تمام الأكحل: الفن في مواجهة التهجير

تم نشره في الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2008. 09:00 صباحاً
  • تمام الأكحل: الفن في مواجهة التهجير

 

رشا عبدالله سلامة

عمّان-  ذائقتها الفنية تشكلت في أزقة يافا القديمة ومينائها وبيّاراتها، قبل أن تعصف بها رياح التهجير هي وأسرتها، لتتحول الذائقة إلى نكهة أخرى رغم بقائها قابضة على جمر الوطن.

من فلسطين إلى بيروت ثم إلى القاهرة، امتدت رحلة الشتات للتشكيلية الفلسطينية تمام الأكحل، التي قلّبت ألبوم ذكرياتها منذ أيام الطفولة، مرورا بدراستها الفنية، وزواجها من التشكيلي الفلسطيني إسماعيل شموط الذي بقي حتى وفاته قبل أكثر من عام يشاطرها نجاحاتها وآمالها وأحلامها.

تجلس في دارتها(دارة إسماعيل وتمام)، التي تعبق بالبخور الأصيل وتزدان باللوحات التي تختزل بين تفاصيلها الصغيرة مآسي كما أفراح الشعب الفلسطيني.

من غرفة استقبالها الدافئة الوثيرة، تعود تمام بذاكرتها لأيام الطفولة في يافا، حيث نمت هناك بذرة الفن منذ نعومة أظفارها "لم يشعل فتيل الفن في نفسي منذ الطفولة شيئا كما أشعلته زغاريد أمي وباقي النسوة عندما كان الحاج أمين الحسيني يعود للبلاد عبر ميناء يافا، لتزدان الشوارع والمنازل بالفوانيس والأعلام الفلسطينية وصور الحسيني، مشاهد الفرحة هذه كانت بداية الغيث".

وتردف الأكحل "كانت جمالية المكان بأسره تلهمني في رسوماتي منذ كنت طالبة في المدرسة، فمساجد يافا وكنائسها وبرتقالها وبحرها، كما أثاث منزلنا الأنيق وتفاصيل حياة الناس الجميلة، برغم شبح الحرب الذي بدأ يخيم على المنطقة، كل ذلك ساهم أيما إسهام في صوغ لوحاتي منذ ذلك الحين ومابعد".

وكما أسهمت أفراح يافا وجمالها في تكوّن الرؤية الفنية لدى الأكحل، فإنّ لذكريات النكبة والتهجير الباع الأطول، إذ تقول "مازلت أذكر عندما قطع الصهاينة في آخر عشرة أيام لنا في يافا الماء والكهرباء عنا، وكيف كنا نبكي من شدة العطش، وكذلك أتذكر نومنا بينما ننتعل أحذيتنا تحسبا لهجوم الصهاينة أثناء الليل".

وتزيد "وفي فجر 1948/4/28 بدأ الصهاينة بطردنا من بيوتنا تحت قوة السلاح، ومازلت أذكر كلبيّ صيد والدي وعمي اللذين أطلقاهما عندما تأكد تهجيرنا، وكيف بقيا حائمين لايعلمان أين يتوجهان، كما لازلت أذكر قارورة الرمل التي ملأتها من حديقتنا عندما لاحت بوادر الترحيل".

وعن ذكريات ذلك اليوم، الذي رسمته الأكحل في لوحاتها مراراً وتكراراً، تضيف "وعندما هرعنا إلى ميناء يافا كان الحال مرعباً، فالناس يتساقطون كما الفراش بين قتيل وجريح، وثمة من يركبون قوارب البرتقال ويهربون لعرض البحر، فيما آخرون يرمون بأنفسهم في البحر لتبريد جراحهم بعدما أطلق علينا الصهاينة رصاص الدمدم".

وتعقّب "ثم نزل أهلي في قارب برتقال ازدحم بنا وبغيرنا من المنكوبين، ولعل أكثر ما يراود ذاكرتي عند رسمي تلك اللحظات كانت سيدة ترمي بأطفالها في قارب البرتقال ليسقط أحدهم في الماء وسط صراخها: راح الولد راح الولد، بينما زوجها يرد عليها: بعوّض علينا الله  ارمي الباقين، ومشهد تساقط كثيرين من القارب من شدة ازدحامه".

