"عندما تشيخ الذئاب" لجمال ناجي: شخصيات تصفي حساباتها مع الحياة

تم نشره في الأحد 11 كانون الثاني / يناير 2009. 09:00 صباحاً
  • "عندما تشيخ الذئاب" لجمال ناجي: شخصيات تصفي حساباتها مع الحياة

 

عمان - الغد - ضمن سلسلة روايات التفرغ الإبداعي تصدر عن وزارة الثقافة الأردنية خلال أيام رواية "عندما تشيخ الذئاب" للروائي جمال ناجي، والتي أنجزها العام الماضي خلال فترة تفرغه.

جاءت الرواية في خمسين فصلا قصيرا تسرد خلالها كل شخصية حكايتها بلغتها الخاصة، وتكشف الجوانب التحتية لمجتمع المدينة الذي يتستر على كثير من التجاوزات والممارسات السياسية والدينية والجنسية والاجتماعية، فيما يحرص على الاستقصاء في إبراز الجوانب المشرقة بهدف إخفاء ما هو مسكوت عنه في منظومة القيم التي تنهار تباعا بحكم الإحباطات والتحولات التي يعيشها المجتمع، وما يكتنف هذه التحولات من أسرار تقف وراء الكثير من الاختلالات التي تطال عمق الحياة في المدينة.

وتطرح الرواية بجرأة قضايا استثمار الدين والجنس والحرية الاجتماعية التي تم إهمالها في غمرة الاهتمام بالحرية السياسية ذات البعد الواحد، وتتخذ هذه الحرية أشكالا متعددة في الرواية باعتبارها سببا ونتيجة ودافعا لكثير من المواقف المربكة التي تجد الشخصيات نفسها أسيرة لها.

أما مسألة تهافت المثقفين على السلطة فتبدو جلية في شخصية جبران الذي يرتقي ويتسلم منصبا مهما في الدولة بعد أن كان مناضلا يساريا، في حين يصطدم الاعتدال بنزعات التطرف التي تمثلها إحدى الشخصيات المتدينة المتطرفة التي تريد تغيير الحياة بالسيف.

ويشكل أحد الأحياء الفقيرة في عمان منطلقا لهذه الشخصيات إلى عالم المنافع والنفوذ، بعد أن يشهد الكثير من الأحداث الطاردة التي تضطر الشخوص إلى البحث عن بدائل تؤدي إلى تغيير مسارات حياتها وسواها ضمن حزمة من القيم المتهتكة القائمة على استثمار الدين لغايات شخصية، كذلك فعل الجسد ممثلا بشخصية امرأة شهوانية تتحول إلى عاشقة لإبن زوجها، فيما يسطع نجم شخصية أخرى وترتقي لتتبوأ منصبا سياديا مهما في الدولة، بمساعدة زوجته والشيخ الباطني الذي يدعي التدين لكنه في أعماقه يئن تحت وطأة الرغبة في تحقيق مزيد من النفوذ السياسي والاجتماعي.

تتواجه شخصيات الرواية بشراسة في أكثر من واقعة، لكن تلك المواجهات تتخذ في معظمها سمات الصراع العقلي المستند الى الذكاء المتوقد، حيث ترى كل شخصية نفسها في مرايا بعضها بعضا، لتلتقي في نهاية المطاف في مرآة الشخصية الرئيسة (عزمي الوجيه) الذي يبدو غامضا مثيرا للتساؤل وقادرا على جذب الآخرين، غير أنه يخضع إلى مجموعة من المؤثرات التي تبعده عن النهج الذي اتبعه في بداية حياته وتفتح امامه ابواب حياة جديدة مختلفة.

وبرغم أن شخصيات الرواية تفاجأ في نهايتها بما تنطوي عليه حياة عزمي الوجيه من خفايا وأسرار، إلا أن عزمي ذاته يكتشف أسرارا كبرى لا يعرفها إلا في نهاية الرواية، على الرغم من علاقتها اللصيقة بشخصه وتاريخه وانتمائه.

يمكن القول أن هذه الرواية تمثل نوعا من تصفية الحساب مع الحياة، لكن لكل شخصية أسلوبها ومنطلقاتها في هذه التصفية، خصوصا أن ذئاب الرواية (شخوصها) تستشعر الخطر حين تكتشف صقيع واقعها الذي يتناقض مع قناعاتها وطموحاتها، وهو الصقيع الذي يرغمها على تغيير مساراتها وتوجهاتها.

يذكر أن جمال ناجي واحدا من الروائيين المهمين على المستويين؛ المحلي والعربي، وكان أصدر منذ العام 1982 خمس روايات هي: الطريق الى بلحارث 1982، وقت 1984، مخلفات الزوابع الاخيرة 1988، الحياة على ذمة الموت 1993، وليلة الريش 2004. وأصدر ناجي كذلك ثلاث مجموعات قصصية هي: رجل خالي الذهن 1989، رجل بلا تفاصيل 1994، وما جرى يوم الخميس 2006.

التعليق