبت إلى "بترا" في رحلة هدفها الراحة وليس التنقيب، وهناك وجدت نفسي أمام "معبد الكتبا " المكتشفة آثاره حديثا، أنظر الى هذا الأثر الدارس وأتخيل سدنته وكتابه وأهتف: "ها هي روايتي هنا". وبالفعل عدت مساء إلى الفندق وكتبت نصا حيويا فرحت به، وانهالت الصور ونهض "سفيان الكتبي" و"اليسار" و"كلاوبا" و"نسرو" من بين انقاض "معبد الكتبا" ليسرحوا معي في أرجاء مملكة الأنباط في زمن الحارث الرابع. لم يكن حضور الحارث الرابع بشخصه، بقدر ما حضر بأفعاله وأكثر ما حفزني للتنقيب في زمن الحارث الرابع، هو ذلك الشرط الثقافي الذي ضمنته روما في شروطها لاستسلام الانباط. لقد طلبوا من الفنيين وقف العمل بالصرح الكبير ومدرج الاحتفالات.

 تاريخيا توقفت الحملة لأسباب لا علاقة لها بقوة الانباط لكن بهاء فترة حكم الحارث الرابع تجلت في استكمال مشروعه الحضاري في بناء الصرح وتعزيز دور "معبد الكتبا " وبناء المدرج الكبير على هذا المحور أو الاستعداد للحرب والصراع مع القرى المحلية ممثلة ب"هيرود" ملك يهوديا و"بتيلوس" القائد الروماني في سورية وعلى شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط بين عائلة الكتبي ومحيطها الجغرافي وفي زمن خروج يوحنا المعمدان مبشرا بالمسيح نسجت أحداث هذه الرواية.

* هل كان في بالك وأنت تجمع المادية التاريخية عن زمن الحارث الرابع أن تبحث عن زمن ورمز سياسي وإنساني مفتقد في الراهن الحالي؟

- نتحدث بداية عن المادة التاريخية المتوفرة حول الانباط ربما روايتي الأولى "بترا" المسماة رواية العرب الأنباط" كان هاجسي أن أكتب حكاية هذه المدينة العجيبة، وأن أكمل النقص في الفجوات والهفوات التي لم تك مقنعة في مراجع التاريخ. أما في روايتي "أوراق معبد الكتبا" فقد كان هاجسي يتمثل في الإنسان. الإنسان بكل معاناته وأفراحه وأحزانه وبحثه عن الحقيقة. هذا البحث كان يشبه البحث عن حكاية جميلة من الماضي تسند الحاضر وتنهض به. لقد كان للأنباط دولة ذات طموح حضاري وتجلى ذلك في تلك الآثار الدالة على تميزها بالحصاد المائي وتوزيعه، وتدل على ازدهار التجارة والقدرة على تمثل تلك النهضة بصروح منقوشة على حجر المدينة الذي جسد تخليدا ما يعتقد بأنه رمزحضارتهم وخصوصيتهم.

في تلك الفترة التي كانت تمر بالأحداث العظيمة، دخول الرومان إلى بلاد الشام ليحلوا محل اليونان، تحديد البطالمة في مصر والسلوقيين في بلاد الشام وفي ظل بحث الانسان عن خلاص عبر ظهور يوحنا المعمدان، ثم ظهور السيد المسيح، وهذا يعني أن البحث عن الخلاص ممتد عبر صراع مستمر ودام منذ ذلك التاريخ.

ما رأيته في تلك الفترة من صراعات بين العرب الأنباط وجيرانهم اليهود ومحاولة حفظ التوازن أمام تغير موازين القوى في المنطقة لمصلحة الرومان، يشبه الى حد كبير الصراع الذي نعيشه اليوم أمام جبروت القوى العظمى ودموية دولة اليهود المزروعة فوق أرض فلسطين.

 ثمة جانب رمزي هام تجلى عبر النص في قيام حملة مشتركة من الرومان وهيردوس حاكم اورسالم لاحتلال مدينة "بترا" عاصمة الأنباط، وفشل هذه الحملة وانعكاس هذا الفشل بشكل نصر مبطن للأنباط استغله الحارث الرابع لاسترجاع القرى "العشر" التي كانت قد اغتصبت والحقت باورسالم واسترجاع ابنته "سعدات" مطلقة "هيرود" وهيرود هذا هو صاحب "سلومي" وقاطع رأس حنا المعمدان.

