فيلم "كسكسي بالسمك": التماسك الإنساني مع الحب الممزوج بالألم

تم نشره في الأحد 13 نيسان / أبريل 2008. 09:00 صباحاً

 

روتردام- يعد فوز فيلم "كسكسي بالسمك" (أو حسب عنوانه الفرنسي La Graine et le mullet) للمخرج التونسي المقيم في فرنسا عبد اللطيف قشيش بثلاث من جوائز سيزار الفرنسية لأحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن ممثلة مساعدة، نقلة كبيرة بالنسبة للسينما التي يصنعها المهاجرون العرب في أوروبا.

و"سيزار" هي المسابقة السنوية بين الأفلام الفرنسية على غرار جوائز الأوسكار الأميركية. وتتيح الفوز بجوائزها الفرصة عادة أمام الفائزين بها لتحقيق مشاريع سينمائية أكثر طموحا، تماما كما حدث مع المخرج عبد اللطيف قشيش نفسه، فقد سبق له الفوز بأربع من جوائز سيزار عن فيلمه الروائي الثاني "المراوغة" L'esquive قبل 5 سنوات، وهو ما جعل المنتج الفرنسي كلود بيري يمنحه دعما ماليا مفتوحا لتحقيق فيلمه التالي.

أما لماذا يعد الفيلم نقلة في هذه النوعية من الأفلام التي يصنعها سينمائيون عرب في المهجر الأوروبي فلعل هذا يعود إلى الأسباب التالية:

ابتعاده عن المواضيع التقليدية التي تسود هذا النوع من الأفلام التي يصنعها سينمائيون من أصول مغاربية حول قضية العلاقة مع "الآخر" في بلدان المهجر، وعلى الأخص فرنسا. هذه المواضيع كانت عادة تدور حول الهجرة، وأوضاع المهاجرين على هامش المجتمع الفرنسي وما يتعرضون له من عنصرية، ويتركز اهتمامها على أزمة الهوية والإحساس بالاغتراب وعدم التجانس.

الابتعاد عن الصورة النمطية لمشاهد الفولكلور المغاربي وتصوير العادات العربية والإسلامية من منظور استشراقي، بطريقة لا تتيح مسافة بين المتفرج الأوروبي والصور، بحيث ينبهر هذا المتفرج بما يراه بسبب "غرابة" الصورة، لكنه يشعر، في الوقت نفسه، بالنفور واحيانا، بالتقزز بسبب ذلك الاختلاف النمطي عن "الصورة الغربية المتحضرة".

عدم التركيز على القوالب المألوفة مثل موضوع اضطهاد الرجل للمرأة، والتطرف الديني، والكبت الجنسي، وختان الإناث، والوقوع في الجريمة.. وغير ذلك من قوالب يصلح أن نطلق عليها "تعليب صور التخلف السطحية على الشاشة".

يؤكد الفيلم على فكرة التمسك بالهوية، ولكن بدون الوقوع في النمطية والقولبة. ولعلنا لو طبقنا مقاييس الفيلم الأميركي التقليدي الشائع، أو الفيلم السائد عموما استنادا إلى النموذج الأميركي وحده، على فيلم "كسكسي بالسمك" سيكون من الطبيعي أن نعتبره عملا بدائيا تغيب عنه "الحبكة" ويعاني من الترهل والإطالة والاستطرادات واللقطات القريبة الطويلة المرهقة، ويغيب عنه الوضوح في موضوعه أو نهايته، وعدم تماسك بنائه وجمود مشاهده ولقطاته.

أما الحقيقة فهي أننا أمام عمل فني يبحر في اتجاه مخالف للسينما السائدة، ويتمثل الأعمال السينمائية الفنية التي تملك منهجها الخاص في التعامل مع الصورة. وهو بهذا المعنى يعد أيضا عملا "تجريبيا" على نحو ما، يصور دراما تدور في محيط محدد ومن خلال شخصيات محددة، لكنه يعتمد أسلوبا تسجيليا له جمالياته وإيقاعه الخاص.

