يافا الجميلة تفرد ذراعيها لأغنيات الساحل وينام في حضنها الأولياء

تم نشره في السبت 9 آب / أغسطس 2008. 09:00 صباحاً
  • يافا الجميلة تفرد ذراعيها لأغنيات الساحل وينام في حضنها الأولياء

 محمد جميل خضر

يافا- عبر الطريق الساحلي الممتد على طول البحر الأبيض المتوسط، كان الوصول إلى يافا الجميلة.

وبخلاف ما تركه شاطئ تل أبيب من أثر سلبي، امتد شاطئ يافا بسفنه وعتاقة البيوتات عند عمقه الطالع نحو مرج المدينة أعلى قليلا من البحر ورماله وشاطئه وناسه المتفقين على الأقل حول لفحة شمس الشرق فوق وجوههم.

وكما وجوه الناس في حاراتها، شربت يافا أو يافة كما في تسمية ثانية لها من شمس لا تغيب، وخبأت داخل عباءات بلدتها القديمة ذكريات لا تموت، وتحت كل حجر وعند كل عتبة وبين كل درجة وأخرى داخل أزقةٍ تتنفس عبقا كان ويحاول مرة ثانية أن يكون، رأيت الزمن الذي غاب، والأهل الذين رحلوا، وتحسست تفاصيل البيوت التي تهدمت، ولمحت الصبية التي كانت قبل وهلة قصيرة لا تتعدى 60 عاما من عجائب التاريخ، ترمش بعينها لوالدي في واحدة من جولاته المتواصلة ليافا فهي جارة الروح وقبلة العشاق ومواسم الصالحين وإطلالة قريتنا من أعمال اللد على البحر والناس والمراكب.

وفي الشوارع التي لا تحمل سمة واحدة بحثت عن البرتقال، وجبتها (المدينة الأقدم في فلسطين وربما العالم) مشيا على الأقدام والأحلام والنظر الطويل، بطولها وعرضها، وقرأت في وجوه الناس سؤالا واحدا: أينكم كل هذا الوقت؟!

وعند مقام ضابيطا تلميذة القديس بطرس هتف صاحبي "بركاتكِ يا سيدتي"، وأضاف عند تربة الشيخ إبراهيم الملاحي في الحارة الأكبر من يافا التاريخية والمنسوبة تسميتها إليه (الشيخ إبراهيم) عبارة "دستور من خاطرك يا سيدي". وفي الطريق إلى دروب القلب أطلت زاوية الشيخ رسلان البكري وزاوية الطابية ومقام مولانا الشيخ محمد بهلول وضريح الشيخ محمد كاكا وباقي الأضرحة والمقامات والزوايا.

وعلى بعد فرسخ و60 عاما من الوجع والحسرات، عبق نهر العوجا برائحة الماء الزلال وكذا نهر روبين (الصرار)، ومن قلب حي العجمي والأحياء العربية الأخرى أطلت صور الشهداء: محمد إبراهيم الطرطير، الحاج محمد العابدي، خالد غرابلي، سيد الزيات، مريم أبو محمود، يوسف خليل، محمد نصري، داود صوان، خليل أبو عرقوب، فاطمة محمد علي، الحاج عرفة محمد البطيط وعبد الله إبراهيم أبو إصبع.

وكما السائر في حلم لا ينتهي وقفت الأبواب في استقبال زوارها العائدين من الضياع: باب الأسكلة وباب البلدة وباب المدينة والبوابة القديمة والرئيسية والبرّانية والجوانية، وأبواب تفضي إلى أبواب إلى أسئلة.

وكما لو أن الزمن لم يتحرك قيد أنملة، صدح صوت الأم المكلومة بولدها الذي قتله جنود الاحتلال البريطاني قبل ثلاثة أرباع قرن من الزمان، وندبت تبكيه في باحة المستشفى البلدي في يافا قائلة "شيلونا من المراكب/ حطّونا على المينا/ جيبو لينا حكيم شاطر/ يعرف العلّة اللي فينا".

