الأغنية الأردنية الجديدة بين الانحياز إلى الموروث ومتطلبات العولمة

تم نشره في الاثنين 29 كانون الثاني / يناير 2007. 09:00 صباحاً
  • الأغنية الأردنية الجديدة بين الانحياز إلى الموروث ومتطلبات العولمة

 

عمان- منذ زمن يعود إلى ما قبل تأسيس الدولة في بداية حقبة العشرينيات من القرن الفائت رفد الموروث الشعبي الأغنية الأردنية بمعين لا ينضب من الألحان التي عبرت عن حراك تفاصيل الحياة اليومية في المجتمع .

وكان لصدق وحرارة تلك الأغنيات العفوية المستمدة من ترانيم وأهازيج لحظات الرعي والحصاد ان عبرت عن سائر أشكال المعايشة اليومية للواقع وعن وجدان وأشواق الأردنيين في علاقاتهم الإنسانية والاجتماعية والثقافية.

شهد تراث الأغنية الأردنية الذي ما زال محفوظا في أفئدة الناس محطات ركود لكنه لا يلبث أن ينطلق ثانية محملا بأصالة الإيقاع وحسن اختياره للكلمات حيث لا يخفى ان الكثير من الإلحان الأردنية كانت ذات تأثر وصلة مع الحان بيئة مجاورة لكنها حتما لا تفقد أصولها وجذورها الاردنية.

في ضوء هذه الحالة دأبت الأصوات الغنائية الأردنية في إطلالتها الأولى على الخوض في غمار تلك الألحان وسعى البعض منها إلى التوجه نحو الأغنيات المعاصرة دون أن تعزل نفسها عن الموروث الغنائي الأردني .

عن هذه الحيرة التي تنتاب الأغنية الأردنية الجديدة يقول الأكاديمي الدكتور محمد غوانمة ان الموروث هو الأساس لأي ثقافة.. والموروث الغنائي تحديدا يعتبر ركيزة أساسية لبناء الثقافة الموسيقية والغنائية.

من هنا فان أغنياتنا الأردنية بموروثها الثري وبحسها وصدقها من خلال أدائها المعبر عن روح الأردنيين وأحاسيسهم المكنونة في دواخلهم يشكل الأساس القوي والمتين الذي يمكن لأجيالنا الشابة الجديدة أن تبني إبداعاتها بالاعتماد عليه حسب قوله .

ويضيف غوانمة لوكالة الأنباء الأردنية ان تراثنا الغنائي الأردني تراث متنوع يرضي مختلف الأذواق لشموله على ألوان غنائية جميلة ومتنوعة كالغناء البدوي بقوالبه المختلفة وخاصة الحداء والهجيني والسامر والشروقي والغناء الريفي بقوالبه المتنوعة كذلك على غرار الدلعونا وزريف الطول والتراويد والمهاهاة والجفرا وسواها.

ففي كل لون أو قالب من هذه التنويعات الغنائية ما يثير في النفس من المشاعر المتدفقة سواء من حيث الكلمة واللحن أو بأسلوبية الأداء التي ترافق هذه الألوان الغنائية وخاصة الدبكات الشعبية وحلقات السامر وغيرها من فنون الأداء التراثي التي تعتمد في أدائها على الحس الجماعي الذي تلتقي عليه أذواق مختلف الشرائح الاجتماعية مما يؤكد على شيوع وذيوع هذه الألوان والإقرار بأنها أساس ثقافي ثابت يجمع أبناء الشعب الأردني على العناصر الأساسية المكنونة لهذا التراث بما فيها من قيم اجتماعية وسياسية واقتصادية تعج بمختلف المقاطع الغنائية التي يزخر بها التراث الغنائي الأردني.