موضوع الفيلم بسيط للغاية، فهناك شخصية رئيسية هي شخصية سليمان وهو مهاجر تونسي في الستينيات من عمره، يعمل منذ 35 عاما في بناء السفن في ميناء مارسيليا، ويبدأ الفيلم وصاحب العمل يبلغه بالاستغناء عن خدماته بدعوى أنه لم يعد يستطيع أداء عمله مع تقدمه في السن.

سليمان كان متزوجا من "سعاد" المعروفة بمهارتها في إعداد الكسكسي بالسمك على الطريقة التونسية، ولديه منها عدد من الأبناء هم مجيد المتزوج من جوليا الفرنسية ولكنه يرتبط بعلاقة مع امرأة فرنسية أخرى متزوجة، ورياض الإبن الأصغر، وكريمة، وليلى (المتزوجة من هنري وهو روسي يتعلم العربية). ولدى سليمان عدد كبير من الأحفاد أيضا.

وهكذا، من البداية يدخلنا الفيلم في اطار تلك الدراما العائلية المتشابكة التي ترتبط أيضا بمحيط خارجي من الأصدقاء والمعارف، من المهاجرين الذين يرتبط بهم سليمان من محبي الموسيقى العربية وعازفيها (تأكيدا على الارتباط بالهوية).

سليمان الذي يحمل كل إصرار الجيل الأول من المهاجرين، لا يفقد رشده ولا ينهار بعد أن يفقد عمله، بل يخطر له شراء سفينة قديمة متهالكة راسية على الشاطئ لكي يحولها إلى مطعم يتخصص في تقديم الكسكسي بالسمك. وهو يبذل كل جهده من أجل العثور على جهة تقرضه مبلغا يستطيع بواسطته أن يحول السفينة القديمة إلى مطعم عائم.

أصدقاؤه يسخرون من فكرته في البداية، ثم يقول له أحدهم ساخرا أنه لابد سيحصل على ترخيص "طالما أنه لا يعتزم بناء مسجد"، ويحاول أبناؤه دفعه دفعا للعودة إلى الوطن مع الاكتفاء بما سيحصل عليه من مبلغ شهري كمنحة تقاعد. الوحيدة التي تقف معه وتسانده هي "ريم" ابنة صديقته.

ومن أجل إقناع الجهات المسؤولة عن اقراضه ومنحه ترخيصا وشهادة صحية بجدوى فكرته، يقرر سليمان اقامة حفل عشاء يدعو إليه مسؤولي البلدية والبنك وأصدقاءه وأبناء أسرته، على أن تعد زوجته السابقة الطعام (الكسكسي بالسمك)، ويعزف أصدقاؤه الموسيقى العربية الراقصة.

المخرج استخدم الكاميرا بطريقة خاصة للتلصص على الشخصيات ومراقبتها طول الوقت.

ويحضر الجميع، وينتظرون بفارغ صبر وصول الطعام، لكنه لا يصل لأن "مجيد" نسيه في حقيبة سيارته وفر من المكان حتى يتفادى مواجهة مع زوج عشيقته الفرنسية وأزمة محتملة مع زوجته التي تشك بالأمر.

ويقع سليمان في مأزق. فماذا سيقدم للمدعوين. ويبذل أفراد الأسرة كل جهد للترفيه عن المدعوين بتقديم المشروبات لكسب الوقت إلى حين احضار الطعام، ويذهب سليمان على دراجته إلى منزل زوجته السابقة لكي يطلب منها اعداد طعام بديل لكنه لا يجدها، وتذهب لطيفة لاعداد كمية أخرى من الكسكسي، ويكتشف سليمان استيلاء بعض الأولاد على دراجته فيأخذ في مطاردتهم وهو المنهك صحيا وجسديا ولكن بلا جدوى.

