بيبرس الشعبي يبطش بهولاكو الفارسي في نسج غرائبي يستبعد أدوار المؤرخين

تم نشره في الأحد 2 آذار / مارس 2008. 10:00 صباحاً
  • بيبرس الشعبي يبطش بهولاكو الفارسي في نسج غرائبي يستبعد أدوار المؤرخين

صدورالجزء السابع من سيرة السلطان الظاهر 

 

د. مهند مبيضين

عمان- منذ العام 2000 بدأ المعهد الفرنسي للشرق الأدنى وعبر فرع الدراسات العربية في دمشق وبتعاون جاد مع مؤسسات بحثية اخرى، وبجهد كبير للمحققين جورج بوهاس وكاتيا زخريا باستعادة السيرة الشعبية للسلطان "الملك الظاهر بيبرص" وفق الرواية الشامية، وقد صدرت من السيرة حتى الآن سبعة أجزاء، وما يزال المشروع ماضيا، مع ما يستلزمه من صعوبات، ولم يغفل المحققان في الإشارة اليها من مفردات ومصطلحات أو مشاكل التحقيق من مثل البياض في النص أو القطع أو عدم وجود نسخ للمطابقة.

ما تقدمه سيرة الملك الظاهر في جزئها السابع الصادر حديثا عن المعهد الفرنسي هو اتمام لما جاءت به أحداث الجزء السادس، حيث يبدو الملك المتخيل قابضا على زمام مملكته، ورعا تقياً فهو على لسان الراوي "جالس غير ناعس ويسلم على النبي".

وتصور الرواية الشامية المتخيلة مجالس الملك الخاصة على لسان الراوي "يا سادة يا كرام وأما الملك فإنه بعد ما صلى العشاء أتوا إلى عنده الندماء ساعة زمان وصرفهم ودخل المقدم عماد الدين بن علقم وسأله الملك عن طول غيابه.. ثم قال له احكيلي يا عماد الدين كم سنة غبت في هذه السفرة فقال: أفندم ست عشرة سنة، قال له: ما شاء الله غيبة طويلة".

ويكشف النص عن محاسبة الملك لرجال ديوانه وبالأخص عماد الدين بن علقم، فهو وإن خضع لاستجواب على طيلة غيبته إلا أنه في نهاية الجلسة "قال: فتلبك عماد فقال الملك: تقدم، لا تستحِ! فتقدم عماد وأكلوا وانبسطوا وشربوا القهوة، ثم بعث الملك إلى ابنه السعيد تذكرة ان يتعاطى الأحكام".

ومن فوائد السيرة انها تروي لنا كيفية تعامل العاملين في المرافق العامة مع السلاطين والملوك، ومن ذلك أن الملك الظاهر لما دخل حماما للاغتسال ومعه مقدمه عماد الدين بن علقم، لم يتعرف اليه صاحب الحمام والعمال، لكن في حال التعرف على الملك الظاهر اغلقوا الحمام "وأحضروا الند والبخور وأطلقوا العود والعنبر وحطوا منشفة على باب المقصورة".

وتظهر السيرة أن مصدر قلق الملك الظاهر هو "القان هلوون" والمقصود به هنا هولاكو، والغريب ان هولاكو في السيرة الشامية يبدو من أصل فارسي وليس مغولي، وهنا تروي السيرة كيف اظهر الملك قلقه وخوفه من هولاكو وكيف استطاع المقدم عماد الذي يبدو شخصية رئيسة فاعلة في السيرة، أن يذهب إلى إيران وان يظهر بأن أصله غير عربي وانه عمل في خدمة الملوك، وان اسمه حيدرة وكيف اعجب به القان واعطاه عدة وظائف، وكيف تغلب عليه بالحيلة إلى أن أتى به الملك الظاهر في دمشق وهو مكشوف الجسم من دون لباس بعد أن أذله عبر رحلة متعبة في دروب غرب ايران وصولا إلى حلب ثم إلى حماة ثم حمص فدمشق.

وتبدو في ذلك الانتصار الهادئ المتخيل محاكاة لانتصارات الظاهر بيبرس وزميله قطز الحقيقية على التتار في عين جالوت وعلى الصليبيين في معركة المنصورة.

وتحرص السيرة على التنويع في رواية اخبار الملك التي تظهر التصاقه بالعامة والحرص على أداء الصلاة وإظهار لمراتب الاستقبال التي يحظى بها من قبل الاعيان والعلماء، كما نجد حضورا للمنامات والاحلام ومن دون قصد بينت السيرة أهمية دور المقدم وهو منصب عسكري اضطلع بمهام سياسية في عهد السلطنة المملوكية.

وبالرغم من "الظاهر بيبرص" في الرواية الشامية هو غير الظاهر "بيبرس" في المصادر التاريخية التراثية والتي أشرنا إلى نموذجها مع المؤرخ ابن عبدالظاهر في كتابه "الروض الزاهر"، وبرغم الدور الذي يضطلع فيه الخيال في نسج الغرائب وتعظيم الأدوار في الرواية الشعبية الشامية التي هي مدار العرض هنا، إلا أن مثل هذا النوع من الأدب هام في سياق البحث عن الوعي المجتمعي لمسألة تاريخ وحياة السلاطين، وقد حاول المحققان الحفاظ على لغة النص قدر الإمكان من دون الذهاب بها إلى لغة المؤرخين الاعتيادية، التي تأتي على درجة من الوقار والترفع عن ذكر فواحش المجتمع وما يعرض فيه، أو نجدها تتعفف عن سرد ما يعرض للملوك والأعيان من أحداث وغرائب.

ولعل صدور اجزاء السيرة السبعة يسهم في تقريب الرواية الشعبية حول سيرة الملك الظاهر، التي بحسب المحققين، يستطيع المرء ان يسمعها في بعض المقاهي الشعبية القديمة في شوارع القاهرة ودمشق، فقد تعددت نسخ السيرة الظاهرية في حلب ودمشق والقاهرة وتوزعت مخطوطاتها، لذا فإن الاختلاف حول السيرة يظل قائما.

لأجل ذلك الافتراق بين سيرة تراثية محكمة في كتب التراث، وبين سيرة شعبية بلغتها العامية، يستدرك المحققان فيوضحان في مقدمة تحقيق السيرة أن ثمة اختلافا بين الواقع والخيال، وان "بيبرص" في السيرة الشامية ما هو إلا بطل خيالي، وهو بعيد في صورته عن الملك الظاهر بيبرس العلالي البندقداري الصالحي رابع سلاطين المماليك والذي تخبر بعض كتب التاريخ العربية كـ"السلوك إلى معرفة دول الملوك" للمقريزي و"النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي و"تاريخ الجبرتي"، أنه تركي من القبجاق، وأنه بيع في سوق الرقيق وهو في الرابعة عشرة من عمره في سوق دمشق واشتراه الأمير علاء الدين الصالحي البندقداري لينتقل بعدها في خدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب ونشأ في دمشق وأعتقه الملك الصالح معينا إياه قائدا لفرقة المماليك. ثم هرب وشارك مع المماليك في معركة المنصورة ضد الصليبيين في رمضان من عام (647هـ- 1249م) والتي تم فيها أسر الملك الفرنسي لويس التاسع في دار ابن لقمان، ثم تولى بيبرس السلطنة في مصر العام ( 658هـ- 1260م) والذي لعب دورا هاما في دعم السلطان المظفر قطز في دحره للمغول في معركة عين جالوت.

التعليق