أمين معلوف: على المرء أن يندمج في البلد الذي يعيش فيه

تم نشره في الأحد 12 آذار / مارس 2006. 09:00 صباحاً
  • أمين معلوف: على المرء أن يندمج في البلد الذي يعيش فيه

روائي لبناني يرى أن لا أحد يروي تاريخه من دون حكاية الطريق 
 

   عمان-الغد- عندما أصدر أمين معلوف كتاب "الحروب الصليبية كما رآها العرب" بالفرنسية في العام 1983 لم يكن يُهيأ له أن هذا الكتاب الفريد سيفتح له أفقاً واسعاً بعد النجاح الذي لقيه في فرنسا وسائر البلدان التي ترجم الى لغاتها. صدر هذا الكتاب في مرحلة دقيقة كان الحوار فيها بين الشرق والغرب مشوباً بالكثير من التناقص وسوء الفهم،وكانت قضية الحروب الصليبية نفسها مثار جدل تاريخي وديني بين المؤرخين والعلماء العرب والمستشرقين الغربيين والمؤرخين وعلماء الاجتماع والسياسة. جاء كتاب معلوف ليلقي ضوءاً ساطعاً على هذه القضية انطلاقاً من نظرة المؤرخين والرواة العرب اليها،معتمداً الموضوعية التامة في قراءة تلك الحقبة. وبدا الكتاب هذا أشبه بـ "الرواية الحقيقية" التي تميل الى فعل التأريخ أكثر مما تميل الى فعل القص والسرد.

   إلا أن هذا الكتاب فتح أمام أمين معلوف باب الرواية التاريخية ممهداً أمامه الطريق التي سيسلكها. وبعد ثلاث سنوات أصدر روايته الجميلة "ليون الافريقي" (1986) متناولاً فيها الشخص الاشكالي الذي يدعى حسن بن محمد الوزان والذي يلقب بـ "الغرناطي" و "الافريقي". وكان يعد نفسه "ابن السبيل" وطنه "القافلة" وفيه تلتئم اللغة العربية والتركية والبربرية والقشتالية والعبرية واللاتينية... بعد سنتين أصدر معلوف رواية "سمرقند" (1988) جامعاً فيها بين غرق باخرة "التيتانيك" الشهيرة و "رباعيات" الشاعر الفارسي عمر الخيام وفرقة الحشاشين. هذه الرواية بدت غاية في الطرافة والسحر، لأنها ارتقت بالحدث التاريخي الى مصاف الحدث المتخيل. ثم أصدر "حدائق النور" (1991) التي تدور حول شخصية "مانيط" مؤسس الديانة المانوية... ثم رواية " القرن الأول بعد بياتريس" (1992) و "صخرة طانيوس" التي حازت جائزة غونكور الفرنسية في العام 1993 و "موانئ المشرق" و "الهويات القاتلة" حسبما جاء في جريدة "الحياة " التي حاورته ونعيد نشره في " الغد " لاهميته.

*في كتابك الأخير تنحاز الى كلمة "أصول" مميّزاً بينها وبين كلمة "جذور"، معتبراً ان البشر لا يحتاجون الى الجذور مقدار حاجتهم الى الأصول. وترى في الشجرة مثالاً حياً على هذه الفكرة. كيف توضح هذه الفكرة التي ظلّت مبهمة، خصوصاً أن كلمة أصول في العربية ذات دلالات بعيدة، ومنها اشتقت كلمة "أصولية"؟