ويرى غوانمة أن حراك الأغنية الأردنية الجديدة الآخذ في الانتشار ليس وليد اللحظة بل انه يستند إلى عدة روافع .. ففي البدء كانت الإذاعة الأردنية صاحبة الفضل والسبق في احتضان الأغنية الأردنية وإبداعات الفنانين الأردنيين شعرا ولحنا وغناء ..ويحسب للإذاعة الأردنية انها قد أدت دورها على أكمل وجه فلم تكتف الإذاعة ببث هذه الأغاني بل بادرت من خلال إداراتها المتعاقبة إلى تشكيل فرق بحث ميداني لجمع الأغنية الأردنية من مختلف المناطق على مساحة الوطن وأسندت لهذه المهمة المتخصصين من الفنانين والشعراء أمثال الشاعر رشيد زيد الكيلاني والفنان توفيق النمري والملحن جميل العاص.. وغيرهم كثير.

وأيضا أسندت الاذاعة كما يقول أداء الأغاني الأردنية الى أصوات غنائية عربية شهيرة مثل سميرة توفيق وهدى سلطان ووديع الصافي وهيام يونس وعلاوة على ذلك فقد ساهمت الأصوات الأردنية بدورها في هذا المجال مثل سلوى ومحمد وهيب وعبده موسى وإسماعيل خضر وسهام الصفدي.

ويشير الى انه بعد ذلك بدأت النهضة الثقافية الأردنية بالتوسع فأسهمت المؤسسات الاكاديمية بدور فاعل في رعاية الأغنية الأردنية من جهة وأضافت إليها مجالا آخر هو الموسيقى الأردنية ..ويستذكر ما أبدعه الموسيقار الأردني الراحل يوسف خاشو من سيمفونيات وأعمال موسيقية رقيقة ذات طابع عالمي مثل ..سيمفونية" الملك الحسين بن طلال" .. سيمفونية "الشريف الحسين بن علي" ..وسيمفونية "القدس".

وعن جيل الشباب في مجال الأغنية الأردنية تشير الفنانة كارولين ماضي الى وجود أكثر من اتجاه في جيل الشباب تمثل كل حالة منها خصوصية فنية بحد ذاتها ولدى العديد منهم خبرات متفاوتة وأيضا هناك من المشكلات والعوائق في قدرتهم على طرح القضايا والتعبير عنها من خلال الأغنية.

وتقول ان تكلفة الفن والإنتاج الموسيقي الغنائي عالية لكن "وضعي الخاص حيث ان والدي فنان فقد تمكنت حديثا من تحقيق شيء من طموحي في انجاز اسطوانة خاصة بأغنياتي ".

وتؤكد على اللون الذي تؤديه حيث قامت بتلحين عدة قصائد لشعراء أردنيين مثل: رفعة يونس وحكمت النوايسة وموسى حوامدة ومحمود فضيل التل تتغنى بالوطن والإنسان وشواغله اليومية لكنها وجدت صعوبات في محاولة تسويقها.

ورغم تأكيد ماضي على المواضيع والقضايا الوطنية التي تعيش في وجدانها فإنها تجد نفسها ملتزمة بالمعايير الجمالية والفكرية للأغنية المعاصرة دون أن تقطع مع الموروث القديم بل تعمل على التطوير عليه وتوظيفه بعيدا عن القولبة والصورة النمطية لتتمكن من الخروج به إلى فضاء آخر في بصمة خاصة.

وتدعو زملاءها من الفنانين الشباب الى المثابرة والاستمرارية لبلوغ النجاح والبحث والتقصي في اختيار ألحانهم خاصة وانه يوجد لدينا شعراء وملحنون وتراث ثري.

وتشير ماضي إلى وجود فنانين شباب قادرين على اثبات ابداعاتهم الغنائية لكن لا يكاد يسمعهم احد نتيجة عدم الثقة في قدراتهم.. ومن الواجب ان تقوم مؤسسات ووسائل الإعلام وشركات الإنتاج بمنحهم فرصة الظهور وتمكينهم من الانطلاق ومواجهة الجمهور لإثبات مواهبهم وقدراتهم.

