بودية: المناهج الإسرائيلية تقوم على عدم الاعتراف بالوجود الفلسطيني

تم نشره في الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2008. 09:00 صباحاً
  • بودية: المناهج الإسرائيلية تقوم على عدم الاعتراف بالوجود الفلسطيني

اصدار يتناول  "الصراع العربي الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية"

 عمان- الغد – يحاول  إيلي بوديه في كتابه "الصراع العربي الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية الإسرائيلية"، قراءة المناهج الإسرائيلية السريعة التغير، منذ العام 1948، حتى العام 2000، ليكتشف أن هذه الكتب، تربي الأجيال الإسرائيلية على إلغاء الوجود العربي في فلسطين، لدرجة أن الطالب الإسرائيلي يصل المرحلة الجامعية من دون أن يرد في كتبه اسم فلسطين، لأنه يدرس عن "أرض إسرائيل" وحدها.

ويقول إن "الطالب الاسرائيلي يلاحظ وجود الفلسطينيين، الذين أطلقت عليهم الكتب التي قرأها اسم عرب "أرض إسرائيل"، ولكنه يعتبرهم مجرد دخلاء على الأرض وقد تربّى على عدة  مقولات تؤكد أن العرب في أرض إسرائيل، ليسوا سوى بقايا محتلين، حتى وإن عاشوا في أرضهم آلاف السنين".

ويبين بوديه في كتابه الذي صدر باللغة الإنجليزية، وقام بترجمه الباحث وليد أبو بكر، ونشره المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، قبل أن ينشر بالعبرية. ووضعه في ثلاثة فصول، أولها يدور حول أساليب دراسة الكتب الدراسية، كموضوع جديد في العلوم الإنسانية، التي تابعها بدقة، خصوصا في الغرب. أما الفصل الثاني، فكان حول مواقف المسؤولين في جهاز التعليم الإسرائيلي من تدريس الصراع العربي الإسرائيلي حيث يوضح المؤلف أن غالبية الذين تولوا القيادات التعليمية في إسرائيل، يميلون إلى تجنب التطرق إلى الصراع، ويفصلون التلاميذ عن الواقع الحقيقي، الذي سيواجهونه في الحياة، ويطالبون بردة فعل تجاهه. وهذا التجاهل، كما توحي الدراسة، تنتج عنه ردات فعل عنصرية وعنيفة، عند الشباب، خصوصا عندما يذهبون إلى التجنيد، ويحتكون بالفلسطينيين في مدنهم وقراهم، وعلى الحواجز التي تقطع أرضهم وتعيق حركتهم، وهو ما يشكل جزءا من الانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأن أجيال الاحتلال تربت على أن الأرض خالية.

ويشير الكتاب إلى أن خلافات كثيرة طرأت، مع كثرة التغييرات في وزراء المعارف، وما يتبعها من تغييرات في المديرين والمستشارين والمناهج. في اليمين مثلا، يصرون على الاستمرار في تجاهل الصراع على الأرض، ويفسرون "حروب إسرائيل" بأنها دفاع عن النفس ضد عدوان عربي خارجي. أما في اليسار، فإن بعض التساهل في التطرق إلى الصراع في المناهج، لا يتجه أبدا إلى الاعتراف بأية حقوق للفلسطينيين في الأراضي التي أعلنت عليها إسرائيل العام 1948، أو داخل فلسطين التاريخية، بعد احتلالها بالكامل في العام 1967، لأن القاعدة التي تقوم عليها المناهج ثابتة، مهما تغيرت السياسات، أو الوقائع، وهي أن فلسطين بكاملها هي "أرض إسرائيل"، وأن التخلي عن أي جزء منها ممنوع في اليمين، ويعتبر تنازلا من أجل التوصل إلى حلول, في اليسار.

ويشير المؤلف الى بعض "الأحداث" التاريخية التي جعلت جهاز التعليم يرى أهمية في إدخال الصراع العربي الإسرائيلي في مناهج التاريخ الخاصة بالمدارس الثانوية في التعليم العام (لا الديني، وهو رسميّ أيضا): فبينما كان الطفل الإسرائيلي معزولا عما يجري على الحدود، لأن الحرب غالبا ما تكون بعيدة عنه، جاء احتلال الضفة الغربية ليغير الواقع، وبات الوجود الفلسطيني واضحا فوق الأرض كلها، حتى وإن حمل اسم العرب. ثم جاءت حرب تشرين الأول (أكتوبر) في العام 1973، لتغير من معايير الانتصار السريع، والجيش الذي لا يقهر. وأضافت الانتفاضة الفلسطينية خطا آخر شديد الوضوح، عندما أكدت للاحتلال أنه غير قادر على التخفي أو الإنكار، وهو ما جعل إسرائيل تعترف بالوجود الفلسطيني، واقعا وتسمية.