وبعينين دامعتين تروي عن آخر إطلالة لها على مدينتها يافا "كان والدي يحمل50 جنيها فلسطينيا، لذا استطاع شراء تذاكر لنا كي نمتطي باخرة يونانية كان اسمها(دولرز)، وأذكر كيف أصيبت أمي بإغماءة ليحملها والدي على كتفه حتى صعد بنا جميعاً للباخرة، وعندما تحركت الباخرة أطللت على يافا لوداعها، هناك بدت يافا تحترق وسط الدخان المتصاعد، رأيت حينها كل ذكرياتنا وشقاوتنا الطفولية وأفراحنا تحترق معها".

وبعد الرحلة الطويلة إلى شواطئ الشتات، تقول الأكحل "وصلنا بيروت في الثانية ليلاً بعد رحلة طويلة جرّاء الأوضاع المشتعلة. ومازلت أذكر النواح والعويل وكيف كنا14 فردا نقتسم البطانيات في وحدة سكنية ضيقة عند أحد أصدقاء والدي"، مردفة "وبعد أيام من تهجيرنا ونزولنا في المخيمات بات الناس يبحثون عن البعض، الأم عن أطفالها والإخوة عن بعضهم، ففكرت بصديقتي التي سمعت أنها نزلت وأسرتها في مقبرة الداعوق التي غدت بعد ذلك مخيم صبرا، وهناك ذهبت فرأيتها مع باقي المنكوبين يزدحمون لأخذ الحليب والماء بينما هم حفاة وغارقون في الوحل، حينها لم أستطع الاقتراب منها، فانسحبت ولكني ذهبت سريعاً لرسم هذا المشهد".

وبينما تتحسس لوحاتها، تستذكر أدوات رسمها في ذلك الحين، قائلة "رفضت وعائلتي ارتداء الملابس المقدمة حينها من إحدى المنظمات الإنسانية، فلجأت والدتي للأصباغ التي تلون الملابس بعد اهترائها، فكنت آخذها وأذيبها بشيء من الماء الساخن، وألف خصلة من شعري على قلم رصاص وأستخدمه ريشة لتوثيق كل ما كنت أراه، وبعدها بدأت بالرسم على قطع القماش في أحد مشاغل الأزياء في بيروت، لتدمع والدتي عندما آتي لها بأجري".

وترى الأكحل أن مأساة التهجير، وما ضمته من تفاصيل وأحداث، صاغت ضمن ما صاغته فنون الشعب الفلسطيني، وتدلل على ذلك بقولها لم أكتشف مغزى حرف الـ S  في التطريز الفلسطيني إلا عندما رأيت كيف كانت حشرة العلق التي تأخذ شكل هذا الحرف هي الدواء في كثير من حالات الجلطة والشلل التي أصابت الناس على إثر التهجير ومن بين هؤلاء والدي، وكيف كانت النسوة ينذرن تطريز هذا الشكل بعد شفاء أزواجهن، مضيفة "وكذلك الحال في غرزة شامر هولد التي طرزتها الفلسطينيات على إثر مؤازرته كأمين للأمم المتحدة للشعب الفلسطيني، والتي صورته بعد اغتياله بجناحين حاملاً ميزان عدل".

وترى الأكحل أن مشاعر "الغبن والقهر والألم وما بين ذلك من تفاعلات وتفاصيل كانت حاضرة في حياة الفلسطينيين، لاسيما أن لكل منكوب قصة خاصة، فأحدهم اختطفوا ابنته وهددوه باغتصابها إن لم يوقع على بيع الأرض، وآخر وقعوه على عملية جراحية مزعومة لأحد أفراد عائلته ليتبين أن ذلك عقد بيع للأرض، وقصص أخرى كثيرة شكلت النفسية الفلسطينية وما أفرزته من فنون".