* إذا كان لا بد من بطل لكل رواية أين البطولة في رواية" أورق معبد الكتبا" ؟ ولماذا اختفت بطولة الأشخاص وظهرت بطولة الأمكنة؟

- إذا تحدثنا عن البطولة بشكل مباشر فإن البطل هو "معبد الكتبا" الذي حمل تاريخ المدينة وأنيط به تسجيل وقائع الحياة اليومية للأنباط. أما البطل الثاني فهي مدينة "بترا" نفسها، بوصفها حاضرة توفر الأمن والماء والبضائع لقوافل التجار في منطقة شح فيها الماء وقل فيها الأمان. أما عن بطولة الاشخاص فالبطل الخفي في هذه الرواية هو الحارث الرابع، لكنه لا يحضر بشخصه إلا قليلا ويحمل عبء الحدث والحدث هو أسرة "سفيان الكتبي"، خصوصا النساء اليرمارا التي شكلت حلقة وصل وملتقى لشخوص روايتي وقادت تطور "معبد الكتبا" ليكون صرحا ثقافيا تتردد أصداؤه إلى كلمات حتى تصل حاضرنا الراهن.

* هل ثمة ربط بين زمن بترا والزمن الراهن؟

- ربما لعبة الزمن فرضت نفسها منذ ولادة فكرة الكتابة حول "معبد الكتبا" وفي بداية الرواية يمتزج الكاتب المعاصر مع مخيلة عراف من معبد الكتب بحيث يختلط الأمر على المؤلف، ويتساءل أيهما يكتب هذه الرواية الآن هل هو نبطي تسلل إلى زمننا وخرج من بين سهول "بترا" ليحدثنا عن زمنه، أم هو كاتب معاصر حلم بأنه نبطي عاش في الزمن الماضي.

وهذا ما يبرر للرواية ذهابها في اتجاهين: الحديث عن الماضي بصيغة الحاضر والتعريف عبرالهوامش وبرموز وإشارات قادمة من الماضي. الزمن الفعلي الذي تدور فيه أحداث الرواية محدد بسنة الهجوم الفاشل لأعداء الأنباط على "بترا". أما الزمن المتحضر من خلال السرد فيمتد عبر ذاكرة الشخوص الى مساحات زمنية متفاوتة، وبهذا المعنى إذا رصدنا أحداث الرواية بعين الحاضر، فإننا نكاد نحس بارهاصات الواقع المعاش اليوم ونلمح ظلال الصراعات التي نعيشها في ثنايا بحث شخوص الرواية عن نوافذ وآفاق لتأكيد حضورهم وتأبيد ابداعاتهم وهم يودعون الحجر والصخر لثرى أرواحهم.

* إلى أي معنى أردت أن تصل من خلال هذه الرواية؟ وما هو الأسلوب الجديد الذي تقاطعت فيه مع رواياتك القديمة "بترا رواية العرب الأنباط" ؟

- أنا مدين بالمعنى الجمالي لمدينة "بترا" نفسها. "بترا" أوحت لي أن في هذا الصخر البارد نار غافية، وأن في جوف الحجر القاسي مياه رقراقة. وبين عذوبة الماء المتخيل في أنابيب الفخار المهشمة وحرارة النيران في مواقد الأنباط التي تركوها باقية في آثارهم انبثق شكل الرواية وسياقاتها. ثمة شعرية خاصة نبتت من تلقاء نفسها داخل النص تفاجأت بها مثل: "شيمكار أنا لا أفكر بالغد أنا أفكر بك" و" شيمكار أنا لا انتظر النصر بل انتظرك" و" شيمكار أنا لا أفكر بالخلود ولكني أفكر بلحظات معك".

مثل تلك الانبثاقات التي يفرضها السياق ويقودني النص اليها تفرحني مع انني أعرف أن الناقد لم يتوقف مع "اليسار" وهي تتنهد قائلة بحزن :"الغيم الذي ينبجس داخلي بودي لو أزيحه بعيدا لكني ابني من بيتا وأتمنى أن لا يفتح الباب أبدا" هذه بعض التفاصيل.