ويضيف المؤلف أن هذه المحطات، وغيرها، جعلت بعض الآراء تتغير في موضوع الصراع، ولكن التغيير لم يصبح جذريا بعد، لأن اللبنات الأولى التي قام عليها تدريس التاريخ في المدارس الإسرائيلية، منذ نشأت في العشرينيات من القرن العشرين، ما زالت على حالها، ولأن التلميذ الإسرائيلي ينهي دراسته الثانوية وهو لا يرى غير أرض إسرائيل، ولا يعرف تاريخا لفلسطين غير التاريخ الصهيوني، ولا يرى حقا لأي طرف في الأرض، سوى  للإسرائيلين، سواء أكانوا داخل الأرض أو خارجها.

في الفصل الثالث، يركز المؤلف على دراسة بعض الحالات التي ورد تعليمها في كتب التاريخ الإسرائيلية، وهو يحاول أن يرى الحالة كما كانت في الواقع، وأن يقارن ذلك بالطريقة التي وردت فيها هذه الحالة في كتب التاريخ المدرسية، حيث ترد مشوهة في الغالب، ولا تحمل سوى الرواية الإسرائيلية، رغم الجدل الذي يثيره مجرد التفكير في إدراجها في المناهج. ومن الحالات التي درسها الكتاب، وتابع طرق معالجتها تدريجيا في الكتب المدرسية: "التراث الثقافي للإسلام، اتفاقيات الحرب العالمية الأولى وما تبع ذلك من ظهور القومية العربية ووعد بلفور والانتداب البريطاني، وحرب العام 47 وغيرها من الحروب التالية، ومشكلة اللاجئين، والأقلية العربية في إسرائيل، وغير ذلك".

ولعلّ الإشارة إلى وجهة نظر هذه الكتب في مشكلة اللاجئين تكفي كدليل على اتجاهها الذي لا يتغير، والذي يجعل من يتابعها يدرك أن التفاوض وحده لا يمكن أن يكون سبيلا إلى حلّ للصراع العربي الإسرائيلي، لأن اللاجئين، من وجهة نظر هذه الكتب، التي تصنع الموقف الإسرائيلي، لم يطردوا من ديارهم، وإنما فروا منها، خلال حرب "التحرير" التي خاضها الإسرائيليون ضدّ العدوان العربي، لذلك ليس لهم حق في العودة ولا في الأرض، لأنهم هم المعتدون.

وبمثل هذا المنطق، تعالج كتب التاريخ المدرسية الإسرائيلية كلّ القضايا المتعلقة بالصراع، وخصوصا بحق الفلسطينيين في أرضهم، ما يجعل من يقرأ هذا الكتاب يدرك جيدا أن كلّ حديث حول التوصل إلى سلام، مع مجتمع يقوم على الإنكار الشامل لكل ما لا يسوغ له تحقيق أهدافه بقوة السلاح، إنما هو تعلق بأمل لن يتحقق.

يذكر أن وإيلي بوديه مؤرخ إسرائيلي، وأستاذ للتاريخ في الجامعة العبرية، يساري الاتجاه، ما يجعله يتحسس الواقع بشكل أقرب إلى الموضوعية. وخلال تجربته في تدريس التاريخ، شعر بأن الكتب المدرسية في هذا الشأن، لا تكتفي بالانتقائية والانحياز، وإنما تميل إلى إنكار كثير من الوقائع، أو نفيها، واختلاق وقائع مختلفة، تعزز الرواية الإسرائيلية في تبرير اغتصاب فلسطين، وهو ما يتربى عليه التلاميذ في المدارس الإسرائيلية، وفي جميع المراحل، ما يجعل الأجيال تخرج وهي مقتنعة برواية مفتعلة، تعتبرها الواقع التاريخي الوحيد، لتفاجأ عندما تتعرف على واقع مختلف، هو وجود طرف آخر في الصراع، تنفيه الرواية الإسرائيلية تماما، وتنكر تاريخه على الأرض، أو تقفز عن آلاف السنوات في هذا التاريخ.

التعليق