وأقام الشعراء الشعبيون أمسية على شرف الزمن الجميل: محمود زقوت، الشيخ محمد فرج زايد وصالح خميس الحكواتي وغيرهم.

ومن الكتب العتيقة طلع الشعر العربي في يافا، وها هو الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري يتغنى بيافا الجميلة قائلا:

"بـ "يافا" يومَ حُطَّ بها الرِكابُ تَمَطَّرَ عارِضٌ ودجا سَحابُ 

ولفَّ الغادةَ الحسناءَ ليلٌ مُريبُ الخطوِ ليسَ به شِهاب 

وأوسعَها الرَذاذُ السَحُّ لَثْماً فَفيها مِنْ تحرُّشِهِ اضطِراب 

و"يافا" والغُيومُ تَطوفُ فيها كحالِمةٍ يُجلِّلُها اكتئاب 

وعاريةُ المحاسن مُغرياتٍ بكفِّ الغَيمِ خِيطَ لها ثياب 

كأنَّ الجوَّ بين الشمسِ تُزْهَى وبينَ الشمسِ غطَّاها نِقاب 

فؤادٌ عامِرُ الإيمانِ هاجَتْ وسوِسُه فخامَرَهُ ارتياب 

وقفتُ مُوزَّعَ النَّظَراتِ فيها لِطَرفي في مغَانيها انْسياب 

وموجُ البحرِ يَغسِلُ أخْمَصَيْها وبالأنواءِ تغتسلُ القِباب 

وبيّاراتُها ضَربَتْ نِطاقاً يُخطِّطُها  كما رُسمَ الكتاب 

فقلتُ وقد أُخذتُ بسِحر "يافا" واترابٍ ليافا تُستطاب 

"فلسطينٌ" ونعمَ الأمُ، هذي بَناتُكِ كلُها خوْدٌ كَعاب"

وها هو الراحل العظيم الآخر نزار قباني تردد أمواج البحر صوته:

"أكتب للصغار، أكتب عن يافا- عن مرفئها القديم. عن بقعة غالية الحجارة، يضيء برتقالها.. كخيمة النجوم". ومن بعيد- قريب أيضا يطلع شجيا صوت سنديانة فلسطين الشاعرة الراحلة فدوى طوقان: "على أبواب يافا يا أحبائي، وفي فوضى حطام الدور. بين الردم والشوك، وقفت وقلت للعينين: قفا نبك. على أطلال من رحلوا وفاتوها، تنادي من بناها الدار، وتنعى من بناها الدار".

وكذا صوت الشاعر المتجدد إبداعا وعبقرية محمود درويش "هو الآن يرحل عنا ويسكن يافا"، وليافا كتب درويش أكثر من قصيدة "أحج إليك يا يافا، معي أغراس بيارة، فناديها عن الميناء عن الميناء ناديها وشديني وشديها إلى أوتار قيثارة"، وكذا الراحل أبو سلمى عبد الكريم الكرمي والشاعر الشهيد كمال ناصر "أيها الشاطئ الجريح بصدري/ لا ترفرف بالعجز مقلتيا/ لست أقوى على المجيء هوانا/ أو قد تقوى على المجيء إليا".

والراحلة شهلا الكيالي وفيروز وفرقتها ينشدون "أذكر يوما كنت بيافا/ خبّرنا خبّر عن يافا/ وشراعي في مينا يافا/ يا أيام الصيد بيافا". 

