هوليوود والحرب على الإرهاب سينمائيا

تم نشره في الخميس 21 شباط / فبراير 2008. 10:00 صباحاً
  • هوليوود والحرب على الإرهاب سينمائيا

لوس أنجلوس- منذ أن بدأت هوليوود صناعة الأفلام وهي تواكب كل الحروب التي يخوضها الشعب الأميركي، سواء بإرادته كما في الحرب العالمية الثانية ردا على الهجوم الياباني على بيرل هاربور أو رغما عنه كما في الحرب الفيتنامية أو حتى دون علمه كما في الحروب التي خاضتها الإدارات الأميركية المتعاقبة بالوكالة في أميركا اللاتينية وفي أفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي.

وكان من الطبيعي بعد كل هذا التاريخ في صناعة الأفلام التي تواكب حروب الولايات المتحدة أن تدخل هوليوود إلى منطقة جديدة وهي "الحرب على الإرهاب" والتي أطلقها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001 على كل من "يهدد الأمن القومي الأميركي" وفقا لمفهوم الإدارة الأميركية.

ولأن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة هذه المرة على أعدائها، وهم من تسميهم بـ"الإرهابيين"، حرب أكثر تعقيدا من الحروب التي خاضتها الأمة الأميركية في السابق، حيث العدو واضح وهو عادة خارج الأراضي الأميركية بينما هنا فالعدو قد يكون داخل البلاد وقد يكون أميركيا، فقد حاولت الأفلام الأميركية هذه المرة أن تتناول هذا العدو بطريقة أكثر واقعية، وأن تنقل لنا تفاصيل أكثر عنه، بل ذهب بعضها إلى محاولة معرفة الدوافع التي أدت به إلى أن يخوض حربا على الأمة "الأقوى" في العالم.

النفط، الإرهاب، الـCIA والشرق الأوسط..

ففيلم سيريانا، الذي أنتج عام 2005 وأخرجه ستيفن كاجان، يتعرض لدور ضابط استخبارات أميركي تم إرساله إلى الشرق الأوسط في مهمة جمع معلومات لمعرفة من يريدون تعريض المصالح الأميركية للخطر.

وبالتوازي مع هذه الشخصية التي قام بأدائها جورج كلوني، هناك التحالف غير الشريف بين شركات النفط الأميركية الكبرى وبين أجنحة في العائلات المالكة التي تحكم الدول النفطية في الشرق الأوسط.

ومن أجل إبراز هذا التحالف تخيل الفيلم دولة شرق أوسطية نفطية اسمها سيريانا، تحكمها عائلة تمر بمرحلة دقيقة وهي مرحلة الإعداد لما بعد حاكم هذه الدولة. وتدور معركة خلافة هذا الحاكم بين ابنه "الأمير ناصر" الذي يريد أن يستغل عائدات النفط في تطوير بلاده ونقلها حضاريا إلى القرن الحادي والعشرين وبين ابنه "الأمير مشعل" الذي يبدو منغمسا في ملذات الحياة وغير راغب في إحداث هذه النقلة الحضارية لبلاده.

هنا تتدخل شركات النفط الأميركية الكبيرة عبر تحالفها مع أجهزة الإدارة الأميركية وأهمها الـCIA من أجل اغتيال الأمير الإصلاحي الذي فكر في التخلي عن الشركات النفطية الأميركية واستبدالها بشركات صينية وبالتالي تمهيد الطريق للأمير مشعل نحو خلافة والده.

بالتوازي مع هذا الخط نشاهد في الفيلم كيفية نشوء التطرف في المجتمعات الشرق الأوسطية. فهناك جاليات العمالة الآسيوية الضخمة التي تعامل بشكل سيئ من قبل السلطات، ما يدفع بعض أفرادها للتعاون مع المجموعات المتطرفة التي تريد ضرب المصالح الأميركية في سيريانا.

الفيلم المأخوذ عن كتاب "لا أرى شرا: القصة الحقيقية لجندي على الأرض في حرب الـCIA على الإرهاب". وقد ألف الكتاب روبرت باير، وهو ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA.

ويقول باير ومخرج الفيلم كاجان إن كل ما ورد في فيلم سيريانا مستقى من أحداث حقيقية، منها ما قد خاضوه هم بأنفسهم، مثل مشهد تحقيق رجال حزب الله مع ضابط الـCIA في الفيلم.

تغطية الإعلام للحرب على الإرهاب وسجون الـCIA السرية

لم تكتف هوليوود بهذا الفيلم لتعرض وجهة نظر الجناح المعارض لحرب الإدارة الأميركية على الإرهاب.

