كتاب يسجل تحولات أماكن دارت فيها أحداث روايات نجيب محفوظ

تم نشره في الثلاثاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2006. 10:00 صباحاً

 

القاهرة - من دون غيره من الكتاب المصريين أخلص نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب 1988 لمكان محدد لا يزيد على بضعة كيلومترات حتى يصعب على القارئ أن يتخيل القاهرة الفاطمية بدون أعماله الروائية والقصصية.

وفي دراسة شائقة قارن الشاعر المصري شريف الشافعي بين ما كانت عليه الاماكن التي دارت فيها أحداث روايات محفوظ وما آلت اليه ليصل الى أن المكان في أعمال محفوظ ليس مجرد مساحة جغرافية ساكنة بقدر ما هو كائن حي ينمو في النسيج الروائي متفاعلا مع الشخصيات "ويستوعب سيولة الزمان".

ويكاد القارئ الذي لا يعرف القاهرة الفاطمية يظن أنها باتساع الكون حين يكتفي فقط بتخيل مساحتها عبر قراءة أعمال خلدت أماكن وشوارع محددة منها "بين القصرين"  و"قصر الشوق"  و"السكرية" و"زقاق المدق" و"خان الخليلي".

وقال الشافعي في كتابه "نجيب محفوظ.. المكان الشعبي في رواياته بين الواقع والابداع" بعد رحلة تقصى فيها مصائر تلك الاماكن ان الزمن ترك أثره وإيقاعه فتبدلت أشياء برع محفوظ في تثبيتها فنيا ومنحها روحا متجددة.

وأضاف في الكتاب الذي صدر في ذكرى الميلاد الخامس والتسعين لمحفوظ "ها هي

أمكنة روايات نجيب محفوظ تمتثل لقانون التغيير الازلي.. العطفة تتحول الى الشارع. والحانوت الى سوبر ماركت. والملاية اللف الى فستان. والبيت الحجري القديم الى عمارة شاهقة. وتبقى الاثريات والعمائر الاسلامية العتيقة وطائفة الحرفيين والصنايعية المتأصلين يبقى هؤلاء كلهم ليحفظوا جسد الجغرافيا من التلاشي وروح التاريخ من الذوبان".

ورغم هذه التغيرات فإن المؤلف يسجل أن "الروح الشعبية الطازجة لاتزال محومة في الهواء... لتبقى هذه الاحياء معبرة حتى اليوم عن صميم وجدان الشعب المصري".

والكتاب الذي يقع في 166 صفحة متوسطة القطع صدر ضمن سلسلة كتب جديدة تلقي أضواء على العالم الثري لمحفوظ الذي ولد يوم 11 ديسمبر كانون الاول 1911 وتوفي في نهاية أغسطس اب 2006 ولايزال العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل في الآداب.

وتصدر سلسلة الكتب الجديدة بالقاهرة عن "الدار المصرية اللبنانية" صاحبة حق نشر مقالات محفوظ تحت عنوان "حوليات" التي صدرت منها الى الآن تسعة كتب منها "حول الدين والديمقراطية"  و" حول العرب والعروبة" و" حول الحرية والتقدم" و"حول الدين والتطرف" و"حول الادب والفلسفة".

ورصد المؤلف بعض المعالم الواردة في رواية "بين القصرين" وهي الجزء الاول من الثلاثية الشهيرة ليجد أن شارع بين القصرين أصبح يحمل اسم المعز لدين الله وأن المقهى الذي كان يجلس عليه ياسين بن أحمد عبد الجواد لا وجود له. وتسجل الرواية أن المقهى كان يواجه بيت زبيدة الراقصة "العالمة " لكن بعض أهالي الحي أنكروا وجود راقصات أو عوالم بين سكانه لا الآن ولا في العام 1919 حيث دارت أحداث الرواية.

وقال ان الاثر الذي اختفى ولم يحزن عليه أحد هو البرقع الذي كان يغطي وجه المرأة في "بين القصرين" وبعض الاحياء الشعبية تستوي في هذا امرأة تنتمي لبيت محافظ مثل أمينة زوجة أحمد عبد الجواد التي لا تغادر البيت تقريبا وامرأة لعوب مثل أم مريم التي تقيم مع عبد الجواد علاقة بعد أن لفتت انتباهه وهو مشغول في دكانه "فرفع عينيه باهتمام غريزي. رأى امرأة تشتعل الملاءة اللف منها على جسم لحيم وتنحسر حافة البرقع الاسود عن عينين مكحولتين".

أما حي خان الخليلي في الرواية التي حملت اسمه وتدور أحداثها في مطلع الاربعينيات فلم يتغير كثيرا اذ يقسم الخان الى حارات متخصصة في صناعات النحاس والذهب والعطارة كما أن المقاهي تسبب ضوضاء لا تنتهي حتى أن بطل الرواية أحمد عاكف الذي انتقل حديثا الى خان الخليلي لا يستطيع التركيز ففي أول الليل سكنت "ضوضاء النهار ولكن لتحل محلها ضوضاء أشد وأفظع... وعجب كيف يحتمل أهل الحي ضوضاءه أو كيف يغمض لهم جفن".

ومقهى الفيشاوي من أشهر مقاهي الحي بل يعد جزءا من تاريخه ولا يجاريه في الجاذبية "مقهى نجيب محفوظ" الذي افتتح في العام 1989 وحفرت أسماء بعض رواياته على أحد أعمدته.

ويثبت الشافعي أن محفوظ زار المقهى الذي حمل اسمه في ذلك العام وكتب كلمة قال فيها "في هذا اليوم السعيد زرت قطعة جمعت بين عبق التاريخ وجمال الحاضر وفيها الفن والذوق وما تشتهي الانفس".

التعليق