"الحب في زمن العولمة" رواية جديدة لصبحي فحماوي تنقد النسيج الهجين وتسخر من " العوربة "

تم نشره في الأربعاء 14 شباط / فبراير 2007. 09:00 صباحاً
  • "الحب في زمن العولمة" رواية جديدة لصبحي فحماوي تنقد النسيج الهجين وتسخر من " العوربة "

 

بيروت - رواية " الحب في زمن العولمة" لصبحي فحماوي تعكس سمات تطل من اعمال الكاتب الاردني من ابرزها سخرية وتركيزا على مظاهر وتفاصيل وانماط سلوك وتفكير في الحياة اليومية العربية واستعمال هذا كله لرسم اطار اكبر ربما بدا اقرب عامة الى صورة من صور هذه الحياة.

يبدو فحماوي في عمله هذا كمن يصور مزيجا لا ينحل عنصراه المكونان ليشكلا واحدا.. بل هما يلتقيان فيتداخلان هنا من دون ذوبان.. ويتنافران هناك كأنهما غريبان في محطة سفر جلسا جنبا الى جنب دون حوار ودون ان تتلاقى نظراتهما.

الكاتب لا يتفلسف او يتحذلق لكنه يتناول بسخريته المرة المضحكة المبكية كثيرا من وجوه حياتنا الفكرية والاجتماعية والاقتصادية في جديدها وقديمها شبه الثابت.. ويبدو حينا على الرغم من تركيزه على اليومي والمحسوس كأنه يتجاوز ذلك ليرسم ما يشبه نسيجا فكريا

نفسيا فيه كثير من الهجنة وكأنه يتعمد اظهار هذا النسيج الهجين.

يركز فحماوي على تصوير "عولمة " يكثر الحديث عنها ويتزايد وقد دخلت عالمنا الذي يأخذ منها اي من الغرب ما يستهويه في تصرف شبه طفولي. انه عالم يقوم على ما يمكن ان نسميه " السعدنة الفكرية " من السعدان اي القرد. عالم بدا انه يستغرب الاحداث بدرجة كبيرة ويستمر من ناحية اخرى يجتر المقيم اقامة شبه ابدية من سحيق ايامه. وقد يبدو الامر احيانا اشبه بمن يرتدي " جلابية " قديمة مهلهلة او" شروالا " عربيا شرقيا كما يقال وفوقهما ربطة عنق باريسية فخمة عادية او" بابيون ". امر غريب دون شك.. وقد يذكر بصورة مهرج. لعل هذا بعض ما يرمي اليه فحماوي.

وفي ما يصوره الكاتب من دخول بعض سمات " العولمة " على مجتمع راكد او متخلف في بعض مجالاته نشهد حالات جوار بين تخلف عريق وانواع من احدث نتاج الفكر والمصانع الغربية. وتتكرر صورة المهرج الذي لا يضحكنا دائما بل يخلق فينا مشاعر اخرى. وحيث يتحدث عن هذا النوع من العولمة يبدو كأنه يصور ما يمكن ان يسمى" عوربة " اي عولمة عربية او ما قد يصح بأن يعطى اسم " عولثة " او عولمة من بعض اقطار العالم الثالث.

رواية فحماوي جاءت في 265 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن مؤسسة دار الهلال في نطاق "روايات الهلال" في القاهرة.

يبدأ فحماوي روايته بظرف ورمزية وبكثير من " حسن التخلص". واذا كان العرب القدامى تحدثوا عن وادي عبقر وما قيل من ان الجن الذي كان يسكنه شكل مصدر " عبقرية " للبعض.. وما يصفه الغربيون بطريقة مماثلة حيث تستعمل كلمة " جينيوس" الانجليزية لتعني العبقري او النابغة.. وفي جذرها عودة الى الجن.. فقد كان لفحماوي جني بل عائلة نشيطة من الجن.

ففي كلام نموذجي بمعنى انه يحمل كثيرا من اسلوب فحماوي ومحتواه الذي يحفل بالنقد الساخر.. وبثقافة متنوعة تنضح بالسياسي والاجتماعي والفكري والادبي والاقتصادي وشؤون الجنس وعقده.. انما بمرح وبساطة ودون " تنظير " من الوزن الثقيل.. بدأ الرواية بعنوان هو تنويه فقال عن نفسه "عندما كنت صغيرا لم يكن لدينا شيء اسمه تلفاز وكانت امي زينب تحكي لنا حكايات قبل النوم وعشعش في ذهني ما روته عن الحاجة فاطمة.. امرأة كانت تعيش في مدينة جنين مرفوعا عنها الحجاب وكانت روحها متصلة مع الجن وهذا الجن من سلالة سعدالدين. لم اعرف يومها من هو سعدالدين.. ومن المؤكد انه ليس سعدالدين ابراهيم -المصري الاميركاني- مع اعتذار للاديب صنع الله ابراهيم. وهذه المعلومات السرية ابوح بها لكم بعد ان احتفظت بها مدة خمسين سنة ثم افرجت عنها تماما كما يفرجون عن الملفات البريطانية بعد انتهاء فعاليتها".

اضاف ان امه في حكاياتها قالت له ان الناس عندما كانوا يسألون الحاجة فاطمة عن حاجاتهم " فانها كانت تجلس امامهم متربعة ثم تنتفض ويتغير صوتها وتجحظ عيناها " سأل الصبي عن سبب تغير صوت فاطمة فأجابت الام " عندما تجلس امام الزوار يركبها اولاد سعدالدين ثم يبادرون بالحديث مع الزوار فينطلق سعدالدين من فم المرأة الجاحظة العينين وهي لا تدري ماذا يحصل".

الكاتب هنا يستغل سعدالدين بظرف وبساطة وبحسن تخلص ليقول لنا ما يقوله فنانون وكتاب قصة بشكل خاص -مثلا- من ان العمل الفني يصبح مستقلا عنهم ويحيا حياته الخاصة.. او انهم هم انفسهم لا يستطيعون شرح كل ما يحمله.

ومن ناحية اخرى ربما سعى فحماوي الى تسديد" ضربة استباقية" الى اي نقد قد يوجه اليه بالقول ان كتابته الاستطرادية تبدو احيانا اقرب الى قصص قصيرة مختلفة منها الى رواية متكاملة وتشبه احيانا اخرى خطابا سياسيا حادا ومقالا انتقاديا جارحا كالسيف. يضيف الكاتب هنا " ليس هذا هو الموضوع. الموضوع الخطير الذي اود ان ابلغكم عنه هو انني اشعر الان ان احد اولاد سعدالدين قد ركب راسي وانسل الى داخل مخيلتي التي لا اعرف اذا كانت في تلافيف المخيخ الايسر ام في ثنايا المخيخ الايمن.. واستحكم هناك وبدأ يسرد من فمي حكايات ويختلق شخصيات كثيرة لرواية لا افهم عنها شيئا قال لي ان اكتب اسمها

" الحب في زمن العولمة".

ومع كل ذلك السخر والاضحاك فإننا في بعض الفصول كما في فصل" اشباح وارواح " مثلا نقرأ في الرواية في شخصيات اهمها " الشواوي " وغيره قصة الآلام البشرية والاحباطات وخلاصات العذاب الانساني منذ سعي " جلجامش " الى الحصول على زهرة الخلود والسعادة.. او تعب العجوز وعرقه في" الشيخ والبحر " عند ارنست همنجواي وكثيرين آخرين.. فإذا بالذي نحصل عليه في النهاية حفنة ريح.. وهي هنا مع فحماوي.. نسمة لطيفة منسوجة بالضحك والدمع.

التعليق