يطول انتظار المدعوين فتسعى ريم لشد أنظارهم وابقائهم في مقاعدهم بتقديم وصلة طويلة من الرقص الشرقي لا يبدو أنها ستنتهي. وينتهي الفيلم ولكن دون نهاية محددة قاطعة، بل يترك المخرج المؤلف كل الاحتمالات مفتوحة. فقد يكون سليمان قد سقط ميتا من الإرهاق، وقد يكون قد عاد بعد ان تمكنت لطيفة من تدبير طعام بديل للضيوف، ونجح في النهاية في الحصول على ترخيص بافتتاح المطعم.

المؤكد أن المخرج عبد اللطيف قشيش لم يشأ أن يتبع أسلوبا في السرد narrative يقوم على الحبكة المحكمة المغلقة، بل على أسلوب السرد المفتوح والمتحرر كثيرا، سواء في بناء المشاهد أو الشخصيات.

فقد أبقى مثلا على الكثير من الاستطرادات التي قد يعتبرها سينمائيون آخرون زائدة عن الحاجة، وركز على الحوارات التلقائية الطويلة، وعلى اللقطات القريبة "كلوز أب" في مشاهد المشاجرات بين أفراد العائلة، واعتمد اعتمادا أساسيا على الكاميرا الثابتة، مع استخدام الحركة الأفقية pan في الانتقال بين وجوه الشخصيات من اليمين إلى اليسار وبالعكس خصوصا في تصويره لمشاهد تناول الطعام.

إنه يضع الكاميرا في قلب المشهد داخل غرفة تناول الطعام مثلا، وسط أكثر من عشر شخصيات وعدد آخر من الأطفال، ويظل ينتقل بها من وجه لآخر، ومن شخصية إلى أخرى، في لقطات قريبة تثير ارتباك أكثر الممثلين خبرة، لكننا لا نشعر بوجودها هنا بل نرى نتيجتها المدهشة التي تتمثل في انسجام الشخصيات، وتداخل الأصوات أحيانا دون أن نقفد القدرة على المتابعة، بل يضفي هذا كله مزيدا من الصدق على المشاهد. وهذا الأسلوب تحديدا هو ما نصفه بأنه مغامرة في التجريب خارج السائد.

ويعد الفيلم دراسة بصرية ممتعة بالكاميرا للشخصيات، وبدرجة أساسية لشخصية سليمان، الذي نراه في عمله ثم في سعيه للحصول على تمويل لمشروعه، ثم لقاءاته مع أصدقائه على المقهى أو في المقصف، ثم كيف يعجز عن ممارسة الحب، وكيف يرتبط بأفراد أسرته، يحنو عليهم جميعا دون قمع أو قسوة.

تتخذ الكاميرا في الفيلم صفة المراقب الدخيل الذي لا يراه ولا يشعر به أحد، وهي في هذا السياق "عين المخرج" الموضوعية التي لا تريد أن تتدخل بل تكتفي بالتلصص على ما يفعله أبطالنا البسطاء.. أبطال من خارج سينما البطولة بل من قلب سينما يمكن أن نطلق عليها بثقة "سينما النثرات الصغيرة والأفكار الكبيرة".

ولعل شخصية سليمان من أقل الشخصيات تعبيرا عن نفسها بالكلام في الفيلم، فهو يظهر معظم الوقت مطرقا صامتا يخفي ألما نبيلا وكبرياء كبيرة في مواجهة أزمته، لا يثور ولا يحتج، بل يفكر كيف يمضي قدما في تحقيق مغامرته، كأنها أصبحت سلاحه الوحيد لإعلان تمسكه بالحياة والعيش في هذا البلد الذي اعطاه خلاصة عمره.

من ناحية يمكن القول إن هذا فيلم عن التضامن الإنساني، والتساند بين جيل المهاجرين الأوائل، وعن الدفء والاهتمام الذي توفره الأسرة رغم كل ما يدور تحت السطح من خلافات وتناقضات تنعكس على أفرادها، لكن دون أن تصبح مشاكلها في المجتمع الفرنسي مشاكل"فريدة" بل جزء من مشاكل المجتمع نفسه على نحو ما.