وبمزيد من الأسى بينما تنظر للوحاتها عن يافا، تتحدث الأكحل عن زيارتها عام 1997  للأراضي المحتلة، تقول "مجرد أخذ صاحب الأرض إذنا وتأشيرة لدخول أرضه فذلك قمة في القهر والإيلام، ولعل الأكثر إيلاماً عندما تجولت في يافا لأرى أزقتنا والمساجد والكنائس، كنت في حالة إجهاش غير عادية في البكاء، حتى وصلت بيتنا الذي بناه أجدادنا منذ500 عام، لأرى كيف احتلته فنانة تشكيلية إسرائيلية وحولته لجاليري إلى جانب بيتين آخرين في القدس وحيفا بحجة أنها ترسم عن الهولوكوست".

وبدموع بثت ما لا تبثه الكلمات، وصفت الأكحل بيتها "حين وصلت هناك رأيت كيف انتزعت تلك الفنانة حجراً منقوشا عليه اسم والدي وأعمامي، وأبدلته بجرس ونجمة داوود، كما رفضت أن تفتح لنا باب منزلنا وبدلاً من ذلك صار حراسها يرددون: أنتم عرب همج"، مضيفة "ولعل الأكثر إيلاماً هو أني وكلت أحداً من الأصدقاء قبل أن أصل يافا بأن يزور بيتنا وأن يبحث عن عمود الرخام في غرفة الاستقبال كي يخبرني بما يرى، وإذ به يتصل بي ليقول: وجدت اسمك وتاريخ ميلادك محفوراً على قاعدة العمود الرخامية، حينها عادت بي ذكريات الطفولة عندما فعلت ذلك وكأنني أعلم بأني أسجل ذكرياتي لأرحل".

ولم ترض تمام دخول البيت هي وزجها إسماعيل شموط بعد ذلك، لأنّ الإسرائيليين قد عرضوا عليها أن تزوره وسط ترحاب منهم وعلى مرأى كاميرات الإعلام، وهو ما رأته "ترسيخاً للمبدأ الذي يزعمون أمام العالم، وهو أنهم يعاملون الفلسطينيين بإنسانية".

وكانت تمام الأكحل قد درست في المعهد العالي للفنون الجميلة في القاهرة منذ سنة 1953 إلى 1957، بعد أن حصلت على منحة وافق عليها والدها رغم محاولة من حوله ثنيه عن ذلك، لتلتقي إسماعيل شموط في أول معرض مشترك بينهما، والذي ساعد الرئيس الراحل ياسر عرفات في تعليق صوره، ليفتتحه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ولتزوره أم كلثوم.

وعن ذلك اللقاء، تقول "كان الدكتور فوزي الغصين من جامعة الدول العربية قد اقترح عليّ مشاركة طالب في السنة الأخيرة من الفنون معرضه، لاسيما وأنه رصد رسمنا عن نفس القضية، وهناك التقيت إسماعيل لنتزوج بعد سنوات من سفره إلى روما وعودتي إلى لبنان، والآن لي تسعة أحفاد من أبنائي الثلاثة يزيد وهو دكتور في الاقتصاد الدولي، وبشار الذي يحمل ماجستير في إخراج الموسيقى العربية وبلال الخبير في شركة مايكروسوفت".

وتختتم الأكحل حديثها، قائلة "كنت ومازلت، كما إسماعيل شموط، نولي القيمة الفنية الأهمية الكبرى في أعمالنا كي تكون عامل قوة للقضية التي نتبناها، وهو ما جعلنا نحوز على تكريمات عدة لعل آخرها فوزنا أنا وإسماعيل بمسابقة عالمية لأجمل عشر صور، عن لوحتي القدس في عيون تمام، ولوحة إسماعيل فلسطين على الصليب".

وتعزم تمام الأكحل إقامة معرض في الذكرى الثانية لرحيل إسماعيل شموط، كي تعرض به لوحات لإسماعيل لم تنشر من قبل، وكذلك لوحاتها هي عن إسماعيل، وليكون الجزء الثالث لوحات خاصة بها، كما تنوي نشر كتاب عن مراسلاتها مع إسماعيل شموط قبل وبعد زواجهما، لأن تلك المراسلات "لا تمثل دلالة قوية فقط عن نجاح زواج أصحاب المهنة الواحدة بعكس ما هو شائع، بل لأنها توثيق تاريخي وسياسي عن أحداث تلك الفترات عندما كان أحدنا يغادر لإقامة المعارض" بحسب تمام.

التعليق