ويعبر الفنان الشاب محمد عنبه عن سعادته لمشاركته في مهرجان الأغنية الأردنية السادس من خلال تقديم عدة أغنيات بصوته للفنان كاظم الساهر وشادية مشيرا إلى انه تعلم الغناء بالفطرة وان ظهوره في المهرجان أفاد موهبته الغنائية وقاده إلى الاحتكاك بطاقات إبداعية مكرسة تعلم منها الشيء الكثير ومنحته فرصة لقاء الجمهور مباشرة.

ويتطلع إلى تحقيق حلمه بوصول الأغنية الأردنية إلى خارج حدود الوطن وقد بدأت فعلا هذا المشوار الذي يأمل له بالاستمرار والتنوع.

لكن عنبه يرى ان الفنان بحاجة دوما الى مواكبة من الإعلام ليساعد المواهب على شق طريقها ويدفع بالأصوات الجميلة وترويجها.كما ان الفنان الشاب عليه ان ينهل من محليته والانتماء إلى تلك الألحان الأردنية العذبة دون محاولة تقليد الآخرين, فاللهجة الأردنية في اللحن غنية ومميزة وبطاقة سفر الفنان إلى قلوب الآخرين كما يقول.

ويتابع عنبة أنه من الواجب على الفنان الأردني الالتفات إلى موروثه الحقيقي دون خجل أو رهبة ..ففيه الشيء الكثير من الإبداع والفرادة.

وعن العلاقة التي تربط الفنان الشاب مع شركات الإنتاج الموسيقية يأمل بان تأخذ دورها بدعم الأصوات الشابة لكنه يأسف أحيانا بسبب توجهها غالبا إلى أسماء النجوم المكرسين دون السعي إلى محاولة اكتشاف الفنانين الشباب وأصحاب المواهب اللافتة.

وعن جهده الشخصي في هذا المضمار يقول عنبة .. اتيحت لى فرص في بداية هذه السنة لانجاز أكثر من أغنية باللهجة الأردنية.

أمين عام وزارة الثقافة الشاعر جريس سماوي يؤكد على توجه الوزارة ضمن خطتها الجديدة في التنمية الثقافية الى تقديم سائر أشكال الدعم للأصوات الغنائية الشابة بغية إنجاح تجاربهم الغنائية .

ويقول ان الوزارة اعادت مهرجان أغنية الطفل واهتمت بالأجيال الجديدة من أصحاب المواهب اللافتة ..وتساهم الوزارة من خلال مديرية المسرح والفنون بالحركة الموسيقية والغنائية بالتعاون مع الجهات الرديفة كما هو في التعاون مع أمانة عمان والمعهد الوطني للموسيقى.. وتعمل على خلق مناخ للإبداع عموما وتدعم كل نشاط فني.. ومن جملته الغناء والموسيقى لكنه يستدرك انه ليس من وظيفة الوزارة ان تصنع نجما فهي مهمة المتخصصين وقدرات المبدعين أنفسهم التي ستفرض نفسها على الشركات والمؤسسات التي تهتم بإنتاجهم وتوزيعه كسلعة أو منتج ثقافي.

ويقول سماوي ان الوزارة ساهمت بصقل الكثير من تجارب أصحاب المواهب الغنائية ووضعتهم على طريق الإبداع من خلال مركز الفنون الذي عمل على انطلاقة الكثير منهم التي شقت طريقها بنجاح داخل الاردن وخارجه.

ويضيف ان تفاعل الوزارة مع الوسط الثقافي من خلال تنظيم العديد من الأسابيع الثقافية ساهم في ترويج أسماء غنائية أردنية خارج الوطن عن طريق إيفاد العديد منهم مع الوفود الغنائية والموسيقية الذين رأت فيهم طاقات وقدرات معبرة.. ودعمت الوزارة إقامة المهرجانات الغنائية ووفرت لها البنية التحتية اللازمة للانتشار كما في مهرجانات الفحيص وجرش وشبيب.

ويزيد سماوي ان الوزارة تعنى أيضا بألوان الغناء المحلي وتعمل على توثيق إبداعات الجيل السابق واصدارها في أشرطة واسطوانات وتولي الاهتمام بالقامات الغنائية التي أعطت للأغنية الأردنية القها وحضورها الإبداعي.

التعليق