ناجي: "عندما تشيخ الذئاب" ترصد شيخوخة الناس والأفكار والعواطف

تم نشره في الجمعة 23 كانون الثاني / يناير 2009. 09:00 صباحاً
  • ناجي: "عندما تشيخ الذئاب" ترصد شيخوخة الناس والأفكار والعواطف

روائي أردني يرى أن العلاقات الشخصية كرست أسماء ليس لها علاقة بفعل الكتابة 

حاوره زياد العناني

عمان- يرى الروائي جمال ناجي أن الجديد في رواية "عندما تشيخ الذئاب" يكمن في "الكشف عن المستور من خلال شخصياتها التي تنتمي الى شرائح متعددة من المجتمع"، مبينا أنه تم تصوير واقعها تصويرا طبقيا يكشف عن أقل  الجزئيات التي يريد لها أن  تظهر فيما يشبه التقديم السينمائي الذي تتعدد فيه الصور ووجهات النظر في آن واحد.

ويقول ناجي إن الناس في غمرة اهتمامهم بالشرق وبالغرب ينسون الشمال والجنوب، وعليه تبدو صورة المجتمع وردية ولكنها مقطوعة الجذور لا تأخذ على عاتقها التحولات ذات العلاقة بالواقع المعاش أو حتى العلاقات التي تحكم أطراف المعادلة السياسية، وهو ما يظهر شيخوخة الناس والأفكار والعواطف التي تتآكل وتتهتك قبل أن تؤدي أغراضها.

 ناجي وُلد في مدينة أريحا العام 1954، وانتقل إلى عمان إثر نكسة حزيران 1967، وتلقى تعليمه فيها منذ ذلك الحين،  وحصل على دبلوم في الفنون التشكيلية، وعمل في مجالات متعددة أهمها، التدريس في المملكة العربية السعودية 1975 – 1977، والعمل المصرفي 1978 – 1995.

تميزت رواياته وقصصه بحسب النقاد بالتنوع، ففي روايته الأولى "الطريق إلى بلحارث" يتناول البيئة الصحراوية في القرية السعودية خلال العقد الثامن من القرن العشرين، بينما تدور أحداث روايته الثانية "وقت" في المخيم الفلسطيني خلال الخمسينيات والستينيات، وروايته الثالثة "مخلفات الزوابع الأخيرة" تتحدث عن الغجر وحياتهم وحلهم وترحالهم وتعايشهم مع المجتمعات المحلية، وروايته الرابعة "الحياة على ذمة الموت" مقدمة للدخول إلى موضوعة العولمة من خلال الاقتصاد، واستكمل الموضوع في رواية "ليلة الريش" التي تدور أحداثها في الأوساط المالية والاقتصادية.

 وفيما يتعلق بقصص جمال ناجي فقد رأى النقاد فيها اختلافا جذريا عن أسلوبه الروائي، وقد صدرت له ثلاث مجموعات قصصية هي: "رجل خالي الذهن"، "رجل بلا تفاصيل" و"ما جرى يوم الخميس".

 ناجي انتخب رئيسا لرابطة الكتاب الأردنيين في العام2001، وكان خلال هذه الفترة عضوا في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب العرب، وعضوا في مجلس النقباء الأردنيين، وعضوا في اللجنة العليا لعمان عاصمة للثقافة العربية 2002، ورئيسا لتحرير مجلة "أوراق "، وعضو لجنة وضع سيناريوهات الأردن المستقبلية 2020، وغيرها من العضويات.

أدرجت بعض قصصه القصيرة في المناهج المدرسية، فيما تدرس رواياته في بعض الجامعات، كما ترجمت روايته "الطريق إلى بلحارث" إلى اللغة الروسية، إضافة إلى عدد كبير من قصصه القصيرة التي ترجمت إلى اللغات الإنجليزية والألمانية والتركية.

ناجي حصل سابقا على الجائزة التقديرية لرابطة الكتاب الأردنيين في العام 1985 وجائزة الدولة التشجيعية للرواية في العام  1989 اضافة الى جائزة تيسير سبول للرواية في العام1992 .

"الغد" التقت ناجي بمناسبة صدور روايته الجديدة "عندما تشيخ الذئاب" التي جاءت ضمن سلسلة اصدارات التفرغ الابداعي التي تصدرها وزارة الثقافة، وكان الحوار التالي:

* روايتك الجديدة "عندما تشيخ الذئاب" تقوم على الحفر في مجتمع المدينة وتتطرق الى استثمار الدين والجنس وكذلك النفوذ السياسي. كل هذه الثيمات مجتمعة موجودة بكثرة في مضامين الروايات العربية! برأيك ما هو الاقتراح الجمالي المختلف الذي أردت أن تقدمه حصريا في هذه الرواية؟

- يمكن القول إن ما تسميه الاقتراح الجمالي هنا يتمثل في كشف حجم المسكوت عنه من العناصر التي تثير الدهشة لفرط غرابتها ولتشكيلها مفاصل خفية تثير الكثير من الاحداث والمواقف المصيرية المتعلقة بنماذج الرواية التي تمثل شرائح مختلفة من هذا المجتمع.

