تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي: الانطلاقة الفعلية لمشروع فوكو النظري

تم نشره في السبت 6 أيلول / سبتمبر 2008. 09:00 صباحاً
  • تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي: الانطلاقة الفعلية لمشروع فوكو النظري

 عزيزة علي

عمان- يشير الناقد المغربي سعيد بنكراد في معرض تقديمه لكتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، لـ "ميشيل فوكو" إلى أنه "أول كتاب نظري متكامل يصدره فوكو" معتبرا إياه من أشهر كتبه، والانطلاقة الفعلية لمشروع نظري ضخم امتد على ما يقارب ربع قرن.

ويبين بنكراد في الكتاب الذي قام بترجمته وصدر عن المركز الثقافي العربي، أن المادة الأساسية له كانت  "الخبرة الإنسانية في لحظات إبداعها لأشكال العسف المتنوعة للحد من اندفاع الجسد والروح، وتخطيهما لحدود "المعقول" و"العقلاني"، و"المستقيم"، و"الرزين" للانتشاء بالذات داخل عوالم اللاعقل التي لا تعترف بأية "حدود إضافية"،غير تلك التي تأتي من أشياء الطبيعة وطبيعة الأشياء

ويؤكد أن الكتاب زاخر بكل تاريخ يهتم بـ"أهواء النفس" البشرية في حالاتها المتنوعة، بمعرفة علمية تخص الجنون والعقل واللاعقل والاختلال النفسي وكل السلوكات "الغريبة" و"الشاذة"، والاندفاع نحو حدود لا تتوقف عن التواغل في المجهول.

ويرى فيه  عوالم عجيبة كما هي لوحات غويا وأعمال بوش، لافتا إلى أنها عوالم من صنع مخيال مزقته الأهواء. مضيفا أنها " التعبير الأسمى الحقيقة الحقيقية للجنون، لذلك لا أحد يتحكم فيها، إنها خارج سلطة القانون والدين والأخلاق، فما ينتجه المخيال يدخل ضمن عوالم الممكن المنفصلة عن قوانين الواقع وآلياته في التحكم والتوجيه والتوقع".

ويلفت بنكراد إلى أن ما نعرفه عن الوجوه الرمزية للجنون "أكبر بكثير مما نعرفه عن وجوهه الطبيعة وآليات التصنيف والعلاج الوضعي. ورأيه أن السلطة الطبيعية لا تستطيع فك إساره من أحكام مسبقة هي وجهه وحقيقته ووضعه.

ويعتقد أن تلك العوالم الرمزية "لا يتحكم فيها المارستان والوصفات الجاهزة وأشكال الحراسة والعقاب" معتبرا أن مضمونها من طبيعة غير مرئية، وأنها أحكام متنوعة منها ما يأتي من الأخلاق والدين والقضاء الذي يفصل بين الذات الاجتماعية والذات الحقوقية،  وبين ما هو مرتبط بالإدانة الأخلاقية وبين ما يعود إلى اللامسؤولية الجنائية.

ويذهب إلى أن ما يتعلق بالفعل الثقافي وثيق الصلة بحالة المجتمع الحضارية، هو الفعل الذي نستند إليه من اجل الفصل بين ما نقبله باعتباره ينتمي إلى دائرة العقل، وبين ما نرفضه باعتباره لا عقلا، رائيا أنه فصل بسيط في مظهره البدئي، مستدركا أن امتداداته لا حد لها ولا حصر.

ولا يرى بنكراد في هذا الكتاب " تأريخا" وإنما رحلة طويلة وذاكرة العسف والإقصاء والهمجية الإنساني، وأن فوكو "ستهلها بالحديث عن مجتمع المصابين بالجذام، والمصابين بالأمراض التناسلية، لكي يقذف بنا داخل عالم فقد انسجامه، ضمن حالة سعار إنساني غريب، حاول بكل الوسائل أن يجتث من بين ظهرانيه كل ما لا يستقيم داخل معاييره في الحكم ولا يسير وفق حالة الوسطية، الحالة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية المثلى لا ضرر ولا ضرار.

ويشير إلى أن ذلك  يشكل توازنا  من صنع مصالح جهات خاصة لا خلاصا يأتي من الطبيعة، فكان أن اختلطت صور الجنون ووجوهه بحالات أخرى يطلق عليها فوكو، العصر "الكلاسيكي برمته، اللاعقل.

وضمن تلك الحالات تصنف أعمال أدبية وفلسفية كبرى كأعمال نيتشه ونيرفال وأرتو، وأعمال مجموعة أخرى من الأدباء والفنانين الذين أسلموا قيادهم لوجدان فك كل قيوده وانغمس في حالة هذيان لم يعد يعرف حدودا في الانفعالات والأزمنة والفضاءات.

 وضمنها أيضا صنفت أعمال صاد كما يفعل ذلك فوكو إلى ان السادية وهي تيار ينسب إلى صاد، قد عرفت ميلادها في الحجز ومنه تستمد صورها وكل عوالمها المخيالية.

 وتسلك سمات الكلاسيكية وتلك بعض خصائصها، وذاك ما يميز نمط تعاطيها ليس مع الجنون فسحب بل مع كل ما يخرج عن طاعة النموذج الذي صاغته قوى اجتماعية وفرضته سلوكا كونيا لا يأتيه الباطل أبدا.

ويقول فوكو في التمهيد الثاني "إن الذي يكتب كتابا لن يستطع مقاومة الإغراء في بسط سلطته على كل هذه الانبهارات المزيفة، ويحدد لها شكلا ويلصق بها هوية، ويفرض عليها ماركة تمنحها جميعها قيمة ثابة "أنا المؤلف، انظروا إلى وجهي أو صورتي؛ وجه وصورة يجب أن تتشابه معهما كل تلك الصور المضاعفة التي سيتم تداولها باعتبارها أشياء في ملكيتي؛ أما تلك التي ستبتعد عنهما فلن تكون لها أية قيمة، فقيمتها تقاس بدرجة تطابقها معهما. أنا الاسم، أنا القانون، والسر وميزان كل هذه النظائر".

التعليق