النحات الفرنسي برونيه : تأثرت كثيرا بالعمارة الإسلامية

تم نشره في الأحد 30 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً
  • النحات الفرنسي برونيه : تأثرت كثيرا بالعمارة الإسلامية

يقيم في عمان منذ عامين ويرمم معبدا في جرش

نوال العلي

عمّان- يلمس جون برونيه كتلة الحجر، يتحسس نعومتها وقسوتها ونتوءاتها ثم يبدأ في تشكيلها بإزميله وأدواته ليعيد لها روحاً قديمة، وتغدو كأنها قطعة قد نحتت قبل آلاف السنين، فبرينيه مبتعث من مركز دراسات الشرق الأوسط، ليقوم بعملية الترميم لأحد المعابد الأثرية في منطقة جرش منذ عامين.

يقول برونيه"أقود الفريق الأردني الذي يقوم بترميم أحد المعابد في مدينة جرش الأثرية، وأعمل مع مهندس معماري وكثير من العمال الأردنيين".

وليست عملية الترميم اعتباطية، إذ يشير برينيه إلى ضرورة التفكير في العمل ورسم الشكل النهائي الذي نسعى إلى نحته. ويقول"لأكون أكثر دقة فليس ثمة منحوتات في جرش، كتماثيل آلهة أو أشخاص، هناك مزخرفات على تيجان الأعمدة وبعض الجدران".

ويتم تنفيذ الترميم بعد أن يقوم علماء الآثار بوضع تصور لطبيعة هذا المعبد وشكل الصور والرسومات المنحوتة أو المصورة، ومن ثم تحال هذه الدراسة إلى مهندس معماري ليرسمها بدقة ويعطيها لبرينيه الذي يشرف على عملية الترميم برمتها.

حول عملية الترميم يبين برينيه "الترميم ممتع جداً، ليس في طريقة العمل، وإنما في دراسة التاريخ الإنساني وأسباب انتشار هذه الرسمة أو تلك، بالإضافة إلى الأنماط المستخدمة والتقنيات التي كانت تستخدم، يبدو الأمر لي كأنني ارتحل في الماضي وأحاول أن أستخدم التقنيات نفسها أو تلك التي تقترب من روح المنحوتة التي أقوم على ترميمها".

ورغم استخدام التقنيات الحديثة إلا أن القطعة التي تنتج عن هذه العملية لا تختلف عن الأصل ولا يستطيع المشاهد العادي أن يميز كلا منهما عن الأخرى، ففريق الترميم يعمل ببطء، إذ"لابد من احترام عملية الترميم لأنها تدل على احترامنا لتاريخ المنطقة والمعبد ولابد أن نراعي الجانب الجمالي والثقافة والهوية في الترميم، وهذه مسألة تتطلب كثيراً من الوقت فالسرعة نقيض الإتقان".

ويضيف"نحن كفريق نسأل كثيراً قبل البدء في الترميم, وحين نشعر أننا لا نعرف ماذا نفعل نتوقف عن العمل فوراً فهذا ليس نحتا من بنات الخيال، بل احتراما لما كان عليه المعبد أو فن العمارة المستخدم، ونحن لا نقوم بشيء للسياح بل من أجل المحافظة على إرث إنساني".

برينيه يقوم بنحت أعمال خاصة له أيضا، فهو الذي درس الأدب الفرنسي غادر إلى بريطانيا لدراسة فن النحت، ولكنه يؤكد" لست فناناً ولا أقدم تحفة فنية إنه عمل في الفن وليس فناً، وقد صنعت بعض المنحوتات ولكني لم أنظم أي معرض شخصي، وأعد هواية النحت لدي مسألة شخصية جداً ولا أعد نفسي مبدعاً".

ويضيف برينيه"لم أقل في حياتي لأحد أنا فنان، خصوصا في بلد لم ير فيه أحد شيئاً مما صنعت، فما يدريهم لو أن منحوتاتي رديئة أم جيدة، وليس من اللائق أن يقول المرء عن نفسه فناناً من دون تقديم عمله أولاً ليقال عنه فنان حقيقي أم لا".