- التمييز الذي قمت به يتعلّق باللغة الفرنسية. عندما تُرجم الكتاب الى العربية تكلّمت مع المترجمة نهلة بيضون التي اقترحت كلمة "بدايات"، فكلمة "أصول" تملك معاني مختلفة، اضافة الى كلمة "أصولية" التي هي خاصّة جداً. والأصول في ذاكرتي تملك دلالات أخرى، مثل أصول القواعد، أي أنها مبادئ. الفكرة هي فكرة تاريخية، فأنا أميّز بين كلمة origines وكلمة Racines، لأن الأخيرة توحي لي التركيز على نقطة الانطلاق ولكن على حساب الطريق الذي ينطلق من هذه النقطة. تاريخ اللبنانيين هو تاريخ الطرق التي سلكها اللبنانيون، ولا أقصد هنا عائلتي بل الجميع. ولدى العائلات عندنا أناس ذهبوا نحو أميركا الشمالية أو الجنوبية أو استراليا أو أفريقيا أو أوروبا... لا يستطيع أحد أن يروي تاريخه من دون أن يروي حكاية الطريق التي سلكها هؤلاء الناس. وعندما أروي تاريخ عائلتي، صحيح أنني أحكي عن عين القبو وصنين، ولكن عملياً أجد نفسي أحكي أكثر عن جد أمي الذي كان قاضياً في اسطنبول والذي كان انتقل اليها من صيدا، ثم انتقل في أول القرن العشرين من اسطنبول الى طنطا وولدت أمي في طنطا ثم انتقلت العائلة الى القاهرة وفيها تزوج أبي وأمي. وهناك عمّي الكبير فخري الذي هاجر الى الولايات المتحدة الأميركية والذي كان اسمه حاضراً دائماً في العائلة. وكان يمثل لي لغزاً كبيراً عندما كنت طفلاً. انه العمّ الذي لم نعد نسمع أخباره طوال سنوات، وكبرت على هذه القصة. وأول مرة وصلت أخباره، وكان أمراً مهماً في العائلة، عندما اتصل بنا، وكان لي من العمر ست عشرة سنة، وسافرت جدّتي مستقلة الطائرة للمرة الأولى في حياتها وكانت في السبعين من عمرها، لترى ابنها الذي كان هاجر في العام 1930.

القصة التي اكتشفتها متأخراً هي قصة العائلة في كوبا وقد أخبرني عنها عمّي نصري المعلوف. أخبرني عن عمّه جبرايل الذي هاجر الى كوبا والذي مات في ظروف غامضة، قتلاً أو في حادث ما. اكتشفت قصة العائلة في كوبا متأخراً، وبدت مهمة لي وأصبحت جزءاً من هذا التاريخ. ووجدت في منزل جدّتي رسائل متبادلة بين جدي بطرس وأخيه الذي في كوبا واكتشفت أن بطرس فكّر جديّاً في الهجرة الى أميركا... كلّ هذه القصص تجعلني أقول إن الأهم في تاريخنا هي الطرق. انها أهم من نقطة الانطلاق التي تبدأ منها الطرق عادة.

*من هنا جاءت فكرة "أصول"؟

- أجل من هنا جاءت هذه الفكرة.

*ولكن كيف تميّز بين "أصول" و "جذور" لغوياً؟

- كلمة "أصول" أو origines عملياً تمثل المنطلق. أي حين نقول origine d une route أو "أصل الطريق" نعني النقطة التي تبدأ الطريق منها. أما كلمة جذور أو Racines فهي تعني ما يُغرز في الأرض وينمو فيها. "أصول" هي النقطة التي ننطلق منها نحو أمكنة أخرى.

*في روايتك الأخيرة نلاحظ أن هناك جدّين: جبرايل وبطرس، وهما يمثلان جدلية البقاء والانطلاق، أي جدلية الجذور والأصول.

- صحيح.

*لكن بطرس الذي رفض أن يهاجر هل تعتقد أنه شخص ذو جذور؟

- طبعاً له جذور، وهذا التمييز لا يعني أنني ضدّ مفهوم الجذور. الأمر الوحيد هو أنني أضع نقطة الانطلاق التي هي الأصول في نطاق أوسع الذي هو الطرق. وأقول ان تاريخنا هو نقطة الانطلاق والطريق التي سلكناها والتي، عملياً، تغطي العالم كلّه.

*وماذا عن الكائن المقيم والكائن المغترب؟

- انها جدلية الكائن اللبناني. جدي بطرس كانت لديه الفكرة الموجودة لدى كل واحد منا ولكن في نسب مختلفة. كأنه يقول: أنا مرتبط بأرضي ولدي مسؤولية تجاه وطني وشعبي وعائلتي، ولا أستطيع أن أهاجر وأرحل. أمور كهذه ترد دوماً في الرسائل التي كان يبعث بها بطرس الى أخيه في المهجر الأميركي. هل علينا أن نهاجر جميعاً ونترك وراءنا كل شيء؟ ثم بعد بضع جمل يقول: انني أفكر في الهجرة! جميل هذا التناقض، أو لأقل هذا الصراع الذي يعيشه بطرس. هذا الصراع موجود أيضاً في نفس كلّ لبناني. يقضي الانسان نحو ثلاثين سنة في الغربة، يقع حادث في بلده فيصير كلّ همه أن يتابع ما يحصل، ويحكي ويناقش ويبدو مشدوداً الى بلده، وهو في الوقت نفسه بعيد. وإذا خيّر بالعودة فهو لا يعود، لكنه يظل مشغولاً ببلده، يفكر فيه ويشعر مع الناس هناك. في نفس كل لبناني توجد هذه الازدواجية.

