كتاب سوري يدافع عن هيبة القضاء ويدعو لفصله عن السلطة التنفيذية

تم نشره في الأحد 11 كانون الثاني / يناير 2009. 10:00 صباحاً

 

محمد جميل خضر

عمان- يسعى المحامي السوري نزار عرابي في كتابه "يوميات قضائية، دفاع عن سلطة القضاء ومستقبل المحاماة"، إلى تقديم مرافعة جريئة عن السلطة القضائية، وتأكيد حقها بالاستقلال عن باقي السلطات.

والكتاب، من عنوانه، يرى أن لا مستقبل ممكن أمام القضاء وأمام مهنة المحاماة من أساسها، إن لم تنأى السلطة التنفيذية، على وجه التحديد، عن التدخل فيها، وليّ عنق قرارات محاكمها، وتحجيم مكانة قضاتها.

وفي سياق التوطئة للكتاب الصادر العام 2008 عن دار الفكر في دمشق، يرصد المحامي نزار عرابي، مؤلف الكتاب، ما عدده أكثر من ألفيْ دعوة مقامة على قضاة محكمة الاستئناف في قراراتهم المبرمة وعلى قضاة محكمة النقض، ليخلص أنه يندر في الحالتين السابقتين أن يوجد قاض من قضاة النقض أو الاستئناف ليس خصما في دعوى أو أكثر من دعاوى المخاصمة.

ويفسر عرابي دعوى المخاصمة أن القاضي المخاصَم، ارتكب خطأ مهنيا جسيما قد يصل إلى الغش والتدليس، وأن القرارات التي أصدرها باطلة ولا قيمة قانونية لها بموجب المادة 486 وما بعدها من قانون أصول المحاكمات.

ويرجع مؤلف الكتاب الواقع في 438 صفحة من القطع الكبير، هذه الظاهرة إلى عدم كفاءة القاضي أو جهله، وإلى عدم نزاهته أو الضغط المتحقق نتيجة ازدياد عدد القضايا التي ينظر فيها.

ومن الأسباب التي يقدمها الكاتب في هذا السياق، ما يتعرض له قضاة سورية من تدخل في شؤونهم، وما يتعرضون له في سياق متواصل، من إغراءات.

ويرى عرابي أن ما سبق ينعكس على عمل المحامين، ويضعهم في موقف حرج تجاه موكليهم، ويظهرهم كأنهم جهلة أو غير صادقين، بسبب النتيجة التي آلت إليها الدعاوى.

ومستندا إلى ما تقدم، يخلص عرابي إلى أن "هذا كله يعني فقدان الثقة بالمحاماة.. وفقدان الثقة بالعدالة".

ويبين عرابي في نهاية توطئته للكتاب، أنه تحمس له وكتبه ليؤكد أن المحامي عندما يدافع عن سمعة القاضي ومكانة القضاء، فإنما يدافع عن مستقبل مهنة المحاماة.

وقبل أن يخوض المؤلف في فصول الكتاب وتفاصيله، يستعرض عبر صفحات المقدمة القليلة، مسيرته في عالم المحاماة، وانتقاله من مهنة الصحافة التي كانت أمنية حياته وعمل فيها في مرحلتي الدراسة الإعدادية والثانوية "إلا أن الأحداث التي تعرضت لها سورية من حكم عسكري بدأ بحسني الزعيم عام 1949، والعقيد أديب الشيشكلي عام 1953، والهزات العسكرية والسياسية التي تعرضت لها البلاد بعد ذلك، وما رافق ذلك من فرض رقابة على الصحف وإلغاء رخصتها تارة ومنعها من الصدور تارة أخرى، كل ذلك جعلني أفكر كثيرا في عمل آخر أكثر استقرارا وبعدا عن الاحتكاك بالسلطة".

ويوضح أنه لم يجد أفضل من المحاماة مهنة أو صناعة، كما يحب البعض تسميتها، وهو ما كان، وما يعمل به على مدى أكثر من نصف قرن مضى، دون أن يمنع ذلك من ممارسته الصحافة كهواية وليس كمهنة.

وفي السياق نفسه، يتذكر عرابي في تلك المقدمة بدايات تصديه لتجاوزات السلطة التنفيذية بحق السلطة القضائية، وهو ما تحقق له عبر صفحات صحيفة "النصر" آنذاك، التي بدأ ينشر فيها مقالاته، وحمل المقال الأول منها عنوان "لا يا وزير العدل".

وتسببت له مقالاته تلك، بكثير من المشاكل، ولأن يقيم عليه وزير العدل دعوى عامة بحجة أنه أساء بما كتبه إلى القضاء.

