رواية "بنات الرياض" تستظهر المسكوت عنه في المجتمع السعودي

تم نشره في الأربعاء 1 شباط / فبراير 2006. 09:00 صباحاً
  • رواية "بنات الرياض" تستظهر المسكوت عنه في المجتمع السعودي

أحيطت بضجيج إعلامي جعل منها ظاهرة تعالق فيها الأدبي والاجتماعي

 

عمان - الغد- تصدرت رواية "بنات الرياض" للسعودية الشابة رجاء الصانع لائحة الروايات الاكثر مبيعا في معرض الكتاب العربي الذي أقيم أخيرا في بيروت، وهي شبه ممنوعة في السعودية وبعض البلدان الخليجية، اذ طلب بعض المعلّقين في الصحف السعودية من الشبان السعوديين التبرؤ منها، حسبما جاء في جريدة "المستقبل" اللبنانية واعتبروها "تشوّه صورة النساء في السعودية".

واتهم محاورون في قنوات فضائية تلفزيونية، الصانع بتصوير الرجال السعوديين انهم "اجلاف مملون".

 وكتب احد المواطنين "ان هذه الرواية يجب ان تمنع لأنها تصور بنات الرياض "غزلنجية" (من الغزل)، ولا يتورعون عن عقد العلاقات مع اي رجل".

وقال آخر "ألصقت (الصانع) اسم الرياض للكسب المادي". وكتبت فتاة "ان هذه (الرواية) إساءة الى بنات الرياض ومدينة الرياض".

وسألت: "لماذا استخدمت اسم مدينتي؟ لماذا أسأتِ اليها؟ لقد استقبلتك انت ومنحتك شهادة الطب في جامعتها؟".

وهناك من كتب: "من المفروض ان تسمّى الرواية "بنات شيكاغو" وليس "بنات الرياض".

 والحال ان رواية الصانع وتداعياتها في النسيج السعودي، تفتح النقاش حول القراءة، و"الكتب الاكثر مبيعا"، وعلاقة الكاتب بالمتلقي القارئ.

فالناظر في الاحكام "النقدية" التي صدرت في حق رجاء الصانع، يرى أنها نابعة اولا واخيرا من "الثقافة" المغلقة التي تحكم المجتمع السعودي، وتذكّرنا باستنتاجات ابن خلدون في "مقدمته"، اذ ربط بين القراءة وعلاقتها بالعمران، وذلك من خلال تفسيره للعلاقة بين مجتمعات البدو والحضر، فاعتبر أن القراءة نشاط تابع للعمران، وقال: "ولهذا نجد اكثر البدو أميين لا يكتبون ولا يقرأون، ومن قرأ منهم او كتب فيكون خطه قاصرا، وقراءته غير ناقدة".

ومع ان استنتاج ابن خلدون اصبح قديما لكن رمزيته تبقى حاضرة، وتنطبق على الذين هاجموا صاحبة "بنات الرياض" لمجرد انها تناولت "المسكوت عنه" في محيطها الاجتماعي.

 واذا بدلنا كلمة "عمران" الخلدونية بكلمة "عولمة" او بعبارة "التواصل العالمي" و"التنوع الثقافي"، نصل الى الاستنتاج نفسه الذي ذكره ابن خلدون. فالأحكام الكتابية والاجتماعية التي صدرت في حق رجاء الصانع، هي ولا شك نابعة من مجتمع لا يزال محكوما بقيم وتقاليد ومعتقدات ترفض كل ما يختلف عن توجهاته وإيديولوجيته، وهي توجهات لا تزال مغلقة على نفسها.

 ثمة من قال انه لو كانت كاتبة رواية "بنات الرياض" من لبنان لاختلف حضور الرواية عند القراء، ولربما عبرت من دون صدى. لكن ان تكتبها فتاة محجبة، ومن السعودية، وعن "بنات الرياض"، فالامر يتضمن بعض الجرأة، وكسرا للتابو المعهود. اذ ان الرواية تتحدث عن مجتمع محافظ، بل يعتبر الاكثر تدينا في العالم، وتركّز على اربع نساء من عائلات موسرة، يتعين عليهن تخطّي حقل الغام من القواعد والمحظورات في شأن الجنس والزواج والمركز الاجتماعي، من اجل الحصول على رجالهن.