 أما في البناء العام للرواية فاعتقد أن المعنى الجديد تجلى في سيلها بين الحلم والواقع. هناك جانب آخر. وهو الجانب الفلسفي الصوفي الذي تفجر في روح "نسرو" زوج "اليسار" وقاده الى يوحنا المعمدان ثم الى انقطاعه عن ملذات الدنيا ناسكا وعرافا شكل معادلا لواقعية زوجته "اليسار".

الشخوص أمثال "نسرو" الباحث عن الحقيقة و"كلاوبا "الفنان المرح وصراحة الطبيبة "زلف" شكلت بمجملها منحوته جدارية لحياة الانباط وأحلامهم وأحزانهم مجسدة الجمال المادي والروحي الذي حرص الانباط على نقله للاجيال المتعاقبة من بعدهم خصوصا في آثارهم ونقوشهم ونقودهم التي وصلتنا.

لقد قاد الحدث شخوص الرواية الى مصائرهم أي أن شكل الرواية الذي اعتمد تقطيع الفصول تحت عناوين اسماء الشخصيات الروائية كان هو الظاهر. أما السرد المتناوب بين الشخوص فقد كان محكوما بالحدث أولا أي أن الاحداث التي جرت عبر السرد الروائي هي المحركة لسرد الشخوص وليس العكس أي أن الحدث كان يقود الحديث والواقعة توجه السرد.

* على ذكر عبارة " الحدث يقود الحديث والواقعة توجه السرد " هل ترى معي أن الأمر يبدو معكوسا، خصوصا وأن الأعم من الروائيين يحاولون قيادة الحدث وصناعة الواقعة وتوجيه السرد! كيف تفسر ذلك؟

- من عادتي أن أعرض عملي الروائي قبل طباعته على عدد من الأصدقاء لمناقشته والاستفادة من ملاحظاتهم، وقد لاحظ د.خليل الشيخ أن السرد يسير أحيانا في ركاب الشخصية فعمدت في الأخذ بملاحظته، وأعدت نسق الرواية بحيث يسيطر الحدث على مسيرة السرد. ونبهني د. خليل الشيخ إلى ضرورة تقليص النقلات بين المتحدثين بمعنى التقليل من تكرارات العناوين لمصلحة كثافة السرد، وله الشكر لأنني أشعر بعد الأخذ بملاحظاته أن الرواية صارت أكثر رشاقة وكثافة. ليس من السهل على الروائي أن يعدل في نصه ويشطب فقرات كاملة تعيب في تكوينها، ولكن هذه هي ضرورة وضريبة إذا كنت تحترم القارئ، وأن تصغي للرأي الآخر فكيف إذا كان هذا القارئ هو الصديق الناقد د. خليل الشيخ.

*منذ ثلاث روايات وأنت تحاول استظهار المكان الأردني. عمان، بترا، إربد، حوارة. هل ثمة هم توثيقي أم أن المكان يشكل منجما ابداعيا؟

بشكل عام هناك مقولة كان يرددها جدي "الحجر في مطرحه قنطار" هذه مقولة تأسيسية في تكوينها. الحجر سواء كان في حوارة أو في عمان أو بترا، هو علاقة يمكن أن تقرأ بكينوتها وصيرورتها. الحجر يرتبط ارتباطا وثيقا بالإنسان الأردني. ليس صدفة أن تنظر إلى عاصمتنا عمان لترى هذا الكم الهائل من البناء الحجري. ليس صدفة أن طبقات من الحفريات عبر كل العصور على أرضنا أعادت وتعيد اكتشاف الحجر. الحجر يشي بكيفية تقطيع الإنسان للمكان وتطويعه للوفاء باحتياجاته. هذا الحجر هو ركن في المكان حتى عبر موروثنا الميثولوجي. كلنا نقدس الحجر الأسود في مكة المكرمة وفي بعده الواقعي هو تعبير عن نهوض حضارة أو قيام أمة. في الأردن عندما نتحدث عن المكان يبدو أحيانا وكأن الهدف هو الذهاب إلى الشعارات حول الوطن والوطنية، ولكن المكان بالنسبة لي هو من يرتبط ارتباطا وثيقا، بالإنسان وعلى رأي فيروز في احدى مسرحياتها "بظلو يسألوك انت من وين" ما فيك تكون مش من مطرح" وعليه كان حضور المكان في رواياتي تلقائيا، ولم يأت نتيجة لسؤال أو تحريضا من شعار. عندما بدأت بقصص "هموم صغيرة " كان مكاني الاول مكان الطفولة في حوارة هو مسرح الحدث وحضر هذا المكان بتلقائية في بناء النص، وكأن هذا النص لا يمكن أن يبنى إلا مع بنيان هذا المكان.

