تأخر سن الارتباط يغذي ثقافة "التنازل في الزواج" لدى كثير من الفتيات

تم نشره في الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 09:00 صباحاً
  • تأخر سن الارتباط يغذي ثقافة "التنازل في الزواج" لدى كثير من الفتيات

كوكب حناحنة

عمّان- حاولت التربوية والباحثة عائشة جمعة عند دعوتها من قبل إحدى الجمعيات لإعطاء محاضرة حول تأخر سن الزواج أن تفتح أمام الفتيات اللواتي يواجهن هذه المشكلة الاجتماعية بابا من الأمل.

ووجهت 30 فتاة تجاوزت أعمارهن الثلاثين عاما ولم يسبق لهن الزواج  إلى الحلول المناسبة للخروج من هذه الأزمة دون أن تتعرض حياة إحداهن إلى الخطورة في حال اضطرت للارتباط للهروب من ضغوطات الأهل أو للتحرر من نظرة المجتمع التي تعزلهن عن باقي بنات جيلهن ممن حالفهن الحظ وكونّ أسرا.

وركزت جمعة في محاضراتها على أن تأخر سن الزواج ليس مشكلة، في حال كانت الفتاة على قدر من المعرفة والإدراك واستطاعت أن تدير حياتها وتختار بشكل صحيح دون الالتفات إلى نظرة المجتمع أو الانصياع لضغوط الأهل.

واستطاعت جمعة من خلال الإقناع وضرب أمثلة من الواقع أن توجه الفتيات إلى الخيارات الصحيحة في الارتباط، ودعتهن إلى محاروة الأهل ونقاشهم للوصول إلى حلول تسهم في بناء أسر مستقرة.

وما يواجهنه هؤلاء الفتيات ينطبق على 87 ألف فتاة لم يسبق لهن الزواج وتجاوزت أعمارهن الثلاثين عاما، بحسب إحصائيات جمعية العفاف الخيرية مع الاختلاف في أسباب تأخر زواجهن.

وأشارت الدراسات ذاتها إلى أن متوسط سن الزواج للذكور وصل إلى 30 عاما، في حين أن متوسط سن الزواج بالنسبة للإناث يقارب الـ29 عاما.

ويذهب أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية د. حسين الخزاعي إلى أن الزواج في سن متأخرة قد يكون اختياريا ناتجا عن رغبة شخصية، إذ يوجد الكثيرون الذين يعزفون عن الزواج إلى حين تحقيق طموحاتهم ومشاريعهم قبل الزواج. وهنالك زواج إجباري مرده عدم توفر الظروف الملائمة لتكوين عش الزوجية.

ولا شك أن هنالك أسبابا عديدة لتأخر سن الزواج لدى الجنسين وفي مقدمتها الأسباب الاقتصادية وتدني مستوى الدخل وتآكل الأجور مقارنة مع متطلبات الزواج وكذلك الأسباب الاجتماعية كالعادات والتقاليد من اشتراط الزواج من الأقارب لدى بعض الأسر، واشتراط مستوى ثقافي معين للشاب أو الفتاة وانتشار التعليم العالي، بحسب الباحث الاجتماعي ومدير جمعية العفاف الخيرية مفيد سرحان.

ويورد الخزاعي أسبابا أخرى لتأخر سن الزواج وعلى رأسها البطالة المتفشية بين الشباب وتكاليف الزواج المرتفعة، والزحف الحضري تجاه المدن لتوفر فرص عمل هذا أدى إلى رفع العمر عند الزواج.

ويضيف "كما أن ثورة الاتصالات لعبت دورا في تغذية هذه الظاهرة إذ وفرت الشبكة العنكبوتية مواقع إباحية عوضت الكبت الجنسي لدى الشباب".

وتؤكد التربوية جمعة شيوع هذه الظاهرة، وتعزوها إلى أفكار الفتيات ذاتهن ورغبتهن في تأجيل الارتباط إلى حين تحقيق طموحاتهن ووضع الأهل لشروط معينة للعريس الذي يتقدم لخطبة بناتهم.

ويرافق ظاهرة ارتفاع سن الزواج، وفق مهتمين، ثقافة التنازل عند الفتيات رغبة منهن في تكوين أسرة وإنجاب الأطفال.

ويؤكد الخزاعي أن دخول الفتاة في سن الثلاثين يدفعها للقبول بأية فرصة للزواج رغبة بالاستقرار وللهروب من الضغوطات التي يواجهنها من قبل الأهل دون دراستها لنتائج هذا الارتباط ومدى التوافق الاجتماعي والفكري بينها وبين شريك المستقبل.

ويعزو ثقافة التنازل لدى كثير من الفتيات اللواتي فاتهن قطار الزواج إلى الخوف الذي يطاردها من عدم الزواج، وتأخر العمر بها وعدم قدرتها على الإنجاب في حال أدركت فرصة زواج. ويشرح "ترضى الفتاة بأية فرصة، وتقدم تنازلاتها كالارتباط برجل متزوج أو فقير الحال لا يقوى على إعالتها أو السكن مع أهله".