ربما أيضا كان لعنصر المفارقة الذي يرد في الرواية بكثرة دور في اضفاء جماليات خاصة وغير مطروقة من قبل، اضافة الى تسليط الضوء على جزئيات الحياة في إطار المقاطع العرضية والتصوير الطبقي للمجتمع، أو لبنية المجتمع التي تحمل اقتراحات متعددة الجوانب حول مكنون هذه الجزئيات وما تزخر به من عناصر جمالية. بالمحصلة فإن ذلك التصوير متعدد الطبقات شكل في بعض منعطفات الرواية ما يشبه التقديم السينمائي الحديث الذي يحمل وجهات نظر جديدة.

* هذا على صعيد المعنى أو الاقتراح الجمالي ماذا عن المبنى أو الشكل؟

- لقد أتعبتني عملية الإقلاع في هذه الرواية نظرا لاستخدامي الاسلوب الوصفي في البداية والذي اكتشفت أنه غير قادر على القيام بعملية الاقلاع بسبب طبيعة الأحداث والشخصيات التي أحسست باحتجاجها على هذا الاسلوب الذي سأسمح لنفسي بالقول إنه لم يرق لها، لذا تخلصت مما كتبت خلال الشهر الاول ولجأت الى تقنية تعدد الأصوات أو ما يطلق عليه وجهة النظر، وقد تكفلت هذه التقنيةبالإقلاع بالرواية بشكل سلس والهبوط أيضا في النهاية بسلام.

بطبيعة الحال تتيح هذه التقنية لكل شخصية فرص الحديث عن نفسها وعن سواها من الشخصيات، كذلك تتحدد العلاقات بين الشخصية والأخرى في سياق تبادل الادوار والتزاحم على سرد الأحداث من وجهة نظر كل شخصية على حدة، وهي وجهة النظر التي تحاول كل شخصية ادعاء الحقيقة من خلالها، ما أدى الى تخلق بانوراما حديثة ومفهومية تتيح للقارئ امكانية التنقل بين الشخصيات والأحداث والوقوف عند وجهات النظر المتباينة وفرزها، وهي في تقديري تقنية تمثل احتراما وإشراكا للقارئ في صياغة الأحداث.

يضاف الى هذا أن اللغة التي استخدمت على لسان كل شخصية تختلف من شخصية الى اخرى، فأحيانا تجد مفردات دينية ترد على لسان إحدى الشخصيات، وأحيانا لغة مبسطة على لسان شخصية متواضعة من حيث ثقافتها وفهمها للحياة، ثم لغة سياسية من شخصية يسارية.

أما اللغة الأنثوية التي جاءت على لسان "سندس" فهي لغة حسية مفعمة بمفردات تخص الأنثى، ما يعني أن الرواية لم تكتب بوتيرة لغوية واحدة انما حملت تنوعا قد يكون له دور في ترسيم المفاهيم والأبعاد التي تنطوي عليها أعماق كل شخصية.

* تقول إن روايتك هتكت المسكوت عنه! برأيك ما هو المستور الذي كشفت عنه في هذه الرواية؟

يقال إن الناس في غمرة اهتمامهم بالشرق والغرب ينسون الشمال والجنوب، تبدو صورة المجتمع وردية في كثير من الاحيان وتبدو الاحداث التي تطفو على السطح وكأنها مقطوعة الجذور ويتم الاحتفاء بها من دون النظر الى المقدمات التي انتجتها.

هناك مناطق يمكن تسميتها مناطق الحظر وهي المسؤولة عن كثير من التحولات التي نراها ونتساءل عن أسبابها من دون أن نجد إجابات عليها. هناك عناصر  تستأثر بمناطق الحفر التي تحدثت عنها وهي السياسة والدين والجنس وتعامل كما لو أنها أمور يتوجب الابتعاد عنها وأخذ الحيطة عند تناولها.

في الرواية تم كسر هذه العبارات ونزع الحجب عن المثالب التي تتضمنها، فعلى المستوى السياسي هناك محركات لا مرئية تؤدي الى اتخاذ الكثير من القرارات واجراء الكثير من التحويلات ذات العلاقة بالواقع المعاش للمواطنين وأيضا بالعلاقات التي تكمن في أطراف المعادلة السياسية. هذه المحركات بما تنطوي عليه من أسرار تشكل بؤر التحولات لكنها تظل في منأى عن متناول المجتمع. الرواية حاولت الكشف عن هذه الخفايا وتقديمها الى القارئ بصرف النظر عن اعتبارات الرضا أو الفجيعة أو حتى المحاسبة.

