درويش: أنا عابر وآني وغير قابل للتعديل أو التمرد على الشعر

تم نشره في الجمعة 15 آب / أغسطس 2008. 10:00 صباحاً
  • درويش: أنا عابر وآني وغير قابل للتعديل أو التمرد على الشعر

صاحب "أثر الفراشة" تمنى آخر حوار له لو أنه حذف نصف أعماله

عمان-الغد- يذهب الشاعر محمود درويش في حواره الأخير مع الشاعر عبده وازن في "صحيفة الحياة" في شتاء العام 2005، إلى القول أنه لا ينظر إلى ماضيه الشعري برضا.

بيد أنه يؤكد أنه ما كان يمكن أن يتطور لولا التراكم الشعري الكبير على مدى سنوات طويلة، لرأيه أن الشعر يتطور بتطور مراحل العمر.

ويضيف: "لو أتيح لي أن احذف لحذفت نصف أعمالي".

يقول درويش في الحوار "ان الشاعر المبدع والجماهيري في آن واحد يمكنه ان يتطور مع قرائه، ينتقل معهم من مرحلة إلى أخرى، ليس جميعاً، فالبعض يتوقف عند مرحلة معينة، كما قد يقف الشاعر أيضا عند محطة معينة يراوح شعره فيها فلا يتطور".

ويرى درويش أن القصيدة السياسية لا تعني له أكثر من "خطبة"، قد تكون جميلة أو غير جميلة، معتبرا أنها بكل الأحوال تخلو من الشعرية أكثر من القصيدة التي تحرص على أن تنتبه لدورها الإبداعي ودورها الاجتماعي.

ويعتقد أن على الشاعر أن ينتبه الى مهنته وليس فقط الى دوره، مشيرا إلى أن القصيدة السياسية استنفدت أغراضها "إلا في حالات الطوارئ الكبرى"، مؤكدا أن القصيدة السياسية لم تعد جزءاً من فهمه المختلف للشعر.

ويتحفظ على تسميات مثل "شعراء المقاومة" أو "شاعر القضية"، معتبرا إياها محاولات نقدية لتجريد الشاعر الفلسطيني من شعريته ليبقيه معبرا عما يسمى "مدونات القضية الفلسطينية".

ويقر أنه لا يتقبل تعريف نفسه بوصفه "شاعر القضية الفلسطينية" فقط، وبأن يدرج شعره في سياق الكلام عن القضية فقط، وكأنه مؤرّخ بالشعر لهذه القضية.

ويجتهد صاحب "عابرون في كلام عابر" في توصيف تجربته قائلا إنه لا يشعر أنه في حاجة إلى لغة شعرية تعبيرية تحقق الشعرية في القصيدة في شكل يجعلها أكثر شعرية إذا أمكن.

يشير إلى أنه يحاول التخفيف من ضغط اللحظة التاريخية على جمالية الشعر، من دون  التخلّي عن الشرط التاريخي، مشددا في المقابل على أنه لا يصدق التصفيق، لقوله "أنا أعرف انه عابر أو آني، وقابل للتغيير والتعديل وللاعتذار أيضاً وللتمرّد على الشعر".

ويضيف "انني مسكون بهاجس هو عدو كتابتي حتى الآن ما أريد أن أكتبه. تسألني: ما الذي تودّ أن تكتبه؟ فأقول لك: لا أعرف. إن رحلتي هي الى المجهول الشعري بحثاً عن قصيدة ذات قدرة على أن تخترق زمنها التاريخي وتحقق شرط حياتها في زمن آخر. هذا ما أسعى إليه، ولكن كيف أعرّف بهذه المسألة؟ هنا أيضاً لا جواب نظرياً ولا فكريا".

ويلتقط وازن تطوراً في شعر درويش وصفه بالخروج عن التفعيلة في قصائده الحديثة التي حلل بعضها. ولم ينف درويش أسلوبه الإيقاعي الجديد الذي لا يلغي التفعيلة، لكنه يبدّل في استعمالها وفي دورها الإيقاعي باحثاً عن إيقاعات مبتكرة تجسدها كل قصيدة بنفسها.

