أصداء الانفصال السوري في الأردن (1961) في الوثائق البريطانية

تم نشره في الجمعة 22 آب / أغسطس 2008. 10:00 صباحاً

 

د. سعد أبو دية

عمان ـ في عام 1958 قامت الجمهورية العربية المتحدة، وهي اتحاد بين سورية ومصر وفي نفس الفترة قام الاتحاد العربي بين الأردن والعراق.

 انتهى الاتحاد بين الأردن والعراق يوم 14/تموز 1958، وظلت الوحدة المصرية السورية حتى 28/9/1961 عندما وقع الانفصال السوري عن مصر.

 الوثائق البريطانية وهذا الحدث:

اهتمت الوثائق البريطانية بهذا الحدث اهتماماً بالغاً، وعلى الساحة الأردنية فإن السفارة البريطانية في عمان أرسلت عشرات البرقيات تحلل الحدث وتتابع تطوراته، وأرسلت عدة برقيات في يوم واحد.

 ملاحظة عن يوم 28/9:

يبدو أن يوم 28/9 يوم نحس في حياة جمال عبد الناصر، ذلك أن سورية انفصلت عن مصر في هذا اليوم بعد وحدة ثلاثة أعوام، كما شهد هذا اليوم وفاة جمال عبد الناصر وهي مجرد مصادفات غريبة.

 برقية السفارة البريطانية في واشنطن إلى الخارجية البريطانية:

في يوم 28/9/1961م يوم الانقلاب أرسلت السفارة برقية من واشنطن وفيها تتحدث عن قادة الانقلاب نقلاً عن الخارجية الأمريكية بأنهم من عامة الناس (بلدي) Indigenous...وظهرت في البرقية تساؤلات هل لعبد الحميد سراج دور في الحركة؟ لكن السفارة قالت إن هذا غير محتمل، وأن السراج تم طرده ولذلك فإن الأمن فيه خلل على اعتبار أن لعبد الحميد السراج خبرة كبيرة في الأمن، لرئاسته المكتب الثاني (دائرة المخابرات).

تذكر البرقية أن وزارة الخارجية الأميركية غير قادرة على الاتصال مع القنصليتين الأميركيتين في حلب ودمشق بالرغم أنها استلمت برقيتين من القنصليتين، وذكرت البرقيتان أن أوضاع دمشق وحلب هادئة.

وتشير البرقية أن السفير الأميركي في عمان تلقى تعليمات من حكومته أن ينسق مع السفير البريطاني في الأردن  ليحث الأردن على ضبط النفس، إذ أن المنطقة مرشحة لأحداث مثلاً قد تقوم مصر بعمليات في سورية، وقد تقوم إسرائيل بعمليات في سورية.

 ولذلك وحتى لا تقوم إسرائيل بأية مغامرة عسكرية في سورية..، فإن السفير الأميركي في تل أبيب تلقى تعليمات صارمة أن يفتح عيونه على أي تصرف إسرائيلي أو أية نية إسرائيلية للقيام بأي عملية في سورية.

 برقية من السفارة في عمان إلى لندن

في يوم 29/9 وفي العاشرة والنصف صباحاً أرسلت السفارة برقية سرية إلى الخارجية البريطانية وتم تحليل الوضع على الساحة الأردنية وأن الأردنيين متفاجئون مما حصل في سورية.

 ولاحظ السفير البريطاني أن الملك لم يكن عنده أي توقع للأحداث في سورية وفي متابعة السفير للملك يوم 24/9 وأنه غير مهتم بالأوضاع في سورية. ولكن السفير الأميركي كما ذكرت البرقية قابل الملك بعد الانقلاب فوجد أن الوضع لا يثيره ولكنه معني به. وذكرت البرقية ان الانقلاب لو نجح أو فشل فإن الأردنيين بعيدون عن أحداثه.

 برقية أخرى في نفس اليوم:

وبعد ساعات وفي الواحدة والربع أرسلت السفارة برقية أخرى أشارت نقلاً عن السفير الأميركي أن المعلومات عن الانقلاب تأتي من بيروت وأن الأردنيين لا يعرفون عن الحركة وعن أشخاصها.

 برقية ثالثة في نفس اليوم:

وفي الساعة الثالثة تقريباً أرسلت السفارة في عمان برقية ثالثة إلى الخارجية البريطانية وقالت فيها إن السفارة البريطانية تتوقع أن الملك سوف يتعامل مع الحكومة الجديدة في سورية، لأنه مضطر لذلك فسورية تسيطر على الطريق البري من الأردن حتى الساحل على البحر المتوسط وأن الطيران الأردني يمر فوق سورية.