كذلك الأمر عندما كتبت "الشهبندر" عن مدينة عمان زمن نمو المدينة وتطورها وانكار حلمها العروبي وسوقها الناهض نحو اقتصاد انتاجي، لا يمكن أن يصور خارج معمارها وطبيعتها الجغرافية وإرثها التاريخي. كذلك الأمر بالنسبة لـ "بترا" لو لم تكن الأماكن في بترا وفي حواضر الأنباط الأخرى بهذه الخصوصية وبهذه القدرة على الادهاش لما دلتني على حكايتها.

* من يقرأ رواياتك قد يفهم الفضاء المفتوح بينك وبين "بترا" أما عمان فلم ترها في بداياتك الأولى إلا من خلال نافذة سجن المحطة، وعلى هذا كيف تفرق الآن بين المدينتين؟

أذكر أول مرة كيف نبضت حجارة وصخور" بترا" في مخيلتي في سجن المحطة من خلال حديث وسهرات مع الصديق علي الطويسي. في أحاديثه البسيطة عن بترا وصخورها وكهوفها وسكانها وعرب البدول الذين يعيشون طقوسا وتقاليد خاصة بهم تشي باختلافهم عن غيرهم وعمق صلتهم باجدادهم الانباط. في ذلك الوقت كانت "بترا" مجرد صورة غائمة في ذهني ترسبت من رحلة مدرسية في زمن مضى، وقد دونت في حينها بعض الطرائف والقصص التي رواها لي علي الطويسي عن الحركة الاجتماعية لعرب البدول وطريقتهم في مزج تعاليم الدين الاسلامي بالطقوس الآرامية والنبطية القديمة. ربما كان هذا الهاجس المبكر هو الذي فجر حكاية "بترا" في روحي حين زرتها في العام 2002 لتوقيع رواية "الشهبندر" بين أطلالها بدعوة من مؤسسة "بيت الانباط".

في ذلك اليوم قلت للطويسي روايتي القادمة ستكون عن "بترا". هذه مدينة بلا حكاية وسأحاول أن أكتب حكايتها. استغرقني البحث والقراءة والتحضير أربع سنوات فكانت "بترا ملحمة العرب الأنباط" . أما عندما كتبت رواية "أوراق معبد الكتبا" كانت حصيلتي من المعرفة بتاريخ الأنباط ونقوشهم وزادي من معايشة المكان والناس قد اكتملت تقريبا، لذلك لم أجد عسرا في انجاز هذا العمل لفترة أقصر بكثير من زمن انجاز الرواية الاولى عن "بترا". في ما جاء مفتاح رواية "الشهبندر" من دفتر تاجر عاش في سوق السكر في العام 1938 زودني به الصديق خلدون الداوود . ومن مفردات البيع والشراء وكتابات ذلك التاجر على هامش دفتره من أحداث عامة ومناسبات خاصة بعائلته، انفتحت آفاق مدينة عمان في تلك الفترة. عمان التي لم أكن أنظر إليها إلا من نافذة سجن المحطة الذي أقمت فيه سبع سنوات، لكن تلك النافذة كانت فضاء للمخيل، إضافة إلى النزلاء من العمانيين الذين كانوا يترددون على سجن المحطة كانت تزودني بأشواق لمعرفة عمان ومعايشتها. كما كانت أحاديثهم تزودني بمعرفة عمان من جانبها الخفي، وأنا هنا لست بمعرض التقييم الأخلاقي للناس، ولكن نزلاء السجن ينتمون إلى ذلك العالم الخفي من المدينة، أو ذلك العالم الذي لا ترصده عين الكاميرات وأدوات الاعلام. كل هذا تجمع في داخلي ليمدني بالصور والاحداث ورسم شخوص رواية "الشهبندر".

التعليق