ففي عام 2006 خرج لنا الفيلم المستقل Civic Duty أو "واجب مدني" وهو يحكي قصة محاسب أميركي في المرحلة التالية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر لا يفعل شيئا سوى متابعة شبكات الأخبار التلفزيونية الأميركية التي تركز على أخبار الإرهاب ومحاولات الجماعات المتطرفة استهداف الولايات المتحدة من الداخل.

وبعد أن يكون عقل المحاسب الأميركي الذي يقوم بدوره بيتر كراوز قد هيئ تماما لكي يكون مشاركا فعالا في حرب بلاده على الإرهاب، يشك كراوز في جاره الجديد، الطالب المسلم الذي يقوم بدوره الممثل المصري خالد أبو النجا، في أنه يريد التخطيط لعمل إرهابي داخل الولايات المتحدة.

يحاول كراوز إقناع زوجته وإقناع ضابط في مكتب التحقيقات الفيدرالي الـFBI لكنه يفشل، فيقرر حينئذ أن يقوم بالتحري عن أبو النجا بنفسه، ويصل إلى حد أن يختطفه ويحقق معه من أجل إثبات تورطه في الإرهاب.

وبعد هذا الفيلم قرر الجناح المعارض في هوليوود لحرب الرئيس الأميركي على الإرهاب أن يصنع فيلما آخر حول نفس الموضوع وهو فيلم Rendition الذي أنتج عام 2007 وتناول موضوع نقل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للمشتبه بعلاقتهم بالإرهاب بين سجون سرية في أماكن متفرقة من العالم.

الفيلم يحكي قصة شاب مصري يدعى أنور الإبراهيمي، قام بدوره الممثل الدنماركي المصري عمر متولي، تشتبه الـCIA في علاقته بالإرهاب فتقرر خطفه ونقله إلى أحد السجون العربية، حيث يعذب هناك تحت إشراف ضباط الوكالة من أجل انتزاع اعترافات منه حول علاقته المفترضة بالإرهاب.

تسافر زوجته الأميركية إيزابيلا التي تقوم بدورها الممثلة ريز ويذرسبون إلى واشنطن من أجل معرفة الحقيقة وراء اختفاء زوجها وهناك تكتشف أن من دبرت عملية اختطافه ونقله إلى خارج الأراضي الأميركية هي رئيسة الـCIA كورين وايتمان، والتي تقوم بدورها الممثلة القديرة ميريل ستريب.

في هذه الأثناء يكون ضابط الـCIA دوجلاس فريمان والذي يشرف على جلسات استجواب أنور الإبراهيمي، وقام بدوره الممثل الشاب جاك جلينجهال، قد بدأ ضميره في التحرك بعد جلسات التعذيب المؤلمة التي تعرض لها أنور.

وبالرغم من أن الفيلم يتعرض لعملية تم استخدامها بكثرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من قبل الإدارة الأميركية إلا أنه من المهم الإشارة هنا إلى أن هذا الإجراء تمت الموافقة عليه من قبل إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وليس من قبل إدارة الرئيس بوش.

الحرب على الإرهاب داخل "المملكة" وأفغانستان

لكن على الجانب الآخر كان هناك جناح في هوليوود موالٍ لإدارة الرئيس الأميركي في حربها على الإرهاب.

وقد مثل هذا الجناح فيلم The Kingdom أو المملكة الذي أنتج عام 2007 وقام بأدوار البطولة فيه الممثل الأميركي جايمي فوكس والممثلة الأميركية جنيفر جاردنر والممثل الفلسطيني أشرف برهوم.

تدور أحداث الفيلم في المملكة العربية السعودية، حيث يتناول قصة فريق من محققي الـFBI يسافر إلى الرياض من أجل التحقيق في هجوم إرهابي على مجمع يقطنه أميركيون يعملون في السعودية.

الفيلم المليء بمشاهد الأكشن والانفجارات والاشتباكات بالأسلحة النارية والصواريخ في أحياء وشوارع العاصمة السعودية ينتهي بانتصار الفريق الأميركي على الإرهابيين والقضاء عليهم ولكنه يطرح سؤالا حساسا وهو: هل تم التخلص من الإرهابيين إلى الأبد أم أن ما حدث هو جولة واحدة فقط في حرب طويلة ومستمرة.

وأخيرا هناك فيلم Lions for Lambs الذي أخرجه المخرج والممثل الأميركي روبرت ريدفورد، المعروف بمواقفه السياسية المناهضة لحروب الإدارة الأميركية.

الفيلم يتناول قصة الحرب التي تخوضها القوات الأميركية من خلال سرد رحلة طالبين أميركيين من مقاعد الدراسة إلى مواجهة مسلحي حركة طالبان في أفغانستان.