 ونقلاً عن الأوساط الأردنية فإن البرقية تشير أن لا وجود لتدخل خارجي وأن الحكومة السورية الجديدة تتصرف بضبط نفس، وثقة ولكن على الساحة الأردنية هناك فقر معلومات عن قادة الانقلاب وماذا يدور في سورية!!

 برقية رابعة في نفس اليوم:

وبعد دقائق من البرقية الثالثة أرسلت السفارة برقية رابعة وفيها أن السفير البريطاني عاتب السفير الأميركي لأنه لم يضبط نفسه أمام الملك وتحدث بحماس عن الانقلاب السوري.

برقية خامسة في نفس اليوم:

وفي هذا اليوم ارسلت السفارة برقية خامسة الساعة 8.21 ليلاً وفيها أن الأردنيين نجحوا في الاتصال بقادة الانقلاب في سورية، وذكرت البرقية ان الانقلابيين في سورية أبلغوا الأردن أن هدفهم هو علاقات جيدة مع كل العرب ولكنهم سألوا الأردنيين عن الحشود على الحدود الأردنية السورية.

وكان الأردنيون قد حشدوا عسكرياً تحسباً لمشاكل في الشمال. توقع الأردن قلاقل وعدم استقرار فأرسل قواته ولكن الملك أمر بسحب تلك القوات.

 برقية سادسة بعد عشر دقائق:

أرسلت السفارة برقية سادسة بعد عشر دقائق من الخامسة وفيها إشارة إلى أن عبد الناصر لن يقوم بمغامرة في سورية وأن وضع سورية لا يبعث على القلق.

وفي البرقية أن سمير الرفاعي يرى أن قادة الانقلاب في سورية فعالون وتقدميون ويجارون احداث العصر، وأنه يتوقع الاستقرار وأن الملف السوري لا يبعث على القلق.

 برقية يوم 30/9

أرسلت السفارة برقية يوم 30/9 وفيها أن رئيس الوزراء الأردني يقصد (بهجت التلهوني) سوف يعترف بالحكومة السورية الجديدة، وأن الوضع في سورية هادئ وأن الانقلابيين يسيطرون على الوضع في سورية، وأن رئيس الوزراء يعرفهم شخصياً، ويعرف وزير المالية من سنين طويلة.

وذكرت البرقية أن رئيس الوزراء منزعج من إذاعة لندن التي تعطي معلومات غير صحيحة عن الحكومة السورية الجديدة، عندما تحدثت عن اندفاع السوريين الجدد نحو موسكو. وهذا غير صحيح.

قَلَق رئيس الوزراء الأردني ارتبط بوجود قوات أردنية على الحدود بين الكويت والعراق

 (ملاحظة: كان هناك قوات سودانية وسعودية وتونسية ومصرية وأردنية، وقد سحب جمال عبد الناصر قواته بعد الانفصال).

توقع رئيس الوزراء أن أخبار إذاعة لندن سوف تؤثر سلبياً على وضع القوات الأردنية الموجودة على الحدود بين العراق والكويت.

 برقية السفارة البريطانية يوم 30/9

ذكرت البرقية أن الملك غير مرتاح لموقف إذاعة لندن وغير مرتاح من ردود الفعل الأميركية، وعلم الملك أن رئيس الوزراء فاتح السفير بذلك، وأن العراق قد يعترف بالحكومة السورية الجديدة وأشارت البرقية ان الأردن لم يتسرع بالاعتراف بالحكومة الجديدة، ذلك أن عبد الناصر كان قد اعترف بالحكومة الجديدة للعراق بعد انقلاب 14/تموز 1958م.

أشادت البرقية بخطاب الرئيس جمال عبد الناصر وفيه اعتدال...وأن عبد الناصر مجروح وأن الانقلاب أو الانفصال اثر عليه وزاد في ألمه.

 برقية من السفارة البريطانية في القاهرة إلى لندن:

أرسلت السفارة البريطانية في القاهرة برقية إلى لندن يوم 1/10/1961 وفيها أن جمال عبد الناصر الرئيس المصري لن يرسل قوات للقتال في سورية إلا إذا ضمن الساحل السوري جهة اللاذقية. وهذه المنطقة تتعاطف مع قادة الانقلاب الجديد وهذا ما عرفه عبد الناصر واثر على قراره. ثم انه  لا يضمن سلاح الجو السوري وليس له أنصار يتعاون معهم. وهنا تتساءل البرقية ماذا حصل لشبكة المخابرات المصرية في سورية هل تفككت أم ما زالت واجتازت أزمة الانفصال وبقيت عاملة!