ويافا هي من أقدم مدن فلسطين التاريخية . تقع المدينة في الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، تبعد حوالي 60 كيلومترا عن القدس، في عام 1949 قررت الحكومة الإسرائيلية توحيد مدينتي يافا وتل أبيب من ناحية إدارية، تحت اسم البلدية المشترك "بلدية تل أبيب - يافا". تحتل مدينة يافا موقعاً طبيعياً متميزاً على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط عند التقاء دائرة عرض 32.3ْ شمالاً وخط طول 34.17 شرقاً، وذلك إلى الجنوب من مصب نهر العوجا بحوالي 7 كيلومترات، وعلى بعد 60 كيلومترا شمال غرب القدس، وقد أسهمت العوامل الطبيعية في جعل هذا الموقع منيعاً يُشرف على طرق المواصلات والتجارة، وهي بذلك تعتبر إحدى البوابات الغربية الفلسطينية، حيث يتم عبرها اتصال فلسطين بدول حوض البحر المتوسط وأوروبا وإفريقيا. ويُعتبر ميناؤها أحد أقدم الموانئ في العالم، حيث كان يخدم السفن منذ أكثر من 4000 عام. ولكن في 3 نوفمبر 1965 تم إغلاق ميناء يافا أمام السفن الكبيرة، وتم استخدام ميناء أشدود بديلاً له، وما يزال الميناء يستقبل سُفن الصيد الصغيرة والقوارب السياحية.

واحتفظت مدينة يافا بهذه التسمية "يافا" أو "يافة" منذ نشأتها مع بعض التحريف البسيط دون المساس بمدلول التسمية، والإسم الحالي "يافا" مُشتق من الاسم الكنعاني للمدينة "يافا" التي تعني الجميل أو المنظر الجميل.

وتشير الأدلة التاريخية إلى أن جميع تسميات المدينة التي وردت في المصادر القديمة تعبر عن معنى "الجمال". هذا وإن بعض المؤرخين يذكرون أن اسم المدينة يُنسب إلى "يافث"، أحد الأبناء الثلاثة لِسيدنا نوح عليه السلام، والذي قام بإنشاء المدينة بعد نهاية الطوفان. هذا وإن أقدم تسجيل لاسم يافا وصلنا حتى الآن جاء باللغة الهيروغليفية، من عهد "تحتمس الثالث" حيث ورد اسمها "يوبا" أو "يبو" حوالي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، ضمن البلاد الآسيوية التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية المصرية، وتكرر الاسم بعد ذلك في بردية مصرية أيضاً ذات صفة جغرافية تعرف ببردية "أنستازي الأول"، تؤرخ بالقرن الثالث عشر قبل الميلاد، وقد أشارت تلك البردية إلى جمال مدينة يافا الفتان بوصف شاعري جميل يلفت الأنظار.

ثم جاء اسم يافا ضمن المدن التي استولى عليها "سنحاريب" ملك آشور في حملته عام 701 قبل الميلاد على النحو التالي: "يا – اب – بو" وورد اسمها في نقش (لاشمونازار) أمير صيدا، يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، على النحو التالي: "جوهو"، حيث أشار فيه إلى أن ملك الفرس قد منحه "يافا" ومدينة "دور" مكافأة له على أعماله الجليلة. أما في العهد الهلينستي، فقد ورد الاسم "يوبا"، وذكرت بعض الأساطير اليونانية القديمة أن هذه التسمية "يوبا" مشتقة من "يوبي" بنت إله الريح عند الرومان. كما جاء اسم يافا في بردية "زينون"، التي تنسب إلى موظف الخزانة المصرية الذي ذكر أنه زارها في الفترة ما بين (259-258 ق .م) أثناء حكم بطليموس الثاني، وورد اسمها أكثر من مرة في التوراة تحت اسم "يافو".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أبدعت (محمد البشتاوي)

    السبت 9 آب / أغسطس 2008.
    أتابع منذ فترة ما يكتبه الجميل محمد جميل عن مدن تحمل ذاكرة التاريخ وعبق الأرض .. جميل إبداعك وإلى الأمام ..


    محمد البشتاوي - صحافي وشاعر
  • »أبدعت (محمد البشتاوي)

    السبت 9 آب / أغسطس 2008.
    أتابع منذ فترة ما يكتبه الجميل محمد جميل عن مدن تحمل ذاكرة التاريخ وعبق الأرض .. جميل إبداعك وإلى الأمام ..


    محمد البشتاوي - صحافي وشاعر