وبالتوازي نشاهد المأزق الأخلاقي لأستاذهما الجامعي، الذي قام بدوره روبرت ريدفورد، ونتابع صحافية أميركية متشككة في الهدف الذي ذهبت من أجله بلادها إلى الحرب، قامت بدورها ميريل ستريب، وهي تجري تحقيقا صحافيا من سناتور طامح لتبوؤ منصب الرئاسة، وقام بدوره توم كروز.

السناتور يرغب من خلال هذا التحقيق في إقناع الرأي العام بجدوى خطته الجديدة لمحاربة طالبان في أفغانستان عبر الدفع بمزيد من الجنود إلى هناك، بينما تحاول ميريل ستريب مواجهته بعدم جدوى الحرب هناك.

العرب و"سينما الحرب على الإرهاب"

لكن بعد كل هذه الأفلام، تساءلت إن كانت هذه الموجة من الأفلام يمكن أن تؤثر على عقل المشاهد العربي عند توزيعها على صالات العرض السينمائي في العالم العربي.

المخرج والناقد السينمائي اللبناني علي زراقط نفى خلال حديثه لبي بي سي العربية أن تكون هذه الأفلام قادرة على التأثير على العقل العربي وذلك "لأن هذا الجمهور معني بالأساس بموضوع هذه الأفلام لذلك فإنه متحيز مسبقا سواء لوجهة النظر المعارضة لسياسات الإدارة الأميركية في حربها على الإرهاب أو لوجهة النظر المؤيدة لها، وبالتالي فهناك قسم صغير فقط من المشاهدين سيشاهد هذه النوعية من الأفلام بطريقة محايدة".

ويتفق الموزع السينمائي عبدالرحمن محسن مع علي زراقط ويقول لبي بي سي العربية إن "الأفلام الأميركية التي تروج لسياسات إدارة الرئيس الأميركي بوش لن تجد إلا النفور من الجمهور العربي".

لكن عند سؤاله حول مطالبات البعض بمنعها من التوزيع في العالم العربي بحجة عدم تقديم هذه الأفلام لأي فائدة للعقل العربي، يجيب محسن بالقول "نحن نعرض الأفلام ليس من أجل فائدة المشاهد ولكن نحن نعرض الأفلام من أجل الربح، ولا توجد شركة تعرض فيلما من أجل فائدة المتفرج"، مضيفا أنه "مع التصريح بعرض هذه الأفلام وضد المنع والوصاية ولا أعتقد أن فيلما من هذا النوع يمكن أن يؤثر على عقل أي مشاهد عربي".

وحول سبب نجاح هذه الأفلام عند توزيعها في العالم العربي فإن علي زراقط يبرر ذلك بأن "معظم هذه الأفلام تنتمي الى نوعية أفلام الأكشن وبالتالي فهي أفلام تجارية رائجة، كما أن الظرف السياسي الراهن الذي تمر به المجتمعات العربية يجعل هذه الأفلام رائجة".

ويتفق محسن مع زراقط في وجهة نظره لكنه يضيف عليها أن قطاعا من صناع تلك الأفلام يتعمدون تضمينها بوجهات نظرهم السياسية سواء المؤيدة للإدارة الأميركية أو المعارضة لها.

يبقى السؤال الأخير والأهم: بما أن العالم العربي معني بالأساس بـ"الحرب على الإرهاب"، فلماذا لا توجد أفلام عربية تعالج هذه الحرب من وجهة نظر المواطن العربي؟

علي زراقط يلخص الإجابة بقوله "لا توجد الإرادة أو الرغبة في صنع أفلام عربية تحمل صورة مستقلة لنا مغايرة عن تلك التي تقدمها السينما الأميركية أو البريطانية أو الفرنسية.. لذا فإن صورتنا الموجودة حاليا في العالم هي الصورة التي تقدمها السينما الأميركية والتي تملك من شبكات التوزيع ما يجعلها تصل إلينا ولا نصل إليها لو أردنا صنع صورة مستقلة لنا.. وحتى الصورة المضادة هي إنتاج أميركي وليست من صنعنا..!".

الصورة المضادة تلخصت في الرواية الأميركية للحرب التي أنجبت "الحرب على الإرهاب"، وهي "الحرب على الشيوعية" والتي جرت في أفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي عندما دعمت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جماعات المجاهدين الأفغان والعرب في قتالهم الوجود السوفييتي في أفغانستان.

تلك الرواية وردت في فيلم Charlie Wilson's War، الذي أنتج أواخر عام 2007 ولعب بطولته توم هانكس في دور السناتور الأميركي تشارلي ويلسون، والذي لعب دورا هاما في دعم المجاهدين وإرهاق الاتحاد السوفييتي الى أن سقط عام 1991.

فيلم يقدم لنا صورة أميركية عما حدث في أفغانستان، لكن الأهم من ذلك أنه يقدم لنا جذور "الحرب على الإرهاب" التي نشهد فصولها هذه الأيام.

التعليق