ولكن من ناحية أخرى هناك أيضا نقد واضح للطريقة الخشنة الغليظة التي يتخلص بها صاحب العمل الفرنسي من سليمان بعد أن أفنى عمره في العمل لديه، وهناك أيضا تشريح للتناقضات بين جيلي الآباء والأبناء، استغراق الأبناء في مشاكلهم الخاصة أو في البحث عن متع عابرة، مشاجراتهم وخياناتهم واحباطاتهم ولكنهم في كل الأوقات مترابطون.

فيلم "كسكسي بالسمك" يؤكد على فكرة التمسك بالهوية، ولكن بدون الوقوع في النمطية والقولبة رغم مشاهد طهي الطعام وصبه في الأواني الضخمة ثم نقله، ومشاهد الغناء الجماعي وغيرها، فهذه المشاهد لا تبدو مقصودة في حد ذاتها، بل كجزء عضوي من نسيج الفيلم نفسه، وهو ما يجعلها تفلت من مصيدة الفولكلور.

ويستخدم المخرج الزمن الحقيقي في تصوير مشهد الحفل، ويوحي بامتداده وطوله أكثر عندما ينتقل بينه وبين بحث سليمان عن مجيد وسعاد ومطاردته لمجموعة أولاد من الجيل الثالث من المهاجرين أخذوا يسخرون منه ويرهقونه دون أدنى شعور بما يعانيه من ألم.

ويمتلئ الفيلم بالمشاجرات التي تبدو شديدة التلقائية، يكثر فيها الصياح والمشاحنات العائلية أثناء تناول الطعام، والصياح على الأبناء، ومعاقبة الأطفال، والتمرد العنيف من جانب "ريم" على أمها، وكيف تسعى إلى استفزاز مشاعر الأنوثة فيها بشتى الطرق، حتى بالصياح والبكاء، لكي تقنعها بالذهاب إلى الحفل وعدم ترك المجال مفتوحا للزوجة السابقة.

إن هذه المشاهد التي يقف وراءها مخرج وممثلون وكاميرا، تصل إلى ذروة الواقعية في الأداء والصورة وحركة الممثلين، وقد لا يتصور كثيرون أنها مشاهد تمثيلية بسبب تلقائيتها الشديدة.

ويصل الفيلم إلى ذروته المغلفة بالحزن في مشهد الرقص الأخير، الذي يتناقض عن قصد مع معاناة سليمان التي تصل إلى ذروتها مع سقوطه في النهاية بينما هو يبحث عن فرصة للتماسك والبقاء في قلب الحياة.

ومعظم الممثلين والممثلات في هذا الفيلم من الهواة الذين يقفون للمرة الأولى أمام الكاميرا، ولا شك أن الفضل في السيطرة المدهشة على أداء الممثلين والقدرة على استخراج أقصى امكانياتهم في التعبير يعود بالدرجة الأساسية إلى المخرج عبد اللطيف قشيش الذي بدأ مشواره السينمائي أصلا كممثل بدأ في فيلم "الشاي في حريم أرشميدس" (1984) للمخرج من أصل جزائري مهدي شريف، وما يزال يمثل وأحدث أدواره في فيلم "معذرة أيها الكارهون" Sorry Haters الذي يتناول العلاقة المتوترة بين العرب في أميركا والأميركيين في نيويورك بعد أحداث 11 سبتمبر.

فيلم "كسكسي بالسمك" هو أساسا عمل يرغب صانعه في أن يعيد "أنسنة" صورة المهاجرين العرب في فرنسا أمام المتفرج الغربي عموما، فهم كما نراهم هنا، أناس لهم مشاكلهم وصراعاتهم وتناقضاتهم وخياناتهم الصغيرة، بل إن لهم أيضا عالمهم الخاص بتفاصيله الخاصة التي لا تنفصل كما يؤكد الفيلم في كل مشهد من مشاهده، عن مشاكل المحيط الأكبر من حولهم، عن المجتمع الفرنسي عموما، وهو ما يجلهم بعيدين عن الصورة المتكررة للضحية التي لا تملك مصائرها. ولعل في هذه النقطة تحديدا تكمن قوة الفيلم.

التعليق