منذ إقامته في الأردن لم ينحت برينيه أي عمل شخصي له، فهو يقيم في شقة، ولا يستطيع ممارسة النحت، ولا يدري برينيه ماذا حمل من الأردن في ذهنه كنحات، على أية صورة ستتجسد تجربته هنا بالحجر، لكنه يرى"عند عودتي لفرنسا أنا متأكد أني تأثرت بالتضاريس في وادي الموجب ورم والبتراء، والصحراء والأشجار القليلة المتناثرة هنا وهناك. فبالنسبة لي كنحات هذه الطبيعة جديدة، وقد تأثرت كثيراً بالعمارة الإسلامية فيما رأيت من آثار".

لا يفكر برينيه سوى في عمله الآن، الترميم، وأن ينجح في هذه المهمة قائلا "النحت هو حياتي بالأمس وربما غداً، واليوم حياتي في الترميم، منحوتاتي كلها في رأسي وليست في يدي".

ويتطرق برينيه للفرق بين النحت والترميم"عندما أمسك حجراً لنحت شيء خاص بي، كل ما أفكر به هو نقل إحساسي ورؤيتي. أريد أن أنحت شيئاً يشعر به الآخرون أيضاً وأعرف تماماً إلى أين سينتهي هذا الحجر وكيف، وأريد أن أنقل للآخر ما أحسست به من حزن أو حيرة أو بالطبيعة التي رأيتها". أما في الترميم فالمرمم أمام رسمة جاهزة عليه أن يطبقها بحذافيرها ويستعيد شعور الفنان في تلك المنحوتة بالذات.

ولبرينيه رؤيته في عمارة عمّان"هي عمارة عملية جداً، ولم أشعر بخصوصية. ربما في جبل عمّان واللويبدة هناك طراز ما،  لكني لم أشعر بعمارة يمكن القول إنها ذات طابع أردني، ولكني أحب استخدام الحجر والابتعاد عن العمارات الإسمنتية، وهنا يكمن سر جمال العمارة في البيوت اعتماد الحجر الذي يعد مهما جداً ويدل على المكانة الاجتماعية كما فهمت".

وفي هذا السياق، يعلّم برينيه الكثير من العمال والحرفيين الأردنيين وينقل لهم مهاراته التي تعلمها، ويتعلّم منهم أيضاً. ويعد برينيه الأردن مكاناً جمع حضارات مختلفة فهناك الفن البيزنطي والروماني والنبطي" لهذا هو مكان تاريخي مهم".

ومن جانب آخر، فليس هناك الكثير من الصعوبات التي واجهته، على أي حال لكن أبرزها الفروقات الثقافية والعادات والتقاليد ورتم الحياة الممل والبطيء، وتسيد الثقافة الأميركية للمشهد في ثقافة الأكل مثلاً وفي السينما أيضاً." لكني أعتقد أن السفارات الآن في نشاط، وتحاول أن تشارك الآخرين ثقافتها".

ويضيف برينيه"أحياناً اقول شيئاً أظنه عادياً ويتبين لي أنه ماكان ينبغي أن أتفوه به". لكنه يرى أن الجميل في الأردن هو رغبة الناس في المساعدة والتعاون.

يندغم برينيه وينسجم برؤيته وسمعه ولمسه مع القطعة التي بين يديه، يتأثر بكل شيء الإحساس بالزمن الذي يتغير ويغير معه المكان الذي يكون واحداً معظم الوقت، الضوء والعتمة، المساحة والظل، كل ذلك في رأيه يشكل جزءا من التفاعل مع القطعة التي ستتحول بعد قليل إلى قطعة فنية أو مرممة مكتملة.

وفي عمله يفضل الغرانيت الذي يحتاج للكثير من الجهد، ذلك أن برينيه يسعى للدخول إلى قلب المادة والتفاعل معها والإحساس بها. ويخلص إلى أن المهم في النحت"أن لا نكتفي بالتفكير بشعورنا، بل بالمادة التي بين يدينا". 

التعليق