في حين تؤكد التربوية جمعة إلى أن الفتاة وبعد إدراكها أن قطار الزواج قد فاتها تسارع إلى تكوين أسرة وربما توفق في خياراتها أو قد تسيء الاختيار. وتوضح "عندما تقل فرص الارتباط، ترتبط بشخص متزوج أو مطلق أو أرمل وترضى بخيارات لم تكن واردة في مخيلتها".

ويلقي تأخر سن الزواج بظلاله وآثاره النفسية سواء على الفتاة أو الأسرة أو المجتمع. ويعود مثل هذا الزواج إذا لم يكن مبنيا على قناعة بمشاكل أسرية واجتماعية، كما يفيد الخزاعي، وفي مقدمتها زيادة نسبة حالات الطلاق والتفكك الأسري وانحراف الأحداث وحدوث الجرائم.

ويؤكد سرحان أنه وفي حال تأخر سن الزواج فالمطلوب من الذكر أو الأنثى التعامل مع الموضوع بالحكمة وعدم الإندفاع بالقبول بأية فرصة للزواج دون تفكير.

وتقع على الشاب والفتاة مسؤولية دراسة الخيارات الموجودة لإدراك إمكانية توفر الحد المقبول من نجاح الحياة الأسرية وخصوصا أن الإنسان كلما تقدم به العمر يصبح من الصعب تغيير عاداته وسلوكياته لذلك نجد أن فرص التفاهم تكون أكبر عند الأشخاص الذين يتزوجون في السن المناسبة وهذا يعتمد على البيئة.

وتقع على المؤسسات المعنية بالأسرة والزواج مسؤولية في هذه القضية. ويبرز دورها، كما يقول سرحان، من خلال تنظيم دورات للمقبلين على الزواج بغض النظر عن أعمارهم والتوسع في تقديم خدمات الإرشاد الأسري والمتابعة.

وكذلك نشر ثقافة الأسرة والزواج وخصوصا بين طلبة الكليات والجامعات مما يجعلهم أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح في مسألة الزواج وخصوصا أن هنالك نسبة لا بأس بها من الشباب والفتيات يضيعون أكثر من فرصة للزواج وذلك بسبب ضعف الوعي والبحث عن المواصفات المثالية.

وتشير الاحصائيات، وفق الخزاعي، إلى أن ما نسبته 3% من الإناث تجاوزن سن الخمسين وبقين دون زواج. في حين تشير احصائيات في العام 2006 إلى حالات زواج للإناث تمت بعد الخامسة والستين من العمر وبلغت 11 حالة.

ويشدد الدين الإسلامي، بحسب أستاذ الففقه وأصوله د. منذر زيتون، على منح البنت وكذلك الشاب حريتهما في اختيار كلٍ زوجه، وتمكينه من ذلك من غير ضغط ولا إكراه. ويعطي الشرع المرأة حق الرفض إن زوجها أبوها أو وليها بالإكراه.

ومنع الإكراه في اختيار الزوج، كما يقول زيتون، لا ينافي قيام الآباء والأهالي بالنصح والتوجيه والمشورة لبناتهم وأولادهم بل يجب عليهم أن يفعلوا لأنهم قد يعلمون ما لا يعلم الأبناء وخاصة الإناث منهم، فيبصرونهم ويكشفون لهم ما لا تعلموه من الأمور حتى إذا ما أقدم الفتى أو أقدمت الفتاة على الموافقة أو الرفض كان ذلك مبنياً على وضوح وعلم.

ويستدرك "لكن إكراه الفتاة بخاصة على الزواج قد لا يأتي من باب التحكم أو باب فرض الرأي من قبل الأب بل قد يأتي من باب الحرص وخاصة إذا كانت البنت قد كبرت في سنها فيخاف عليها أبوها أو أهلها أن يفوت عنها قطار الزواج فتظل عانساً من غير زوج ولا ولد".

وتزيد مخاوف الأب إذا كان ذا سنٍ مقتدم، وفق زيتون، فيخشى عليها من موته وأن يتركها من غير أحد يعتني بها، وهذا الأمر مع إيجابيته في نفس الأب لكنه أيضاً مرفوض شرعاً لأنه في النهاية إكراه، والأصل أن كل إنسان بالغ عاقل أعرف بمصلحته ويتحمل مسؤولية اختياره، فلئن عرف الأب مصلحة ابنته من جهة أو جهات فإن معرفة البنت بمصلحتها أيضاً متحققة بحسب علمها بنفسها من جهات أخرى، وعليه فالحرية مكفولة للكل ولكن يقابلها المسؤولية.

ويشرح "فحرية الاختيار ينبني عليها المسؤولية والتحمل، فمن مارس حريته يسأل هو نفسه عن النتائج، ومن جانب آخر فقد يؤدي ذلك الإكراه المبني على الحرص إلى نتائج سيئة تعود بمضار قد تزيد على بقاء البنت عانساً، وساعتها قد يقول الأب ليتنا لم نكرهها".

وتحذر جمعة الأهل من الوقوف في طريق بناتهم وعدم الضغط عليهن في الارتباط وتوعيتهن ومناقشتهن حتى لا تتحول حياتهن إلى مأساة فيما بعد وتعود لهم مطلقة.

ومن جهة أخرى تناشد الخطباء والوعاظ وأولي الأمر والتلفزيون بضرورة التركيز على قضايا الزواج وبناء الأسر وتوعية الشباب في هذا المجال.

التعليق