*في النهاية أنت، أمين معلوف، المهاجر أو المغترب هل تنحاز الى تجربة جبرايل أو تجربة الهجرة؟

- نعم ولا. اعتقد انني أعيش هذا التناقض في كل لحظة. أشعر بالانتساب الى الوطن وفي الوقت نفسه، بعد أن أتابع لأسابيع طويلة ما يحصل، تبرز أمور تجعلني أبتعد عن لبنان. وهذا ما لاحظته لدى كثيرين. نتابع ما يحصل ونتحمّس ونعقد اجتماعات ونقرر القيام بحركة ما، ثم، لسبب أو لآخر، ربّما بسبب نفسيتنا، نبتعد ونهمل كل شيء.

*هل تقصد النفسية اللبنانية أو النفسية الخاصة؟

- لا فرق بين الاثنتين، وأتصوّر ان معظم المساوئ التي أجدها في ذاتي ناجمة عن هذه التركيبة الخاصة التي هي تركيبتنا الجماعية الى حدّ ما.

*هل يمكن أن نفهم انطلاقاً من هنا ازدواجيتك أو ازدواجية هويتك الفرنسية؟ فأنت تقول في كتابك "الهويات القاتلة" عندما تجيب الذين يسألونك عن هويتك المزدوجة انك لبناني وفرنسي في وقت واحد؟

- انني لبناني وفرنسي ولكن ليس في الطريقة نفسها. هناك انتماء عقلاني وانتماء غير عقلاني، عاطفي، وجداني أو عفوي. الانتماء العقلاني يقول ان المرء عندما يعيش 30 سنة في بلد، يجب عليه أن يتعاطى مع هذا البلد وكأنه بلده وليس كبلد غريب هو أشبه بمحطة ينتظر فيها لينتقل الى بلد ثانٍ. وبالتالي، فإن شعوري هو أن على المرء هذا أن يندمج في البلد. وفي الوقت نفسه علاقتي بلبنان طبيعتها مختلفة، لأنه البلد الذي ولدت فيه ونشأت، ولديّ فيه ذكريات الطفولة والصبا، ثم لأن البلد يعرف المأساة منذ أيام الطفولة وعندما يكون البلد في حال مأسوية لا يستطيع المرء أن يتعامل معه مثلما يتعامل مع بلد متعافى. صحيح أن فرنسا لديها مشكلاتها وأزماتها وأنها تمرّ في مرحلة تبحث فيها عن موقعها في العالم، الا أنّها لا تعيش في حال من الاضطراب مثلما يحيا لبنان والمنطقة كلها. كل يوم نسأل: ماذا سيبقى من البلد؟ ماذا سيحل بالمنطقة؟ ماذا سيبقى من ثقافتنا؟ كل هذه المأساة الموجودة اليوم والتي كانت موجودة قبل مائة سنة تدفعنا دوماً الى التساؤل. عندما أقرأ كلام جدّي وكيف وصف "مأساة الشرق" كما كان يقول، أجد أن هناك شبهاً بين المرحلة القديمة والمرحلة الراهنة. انها التساؤلات التي ما زالت مطروحة: ما علاقتنا بالغرب؟ أين موقعنا في العالم؟ ما هي علاقتنا بالحداثة؟ وربما هناك أسئلة أكبر في هذه اللحظة: هل نحن ذاهبون الى حال من الاضمحلال، سواء على صعيد لبنان كوطن، أم على صعيد الحضارة التي ينتمي اليها؟ هل سنبقى موجودين؟ هل سيعاد بناء لبنان على أساس هذه الحضارة؟ هل سيستمر لبنان ويلعب دوراً في العالم ويكون مشاركاً فعلياً في بناء الغد على مستوى العالم ككل؟ هذه تساؤلات لا يمكن طرحها على المستوى الفرنسي أو الأوروبي.

التعليق