"عمارة يعقوبيان" كان يمكن أن يكون أفضل

تم نشره في الجمعة 23 حزيران / يونيو 2006. 10:00 صباحاً
  • "عمارة يعقوبيان" كان يمكن أن يكون أفضل

 أطول الأفلام المصرية وأكثرها تكلفة

 

القاهرة - بعيدا عن السجادة الحمراء التي لونت احتفالية العرض الخاص والدعاية الضخمة التي رافقت بداية عرض فيلم "عمارة يعقوبيان" قبل أيام، اعتبر النقاد أن "طوله عيبا كان يمكن تلافيه" خصوصا وأنه أكثر الافلام المصرية كلفة حتى الآن.

والفيلم، الذي تستند خطوطه الدرامية إلى رواية حملت الاسم نفسه للروائي علاء الاسواني وقام بكتابة رؤيته السينمائية كاتب السيناريو وحيد حامد وقام ابنه مروان بإخراجه، يناقش ضمن خطوط درامية متوازية الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمع المصري ضمن منطقة وسط العاصمة المصرية التي شيدت في فترة الملكية قبل العام 1952.

وبعد عرض سريع لاجزاء من أفلام تسجيلية في بداية الفيلم التي تغطي ملامح من حياة ما قبل تولي الضباط الاحرار الحكم ينتقل الفيلم إلى الوقت المعاصر ليصور مشهدا يحدد المخرج من خلاله رؤيته الفكرية والابداعية بتركيزه على تمثال طلعت حرب مؤسس الاقتصاد الوطني المصري واحد الرجال الذين لو استمرت خططهم في تطوير مصر اقتصاديا لاستطاع تحقيق إنجازات مهمة.

ويعرف المخرج شخصيات عمله من خلال خطوط درامية متوازية تتطور وتسير جنبا إلى جنب وتجتمع من خلال عيشها المشترك في عمارة يعقوبيان التي شيدت في مراحل النهوض الاقتصادي بدايات القرن الماضي ليبرز من خلالها التناقضات التي يعيشها الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المصري.

ومن خلال هذه الخطوط يقدم الفيلم انتقاداته عبر لغة الصورة في مشاهد العائلات الفقيرة التي تعيش في الغرف الضيقة فوق السطح والاسر والشخصيات الغنية التي تعيش في الشقق الواسعة في العمارة وتعبر كل شخصية من هذه الشخصيات عن وجه من وجوه الازمة التي يعيشها المجتمع بين النبل والحقارة وبين الانسانية وانتهاكها.

فشخصية بثينة (هند صبري) الفتاة اليتيمة التي تتولى وأمها الخادمة الانفاق على الاسرة تنتهك أحلامها وينتهك الفقر جسدها من خلال قيام الذي تعمل معهم بالاعتداء على جسدها فتصبح غريبة وتكره البلد التي تتيح للاغنياء انتهاكها وتعريضها لكل هذه المذلة.

وصديق طفولتها وحالة حبها الفاشلة طه الشاذلي (محمد امام) ابن البواب الذي يعامل باحتقار من سكان العمارة والذي ترفض كلية الشرطة قبوله للدراسة فيها بسبب وضع والده الاجتماعي. وتنتهك انسانيته ويتم اغتصابه من قبل رجال الاجهزة الامنية اثر اعتقاله بعد مشاركته في مظاهرة للحركات الاسلامية في جامعة القاهرة فيلجأ للارهابيين من اجل الانتقام من الذين أهانوه وسحقوه في هذا الواقع الاجتماعي.

ويأتي الدور الرومانسي الذي يقدمه زكي باشا (عادل امام) الذي يحن إلى الماضي والذي رفض العمل مهندسا بعد سقوط الملكية لانه يرى أن البلاد انتهكت والحياة تخلفت فالقاهرة التي كانت أفضل من باريس لم تعد كذلك بل ساءت وأصبحت في وضع يرثى له ويستشهد في ذلك بشخصية عزمي للدلالة على فساد الروح في الواقع الاجتماعي.

وفي خط مواز تظهر شخصية عزمي (نور الشريف) ماسح الاحذية الذي أصبح من كبار التجار بعد أن اغتنى من المتاجرة بالمخدرات ويصبح عضوا في البرلمان للاستفادة من الحصانة ويتحالف مع الوزير كمال الفولي (خالد صالح) يشكلان تحالف السلطة السياسية والامنية الفاسدة اللذان يشتركان في نهب البلد واقتسامها مع الكبار دون مراعاة لغالبية أبناء الشعب.

وضمن الفساد الاجتماعي وتفكك الاسرة تبرز شخصية مدير تحرير إحدى الصحف الناطقة بالفرنسية حاتم رشيد (خالد الصاوي)الشاذ جنسيا بسبب إهمال أبويه له وكيفية استغلاله موقعه باصطياد رجال الامن المركزي مثل سحقه للشرطي عبد ربه من أجل ضمان بقائه معه حتى ولو أدى ذلك إلى تدمير قيمه وأسرته.

هذه الخطوط توضح الفساد بجميع المستويات إن كان عبر سحق المرأة كما حصل مع بثينة أو (سُمَيَّةْ الخشاب) أو سحق القيم أو التحالف بين السلطة بأجهزتها المختلفة وتجار المخدرات بما تعنيه من رمزية سقوط أخلاقية الانتاج الاقتصادي الحقيقي وهنا تأتي أهمية دلالة تمثال طلعت حرب في الميدان المعروف باسمه.

ورغم اعتبار النقاد أن الفيلم جيد إلا انه كان يمكن أن "يختصرالكثير من المشاهد التي لا مبرر دراميا لها مثل أغاني كريستين(يسرا) ومثل رحلة زواج عزمي من سُمَيَّةْ الخشاب" كما يقول الناقد طارق الشناوي.

كذلك اعتبرت الناقدة علا الشافعي أن "مشهد تدريب الارهابيين ومشهد الاغتيال هو إعادة تكرار لما قدمه وحيد حامد في سيناريوهات سابقة له ما كان يجب أن يتم إعادتها ثانية في هذا الفيلم وكان يمكن لها أن تقدم بطريقة مختلفة عبر الاشارة لها في موقف درامي مختلف".

ويعتبر الفيلم الاعلى تكلفة في تاريخ السينما المصرية إذ تكلف ما يقارب22 مليون جنيه مصري (حوالي 4 ملايين دولار) رغم الملاحظات التي تعرضت لطوله حيث يصل وقت عرضه إلى ثلاث ساعات اعتبره النقاد أيضا من "الافلام الجيدة التي تعرض خلال الموسم الصيفي الحالي" .. إلى جانب أنه "يشكل إلى جانب أفلام أخرى خروجا على سينما الكوميديا التي تعمل على تسطيح الذهن ولا تقدم رؤية فنية ولا جمالية ولا فكرية لتطوير ذائقة الجيل الجديد الذي يشكل القطاع العريض من رواد دور العرض السينمائي.

التعليق