معرض التشكيلي أحمد صبيح "كلام الجدار": صحيفة المحرومين من الورق تنشر مخزونها الدلالي

تم نشره في السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 10:00 صباحاً
  • معرض التشكيلي أحمد صبيح "كلام الجدار": صحيفة المحرومين من الورق تنشر مخزونها الدلالي

يتواصل حتى 13 الشهر الحالي في جاليري دار الأندى

 

    محمد جميل خضر

   عمان- ينوع الفنان التشكيلي احمد صبيح في معرضه "كلام الجدار" الذي افتتح اول من امس في جاليري دار الاندى على ثيمة واحدة. ويتناول مفردة الجدار التي شكلت العمود الفقري لمعرضه المتواصل حتى 13 الشهر الحالي من مختلف الزوايا الممكنة.

وعبر تقنية تبسيط السطح التشكيلي قبل تكثيفه بالدلالات التعبيرية والتجريدية المتناسبة مع حالة الفعل المتحققة, يرصد صبيح الحاصل في العام 1988 على بكالوريوس فنون جميلة من جامعة اليرموك, حالات الجدار, وتداعياته في وعي المعطى الابداعي في الطريق الى مردود ذلك في وعي التلقي.

وعبر 24 لوحة من ألوان الاكليريك والزيت والماء على القماش, يتنقل الحاصل 1989 على جائزة تقديرية من السفير الاسباني من خلال مشاركته في معرض الفنانين الشباب, بين اكثر من مستوى تعبيري, وفيما حملت معظم اعمال المعرض فعلاً تجريدياً مدروساً على الواقع الرابض في محتوياتها وتفاصيلها, فإن بعض تلك الاعمال عكست وعياً واقعياً عولج بأساليب حداثية, وبلمسات فوق السطح الواقعي, جعلت الحديث عن تعريفات صارمة او التزام مدرسي في اسلوبية بعينها, امراً غير ممكن التحقق في معرض صبيح الذي أمّه في يومه الاول اكثر من 200 شخص.

وحفر صبيح الحاصل في العام 2001 على جائزة تقديرية في مسابقة "التفكير باليدين" التي نظمها المركز الثقافي الاسباني, فوق سطوح اعماله, اوجاع الجدران, وذكريات الناس داخل زوايا عتماتها, وخربش عليها تباريح الهوى, واوجاع المسحوقين تحت عجلة الواقع, ورسم في اسمنتها اسهما تدل على الضياع, وكلمات متقاطعة, وخطوطا ودوائر, في بانوراما شمولية الوعي, تفصيلية الطاقة البصرية, دقيقة الرصد.

وعن تجربته في معرضه الثالث(صبيح العضو في كثير من لجان مناهج التدريس والكتب المدرسية التابعة لوزارة التربية والتعليم, مقل في معارضه الشخصية مقابل مشاركات واسعة في معارض جماعية)، يقول المولود في عمان في العام 1965: "الجدران المعتمة هي دفاتر المحرومين من الورق" ويميز بين الجدران التي يكتب عليها الناس وبين جدران البيوت التي لا يكتب عليها عادة, فهم بالنسبة اليها مجرد مجهولين عابري سبيل, وهو يرى هذا النوع من الجدران معتماً ويغدق عليها من الالوان الداكنة كالاسود والبني الغامض والكحلي، فيما يرى ان جدران البيوت السادرة بالدفء والامان, تكون مضيئة, ولا يكتب عليها اصحابها, فبينهم وبينها علاقة حميمة, وهي تعرف اصحابها وتفهم اشجانهم وتسبر غور آمالهم وآلامهم.

ويرى صبيح في خرابيش الجدار، تنفيساً في كثير من الاحيان عن "ضغوط سياسية عالمية علينا, وصرخة من اجل الحرية والاستقلال والسيادة", ويوضح ان الجدار ليس بمعناه الحرفي فقط, فقد يكون "حبل غسيل بين امرأتين ينشرن عليه اسرار العائلة وشقاوات الصغار".

ويقول في حديثه مع "الغد" حول معرضه الجديد "الجدار نحن نصنعه وليس هو الذي يصنعنا". ويواصل متأملاً ابعاد اعماله الفلسفية والجمالية "هناك جدران تسكننا, واخرى تبنى من كرهنا للآخرين, وربما كان الجدار طائرا حبيس قفصه, وانا لا اعبر دائماً عن الجدار نفسه, الابيض النقي او الاسود القاسي, واعكس عادة في جدراني اما احاسيس ايجابية او سلبية".

ويذهب في ابعاد وعيه للجدار, الى المكان الذي يريح الاسير ظهره عليه, ويبثه احزانه, واحلامه بفضاء حرية واسع.

وعن اذا كان ثَمَّ جدار بعينه, استحضره اثناء انجازه للوحات معرضه "كلام الجدار", يجيب صبيح بـ "نعم, كان هناك جدار بعينه يسكنني, انه جدار حارتنا في منطقة شعبية تعج بالناس والاحلام, وانا اجمالاً احيا بين جدران كثيرة, واقرأ فوق مساماتها صحيفة المحرومين من الورق".

ويتحدث صبيح في سياق متصل عن الكامن فينا والمعبر عنه, رائياً ان الكمون بصفته طاقة وضع تخزن الصور، تعادل الفعل ولا تقل اهمية عنه, كونها تشكل ارهاصاته, ومرجعيته وخزانه الذي لا ينضب.

ويروي قصة الجدران التي "تحبس عنا الضوء, وتشكل حاجز تواصل فيما بيننا", ويرى في الطبيعة حامياً ممكناً من جدران الاسمنت "ينبغي ان نتعرف عليها بعمق اكثر من خلال وعي جمالي خلاق".

ويؤكد على ضرورة الحوار الابداعي مع المعنى حتى "نعانق الريح بعيداً عن هموم اللحظة المعاشة".

وعن حضور المرأة في اعماله التشكيلية يقول صبيح "نحن الذين نصنع المرأة وليست هي التي تصنعنا".

ويرى في سياق آخر ان الرغبة بتعلم الرسم اهم من الموهبة الرابضة داخلنا, ويوضح من وحي تجربته في التعامل مع التلاميذ في مركز تعليم الفنون الجميلة التابع لوزارة الثقافة، ان الاطفال الذين يبدون اهتماماً وانتباهاً ملحوظاً اثناء حصص التعليم والتدريب, ويملكون الى ذلك، ميزة المثابرة والمتابعة، يشكلون عادة النسبة الأكبر ممن يواصلون درب الفن والابداع, في مقابل ركون مالكي الموهبة الفطرية، الى ما تحصل لديهم ابتداء, وما حَبَتْهم به الطبيعة من ملكات, وغالباً يتوقف معظمهم عند هذا الحد.

ويؤكد على اهمية اسلوب التجربة والخطأ في تعليم الصغار اصول واسس الفن التشكيلي والرسم والتلوين.

التعليق