وهو يقول "مفتاحي لكتابة القصيدة هو الإيقاع" و"ابني القصيدة بناء هندسياً كي يكون لها قوام". الإيقاع والتفعيلة والقافية الداخلية تدفع درويش إلى رفض كتابة قصيدة النثر، رغم انها معترف بها عربياً وعالمياً، فهو يكتب النثر خارج القصيدة ولا يكتب قصيدة النثر.

يلتمس وازن انعطافة شعرية في بضع قصائد جديدة لدرويش محللاً مواقع التجديد فيها، مستخلصاً انتقال الشاعر "من شعر القضية إلى قضية الشعر ومن حماسة المقاومة إلى سحر التمرد ومن وهج السياسة إلى غموض السياسي".

كما يلاحظ وازن ان المنفى مستمر في ذات درويش، حتى لو وجد نفسه على قطعة ارض في فلسطين، فوجوده لم يغيّر شعوره بالمنفى المستمر معه من ماضيه إلى مستقبله، "من أنا دون منفى"، لكن لا المنفى ولا الموت الذي واجهه درويش في غيبوبة تعرض لها يخيفان الشاعر، إنما موته الشعري إذا حصل هو الأقسى، لذلك يواجه الموت الحقيقي بالموت الشعري، أي يواجه الموت الواقعي بالحياة الشعرية.

ولا يبدو درويش في الحوار يخشى الموت الشعري فهو يواجهه "جاعلاً منه الوجه الآخر للشعر واللغة"، لأن شعره ولد على مراحل وتطور مدى العمر خلافاً لشعر طرفة بن العبد ورامبو.

يتحدث درويش في الحوار عن معنى عودته الى فلسطين أو ما تبقى منها ويستعيد ذكرى الاجتياح الاسرائيلي لبيروت. ويتناول المدن التي عاش فيها وتجربة الحب التي تجلّت في ديوانه "سرير الغريبة".

وازن اعتبر بداية أن الحوار لا يحتاج إلى ذريعة مع محمود درويش، رائيا أن تاريخ درويش أكثر من تاريخ، وحاضره أكثر من حاضر.

ويقول إنه "الآن" أكثر الشعراء العرب رواجاً وانتشاراً، لكنه في الوقت نفسه من أشد الشعراء انطواء على أنفسهم وإصغاء الى صمتهم الداخلي.

هذا الشاعر "الجماهيري"، يتابع وازن، هو شاعر حديث جداً وطليعي وذو نزعة اختبارية. أمسياته التي تجذب دوماً جمهوراً غير متوقع، في عاصمة عربية وأخرى، تدل على قدرة قصائده على اختراق الذاكرة والمخيلة معاً. لكن الشاعر، عوض أن يستسلم لجمهوره الكبير يرتقي به الى مصاف التلقي الحقيقي.

الحوار المطول الذي نشر على أربع حلقات في الحياة اللندنية أصدره وازن في كتاب "الغريب يقع على نفسه".

وفي الكتاب يقرأ وازن في أعمال محمود درويش الشعرية الجديدة عبر محاولة نقدية معمقة للإلمام العالم الثري والمتنوع للشاعر الفلسطيني. هنا نقترب أكثر من الشاعر ونفتح عيوننا دهشة لم فاتنا من أسرار القصيدة ومن مغامرة الشعر.

كما أن عبده وازن يضيف إلى النقد لقاءً مطولاً مع الشاعر يحدثنا فيه عن حياته وتجربته ومواقفه من الشعر والعالم.

إنه كتاب جدير بالقراءة سواء لمحبي محمود درويش أو لمن لا يعرفونه وهم قلة. الناقد هذه المرة يلاحق الشاعر من النص إلى المنزل.

التعليق