الدين باعتباره أحد أهم المكونات الروحية والثقافية والوجدانية نجد أنه أيضا يكمن خلف طبقة كثيفة من المظاهر الخادعة التي يتم استثمارها لغايات سياسية وشخصية، ما يضعه في دائرة المشاريع النفعية لكثيرين ممن لا ينتمون الى حقيقة الدين وتعليماته التي نعرفها وهي التعليمات التي شكلت وما تزال دليل عمل وحياة للملايين من المسلمين.

أما الجنس فمن الغريب انه لم يحظ بما يكفي من الاهتمام على الرغم من تسلله الى تفاصيل حياتنا، وهنا يحضرني ما قاله ديفيد هيربرت لورنس كاتب "عشيق الليدي تشاتري": "كل ما هو جنسي هو ثقافي وسياسي ايضا". من هنا تعاملت مع مسألة الجنس في الرواية بانفتاح وبعيدا عن التابوهات التقليدية التي ترى في الجنس مجرد ممارسة جسدية، في حين انه يؤدي كثيرا من الوظائف النفسية والاجتماعية والاقتصادية ايضا.

الدخول الى المحاذير المتعلقة بالجنس منح الرواية زخما لا يتحقق من خلال اتباع منهج التقية الذي لاحظت أن كثيرين يلجأون إليها بحثا عن السلامة.

* ضمن هذه المضامين المطروحة وفي ضوء استحضار التابوهات المحرمة في متن الرواية هل واجهت مشكلة معينة مع الرقابة؟

- أريد أن أسجل هنا احترامي وتقديري للجنة التفرغ الابداعي التي تابعت مشروع هذه الرواية، ولم تعترض على أي كلمة أو عبارة وردت في الرواية، ولم تطلب مني حذف أو شطب أو تعديل أي كلمة فيها، وهذا أمر حري بالاحترام. وبالمناسبة أنا لا أبحث عن الشهرة عن طريق المباشرة في العرض للنصوص، انما أجد أن فن الرواية يمتلك مقومات عظيمة تسمح للكاتب ان يوصل كل ما يجول في خاطره من أفكار من دون الصدام بمن يتربصون بالأدب والأدباء. أدعي أنني نجحت في تجنب هذا الصدام من دون التنازل عن أي من الأفكار التي أردت قولها.

*  "عندما تشيخ الذئاب" على ماذا يحيل هذا العنوان؟ هل جاء ليحتضن مفهوم شيخوخة الناس، أم أن المقصود هو شيخوخة الأفكار التي ما تزال تسري بيننا؟

- مفهوم الشيخوخة ينصرف عادة الى السن وهذا صحيح على الأقل فيما هو متداول بين الناس، غير أن ثمة تفسيرات أخرى لمفهوم الشيخوخة. ثمة أفكار تبدو مسنة قبل أوانها وثمة عواطف تتآكل وتتهتك قبل أن تؤدي أغراضها، وهناك كثير مما يمكن قوله حول الابعاد الأخرى لمفهوم الشيخوخة.

 لكن دعني أتحدث عن المفهوم الشائع المتعلق بالسن، فشخصيات الرواية تكبر على امتداد حوالي 13 عاماً هي عمر الأحداث في الرواية، لكن تلك الأعوام تشكل حالة انهاك لهذه الشخصيات، وبالمناسبة كان عنوان مشروع التخرج لهذا الرواية هو "سنوات الإنهاك"، وهذا الانهاك سرّع في كهولة بعض الشخصيات إضافة الى بلوغها أعماراً تعد من حقبة الشيخوخة.

أما فيما يتعلق بالذئاب فلا أستطيع أن أنكر أن هناك ذئابا بشرية تجولت في مساحات الرواية والتهمت فرائسها بمنأى عن الأخلاق أو الاعتبارات الاجتماعية أو الانسانية أو الدينية، ولم أتمكن من ايجاد وصف ينطبق على حالتها سوى أنها ذئاب في ثياب رجال سياسة وفكر ووعظ، ومن هنا جاءت التسمية، كون الاحداث الكبرى تتم في مراحل متقدمة في حيوات هذه الشخصيات، وهي أحداث تمثل ما يمكن تسميته بتصفية حساب مع الحياة ذاتها وغني عن القول ما الذي يمكن للذئاب أن تفعله حينما تقف عند حواف شيخوختها وانسحابها القهري من الحياة؟

* لماذا اخترت حقبة زمنية مدتها 13 عاماً؟ ماذا تقصد بهذا الرقم وهل له في ذهنك دلالة معبرة؟

- تنتهي أحداث الرواية في العام 2004 وهذا يعني أننا بدأنا العام 1991 وهو العام الذي انهارت فيه كثير من الهياكل التي كانت قائمة قبل ذلك التاريخ الذي يمثل بداية تحويلات كبرى شهدتها منطقتنا ومن بينها نمو التيارات الدينية وانهيار الاتحاد السوفييتي وتبعات احتلال الكويت. لقد حمل ذلك العام بداية الانفراج الديمقراطي في الأردن الذي بدأ في العام 1989 وما حمل الانفراج من تحولات اجتماعية وسياسية مثلت جزءاً مهماً من التاريخ الأردني والعربي.

