طُهرة للصائم وطعمة للمساكين

تم نشره في الخميس 19 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 10:00 صباحاً
  • طُهرة للصائم وطعمة للمساكين

رمضان كريم (26)

د . عماد الراعوش

شرع الله صدقة خاصة لرمضان هي صدقة الفطر، وهذه تختلف عن سائر الصدقات في أمرين أولهما: أن موعدها رمضان خاصة فلا تخرج لا قبله ولا بعده فهي بذلك صدقة رمضانية، ثانيهما: أنها لا تجب على الغني المكلف فحسب بل تجب كذلك على الفقير، وتجب على الصغير، فهي تجب على الذي يملك طعام يومه فقيرا كان أو غنيا كبيرا أو صغيرا، ولإيجابها على الفقير مقصد عظيم فالعادة عند الفقير أن يأخذ لا أن يعطي، إلا في صدقة الفطر فهو يعطي كما يأخذ، وهذا يجعله يعيش مقام الباذلين المنفقين ولو لمرة واحدة في السنة، ويحس بإحساس الحريص على مصالح إخوانه الفقراء وهو منهم، والأهم من ذلك يحس بإحساس صاحب اليد العليا واليد العليا خير من اليد السفلى.

شرع الله هذه الصدقة في رمضان لأن رمضان موسم تتعاظم فيه الأجور، ولأن إقبال العباد على الطاعات يتعاظم، وأعظم ما يكون إقبالهم على الصدقات؛ لأن أجر الصدقة يتضاعف، ولأن الغني إذا صام وشعر بألم الجوع أدرك الألم الذي طالما يعاني منه الفقراء الجياع الذين يمسكون عن الطعام ليس لغروب الشمس فحسب بل إلى ما شاء الله.. إلى أن يتذكرهم أخوانهم الأغنياء فيلقون لهم ما يفطرون عليه، ورمضان فرصة مناسبة لذلك.

صدقة الفطر خير للغني وللفقير، فهي كما قال صلى الله عليه وسلم  للغني طهرة من اللغو ومن الرفث الذي قد يحدثه في صيامه، وهي طعمة للمسكين وسد لجوعه، وإغناء له عن المسألة.

وهي فرض على من ملك قوت يومه، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين".

وقد اخرجها النبي صلى الله عليه وسلم صاعا، والصاع يساوي كيلويين اثنين وأربعين غراماً من أصناف مختلفة من الطعام كما هو ظاهر من هذه الرواية وروايات أخرى نحوها، وتوسع جمهورالعلماء وقالوا تُخرج من الأصناف التي يغلب على الناس التقوت بها، وتوسع بعض منهم وقالوا يجوز أن تخرج بالثمن المساوي نقدا، ولم يجزه جمهور العلماء وقوفا عند ظاهر الروايات التي حددت الأصناف التي تخرج منها صدقة الفطر، والقول بجواز دفع القيمة مروي عن عطاء التابعي والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وأجازه سفيان الثوري وأبو حنيفة، وقد ذهب هؤلاء إلى الجواز لأنهم فهموا من عدِّ النبي صلى الله عليه وسلم لتلك الأصناف أنه على سبيل التمثيل لا الحصر، حتى القائلين بعدم جواز القيمة لم يلتزموا بالإخراج من تلك الأصناف المنصوص عليها في تلك الروايات بل توسعوا فأجازوا إخراج الطعام من غير تلك الأصناف، وما ذلك إلا لأن التحديد بهذه الأصناف ليس إلزاميا، ورأى من أجازوا إخراج القيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من هذه الأصناف لأنها كانت مما يتقوت به أهل ذلك الزمان ويحتاجون له غالبا، وأفضل ما ينفع الفقير ما تمس الحاجة إليه ويسهل الانتفاع به ويحقق الغناء، وذلك متحقق في هذه الأصناف أو في الطعام عموما في ذلك الزمان، أما في الازمان التالية فقد صارت الحاجة أكثر والاتنفاع أيسر بالنقد،  فبه يمكن أن يجلب الفقير الطعام إن كان محتاجا إليه وبه يجلب غيره إن كان محتاجا لغيره، وفي بعض الأحيان تكون الحاجة إلى المال أمس من الحاجة إلى الطعام، فعندما يكون لدى الفقير من الطعام ما يكفيه، ويكون بحاجة إلا ضروريات أخرى مثل الدواء أو اللباس أو غيره، يكون المال أنفع له من الطعام.  

وقد درجت عادة بعض الدول الإسلامية أن تقدرها بناء على الغالب من قوت أهل البلد، كما هو الحال عندنا في الأردن، تقدرها الجهات المختصة بثمن مقدار الصدقة من الدقيق، وقد قُدِّرَت هذا العام بخمس وسبعين قرشا على الأقل.

ومن مستجدات هذه الأيام أن بعض الجهات الخيرية تستقبل صدقة الفطر من خلال رسالة نصية على الهاتف الخلوي، أو حتى مكالمة ملغاة، يُخْصَم على إثرها مقدار الصدقة من رصيد المرسل، وهذا يندرج في قول من أجاز إخراجها نقدان ولكنه يختلف من حيث أسلوب الدفع، وهو وإن كان جائزا على هذا القول إلا أن الأفضل أن يسعى الغني في البحث عن الفقراء ويباشر دفعها لهم بنفسة، وهذا يحقق الغرض من الصدقة ويضمن حسن أدئها أكثر من إخرجها بتلك الوساطات، أما إن لم يتمكن الغني من ذلك فلا بأس في أن يخرجها لهذه الجهات على أن يتحرى الجهات التي يثق في أنها توصل صدقته على خير وجه.    

والأفضل في هذه الصدقة أن تؤدَّى قبل الخروج لصلاة العيد فقد روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر، قبل خروج الناس إلى الصلاة".

ومن أداها قبل العيد بيوم أو يومين فلا حرج، فقد روي عن بعض الصحابة أنهم كانوا يفعلون ذلك. وأجاز الشافعي إخرجها في أي أيام رمضان. أما تأخيرها عن صلاة العيد فلا يجوز، فإن أُخرت عنها فإنما صدقة من الصدقات، وليس صدقة فطر.

دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن

التعليق