ذكرت البرقية ان عبد الناصر لن يساوم العصاة في سورية، كما تذكر أنه من غير المعروف ماذا سيعمل جمال عبد الناصر!؟ وتجيب من الخبرة السابقة في شخصية جمال أنه سوف ينتقم لكرامته ومسموعاته وهيبته.. وقد يقع انقلاب معاد في سورية، وقد تقع أحداث عنف في الأردن. وهذا كله حتى يزعج عبد الناصر الانقلابيين.

وفي البرقية أن المصريين سعداء بالانفصال لأنهم كانوا يظنون أن سورية تأخذ أموال مصر وأن أموال مصر تتدفق على سورية، بدلا من أن تنفق في مصر ولذلك فإن الرأي العام المصري لن يضغط على عبد الناصر من أجل القيام بأي عمل ضد سورية حتى تعود للوحدة... وأن المصريين قانعون بعبد الناصر رئيساً لمصر فقط.

لكن هل يتبنى عبد الناصر ودائرته المحيطة به وقادة الجيش هذه الأفكار. إن كل شيء يرتبط بمزاج عبد الناصر وتفكيره أولاً وأخيراً... وتذكر البرقية أنه لو لاحت فرصة لعبد الناصر فلن يوفرها.

لقد ناقش السفير البريطاني في القاهرة هذه الأفكار مع السفير الأميركي وأعضاء السفارة الأميركية فوجد ان آراءهم متطابقة.

 برقية يوم 4/10/1961

ذكرت البرقية أن الملك ليس قلقاً، وأن تعليق إذاعة لندن ضد الجمهورية العربية قد يوحي ان (الامبريالية) وراء الانقلاب، وفيها اشارات أن مصر قد ترسل مظليين لسورية، ولكن جهود مصر تنحصر في لبنان والعراق حيث أن مصر تنفق بسخاء وأنها تسكب المال Pouring in money وأن المظاهرات اندلعت لصالحها!!

ونقلاً عن القادمين من سورية فإن الوضع في سورية هادئ والحكومة تسيطر. والحديث عن فيدرالية بين الأردن وسورية.

كان الملك مهتماً باستقرار سورية حتى لا يعود عبد الناصر إلى هناك... ولو عاد هل يساعد الأردن سورية. بالنسبة للعراق أعلن عبد الكريم قاسم عن دعمه لسورية.

برقية يوم 9/12 من السفارة في القاهرة إلى الخارجية في لندن:

في هذه البرقية أشارة لمقال في صحيفة الأهرام هاجم زيارة الملك حسين إلى لندن... ولكن الزيارة كانت مقررة سلفاً وتم تأجيلها لهذا الوقت حتى تستقر أحوال سورية.

في البرقية إشارة لضغط أميركا على بريطانيا حتى تتنازل للسعودية في موضوع واحة البريمي المتنازع عليها على الحدود الشرقية للسعودية، وهذا الضغط الأميركي لتحسين علاقات بريطانيا مع السعودية.

 برقية من السفارة البريطانية في القاهرة إلى لندن

في يوم 24/ كانون الأول أرسلت السفارة في القاهرة برقية إلى لندن وفيها أن عبدالناصر ألقى خطاباً وفيه ان قوى الرجعية نجحت في سورية، ولكن سوف يظل الشعب السوري يستمع إلى إذاعة القاهرة لأنها تعبر عن مشاعره الحقيقية، وأن الجمهورية العربية المتحدة هي لشعب الجمهورية العربية المتحدة الذي سوف يعيد بناءها بحرية اجتماعية تامة دون أي تدخل خارجي (أجنبي).

 تعقيبات القراء:

يعلق بعض القراء شفوياً وعلى سبيل المثال يطلب الأخ فواز أبو تايه توضيحاً وسرداً أكثر، ونفس هذا الطلب جاء من قارئ آخر من الكرك إذ كتب جميل البطوش من الكرك:

دكتور سعد أبو ديه المحترم؛

أود أن أشكركم كل الشكر على المقال المنشور في صحيفة الغد بتاريخ 15/ آب 2008 حول ردود الفعل على اغتيال الشهيد هزاع المجالي رحمه الله، وأن ما ذكرت جميل جدا ولكنه يفيد القراء الذين عاصروا تلك الفترة من الزمن وعاصروا هزاع المجالي، ولكن الجيل الذي لم يعرف تلك الفترة لا يستطيع أن يستوعب شيئا من ذلك المقال الرائع ولا يستطيع تكوين فكرة كافية وهذا ما لمست شخصيا مع عدد كبير من الأصدقاء.

كلي أمل أن تكتب عن تلك الفترة بشكل كاف وأن تكون على شكل حلقات متسلسلة ... إلى آخر الرسالة.

ملاحظة: بدأت كتابة مقدمة عن الموضوع، علها تفيد بعض الشيء.

 abudayeh@hotmail.com

التعليق