* هل كانت فكرة الرواية موجودة قبل مرحلة التفرغ الابداعي التي حصلت عليها أم أنها تساوقت معه وكتبت تحت ظلاله؟

- كانت هناك ارهاصات لأفكار روائية قبل فترة التفرغ لكنها لم تكن مكتوبة. فعلياً أستطيع القول بأنني لم أبدأ في كتابة هذه الرواية إلا بعد شهر من ابتداء فترة التفرغ. واجهت في البداية صعوبات كثيرة؛ أنا لم أعتد أن أسمح للوقت أن يحاصرني فمدة التفرغ هي عام واحد والمطلوب الانتهاء من الرواية خلال هذه المدة. توقفت طويلاً عن هذا الاستحقاق ووضعت لنفسي برنامجاً يومياً للمشي الصباحي والتفكير ثم الكتابة بواقع خمس ساعات يومياً لمدة خمسة أيام في الأسبوع، وفي محاولتي الاحتيال على حدود الوقت تذكرت أن كثيرا من الروائيين المعروفين في العالم زجوا أنفسهم بعقود مع الصحف والناشرين لانجاز أعمالهم الروائية خلال فترات زمنية محددة، أذكر منهم ديستوفسكي والبرتو مرافيا وميلر وريمارك، ما أعانني على الاقتناع بإمكانية الانتهاء من الرواية ضمن المدة المحدودة.

*برأيك هل الكتابة طقس كما يصر المبدعون، أم أنها "شغل" بالدرجة الأولى؟

- لا بد من وجود طقوس للكتابة، والكاتب يستطيع خلق هذه الطقوس المحفزة التي تمنحه قدرة على الانتاج ما يحيل الى مفهوم "الشغل". كتّاب الرواية بالتحديد يستطيعون ايجاد هذه الطقوس وتحويلها الى ما يشبه العمل اليومي، فالرواية الحديثة ليست مجرد سرحات أو أعمال للمخيلة، انما هي ايضاً خبرات وتجارب ومعلومات وعمليات بحث يتم توظيفها جميعها في سياق العمل الروائي.

على سبيل المثال احتاجت هذه الرواية الى معلومات كثيرة متعلقة بالسياسة ووثائقها الخفية والنصوص الدينية والقراءات المكثفة في مجالات التحليل النفسي، اضافة الى زيارات ميدانية لأماكن الاحداث والتعرف على أساليب العلاج الشعبي والطقوس الدينية ومنها الصوفية ايضاً وغير ذلك. هذا الأمر لا يحتاج الى طقوس خاصة مثلما يتردد دائماً لأنه اشتغال على جوانب معلوماتية وعيانية. أما الجانب التخيلي فله مساحته التي تحتاج الى ما يمكن تسميته بالطقوس الكتابية التي قلت ان الكاتب يستطيع خلقها أو ايجادها  كما ذكرت عن المشي في الصباح قبل بدء الكتابة وبطبيعة الحال افضل ارتداء الملابس الفضفاضة ذات الالوان الفاتحة، ولا بد من وجود فنجان قهوة مع صحنه على أن يكون أبيض اللون وبلا  نقوش، لا ادري ما الذي يمنحني إياه هذا البياض، ولكن إذا لم يكمن موجوداً فانني أشعر بنقص ما وأقوم بتداركه على الفور.

* بما أنك من المطلين والمنهمكين في المشهد الروائي الأردني كيف تقيّم حرارة هذا المشهد الآن  ومدى ارتباطه بهذا الفن وجودته؟

- هناك روايات أردنية تستحق التوقف والاحترام ولكن بعيداً عن عمليات الترويج المحمومة التي تريد تصنيع وتلميع روائيين لا يمتلكون شيئاً من فنون كتابة الرواية. دعني أكون أكثر صراحة وأقول إن جودة الرواية لم تعد هي المقياس الذي يحدد رواجها والاعتراف بها وإنما أصبح الدور الأكبر للعلاقات الشخصية التي تسهم بشكل محقق في تكريس بعض الأسماء التي لا يستحق أصحابها لقب روائي.

التعليق