وفي المحكمة وقف المحامون إلى جانب زميلهم، وحكم القاضي بعدم المسؤولية لأن ما كتبه لا يشكل جرما. ولم يستسلم وزير العدل ورفع شكوى قضية مسلكية، وهي الشكوى التي قرر نقيب المحامين آنذاك مأمون الكزبري حفظها.

وتكررت المواجهات بين عرابي ووزير العدل على وجه الخصوص والسلطة التنفيذية على وجه العموم، عدة مرات لم تمنعه من مواصلة دفاعه عن حق القضاء بالاستقلال، وحق الناس بالنزاهة والعدل.

ويتضمن كتاب عرابي "يوميات قضائية، دفاع عن سلطة القضاء ومستقبل المحاماة"، أحد عشر فصلا، يتناول الأول منها موضوع الدعاوى إلى الإصلاح القضائي التي تبنى الكاتب منذ نصف قرن التصدي لها، وهو ما يتكرر في الفصل الثاني من الكتاب، وينشر الكاتب في الفصل الثالث النص الكامل للكتاب الذي رفعه إلى نائب رئيس المجلس الأعلى وزير العدل، بعد تعرضه لهزة أمام أحد موكليه بسبب تباين قرارات محكمة النقض، وتناقضها.

وحمل الفصل عنوان "حتى لا يخيّل للناس أن لكل دعوى اجتهادا على مقاسها".

وأطلق الكاتب في الفصل الرابع صرخات تدعو للإصلاح، وفيه يرى أن "لا قضاء عادل دون صحافة حرة، ولا صحافة حرة بلا قضاء عادل وجريء".

ويقترح عرابي في هذا الفصل خطوات من شأنها تعزيز مكانة القضاء وتحقيق إصلاح في مختلف أقانيمه ووجوهه: تعزيز جهاز التفتيش القضائي، وتفعيل دوره، وتنفيذ مقترحاته. ويختم الفصل الرابع بإطلاق سؤال: "هل ضاعت العدالة أم أن الإصلاح قادم؟!".

ويتحدث في الفصل الخامس عن الإصلاح التشريعي، ويتناول في السادس دور القضاة العرب في الإصلاح، خصوصا قضاة سورية ومصر، ويقدم فيه أمثلة ناصعة على نزاهة القضاء.

ويخص الكاتب اتحاد المحامين العرب بفصل كامل، ويحاول في الفصل السابع قراءة واقع حال الاتحاد، واستجلاء المطلوب منه، ومسؤولية المحامين العرب عن حقوق الإنسان، ويحض في نهاية الفصل على دور فاعل للاتحاد عربيا وعالميا.

وعلى هامش اجتماعات المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب يفرد الكاتب فصلا، ويعرف في الفصل التاسع بالأوامر العرفية، ويعاين أثرها في انتهاك حقوق الإنسان، وفي حياة المواطنين، وموقف القضاء السوري منها.

ويفيد في الفصل العاشر أن نقابة المحامين السوريين تصدت في مناسبات عديدة للأوامر العرفية، ويخص مشروع لجنة الحريات العامة في اتحاد المحامين العرب بفصل كامل هو الفصل الحادي عشر والأخير.

ويختم عرابي كتابه بسرد حيثيات مثوله (مُجَرّما) أمام محكمة أمن الدولة، ووقائع تلك المحاكمة، ويذكر حظه السعيد أن يكون قاضي التحقيق الذي أحيلت إليه الأوراق "على درجة عالية من الفهم والعلم والنزاهة"، فيصدر قراره المتضمن منع محاكمة المؤلف.

ورغم اقتصار كثير من فصوله وصفحاته على الشأن السوري، وظروف وأوضاع القضاء في البلد العربي الشقيق، إلا أن كتاب "يوميات قضائية، دفاع عن سلطة القضاء ومستقبل المحاماة"، يعد إضافة مهمة للمكتبة العربية.

وهو يشكل في حال متابعة محامين آخرين من دول عربية أخرى، قراءة أحوال بلدانهم القضائية، والخوض في مدى نزاهة قضائهم واستقلاله، لبنة تنموية ضرورية وجريئة وحيوية جدا فيما يتعلق بشعور المواطنين بالأمن والأمان، وعدم التغول على حقوقهم والاستقواء عليهم، وأحيانا باسم القضاء نفسه، الذي يفترض أن يحميهم ويدافع عنهم، ويطمئنهم أن حقوقهم مصانة وكياناتهم محمية.

التعليق