 في إحدى فقرات الرواية تعود إحدى بطلات الرواية من لوس انجليس لتجد ان الحب في بلدها يعامل كدعابة في غير محلها تستمتع بها لفترة وجيزة قبل ان تمنعها السلطات العليا من التداول.

وتسمح فتاة لنفسها بالاقتراب من شيعي على الرغم من أسطورة في الحضر تقول ان الشيعة يبصقون على الطعام قبل تقديمه.

وتبيّن الرواية ان العرس في السعودية مناسبة لاستعراض المواهب الجمالية والفروقات في أذواق النساء، بل هو فرصة لإظهار الحيز الاجتماعي، حيث النساء يرقصن ويستعرضن أجسادهن ويكايدن العرسان المحرجين في الغالب من مناسبات كهذه.

تستعين المؤلفة بأقوال لأسماء شعراء وفنانين مثل نزار قباني وابرهيم ناجي ومحمود المليجي ويوسف وهبي، فضلاً عن مقتطفات من اشعار ت. س. إليوت وكتابات أوسكار وايلد وطاغور.

وتستعين من جهة أخرى بالأحاديث والتفسيرات القرآنية. انه التقاطع بين ثقافتين مختلفتين، الاولى دينية تقليدية والثانية تكتب عن "المسكوت عنه". انه تقاطع الاختلاف في الذاكرة المحلية لمدينة الرياض وبعض المجتمع السعودي. على هذا، يبدو ان "بنات الرياض" أكثر مبيعا لأنها ظاهرة اجتماعية اكثر منها ظاهرة ادبية، وهنا السر في "الكتب الاكثر مبيعا".

ثمة روايات سعودية اخرى أحدثت صدمة لكن ليس بهذا المستوى، منها "الحزام" لاحمد ابودهمان التي استقبلت بحفاوة في باريس بعد صدور طبعتها الاولى باللغة الفرنسية، ثم في عواصم العالم.

 والنافل ان الحماسة للادب كظاهرة اجتماعية، لا تقتصر على العالم العربي بل تتخطاه الى أوروبا. يسأل أحد المفكرين المعاصرين ما هو العمل الادبي الذي حقق القدر الاكبر من النجاح والإقبال في فرنسا، أواخر التسعينيات من القرن الماضي؟ انه عمل لكاتب مغمور، وافد من احد بلدان العالم الثالث، كتاب يحمل عنوانا باطني المعنى، وهو خال من الجنس، ولا يحوي سطرا واحدا من العنف... وقد لبث هذا الكتاب، لأكثر من عام، على رأس قائمة الأكثر مبيعا بين الانواع كافة! والحال ان قراء الروائي البرازيلي باولو كويلو، يعلمون جيدا ما فحوى الكتاب: فهو ليس اكثر من سرد لرحلة بحث روحاني.

ومما لا شك فيه لو ان هذا الكتاب نفسه صدر قبل عشرة اعوام لما لفت الأنظار اليه. انه ظاهرة اجتماعية أكثر منه ظاهرة ادبية، ومن هذا المنطلق فإن رواية "بنات الرياض" لن يكون لها الصدى نفسه اذا صدرت بعد عشر سنين، وربما لو صدرت قبل خمسين عاما لكان مصيرها مجهولاً.

 وهي تذكّرنا ايضا بالصدمة التي أحدثتها في المجتمع اللبناني، رواية "انا احيا" للكاتبة ليلى بعلبكي، في الستينيات من القرن الماضي (مع الفرق بين الروايتين)، اذ حوكمت الروائية لأنها كتبت عبارة "لحوس لي بطني".

واليوم اذا كتبت مثل هذه العبارة تبدو خفيفة وعابرة وخصوصا مع رواج عصر البورنو. "بنات الرياض" مثل روايات احسان عبد القدوس، التي أصبحت من زمن غابر.

يبقى ان الروائية، وإن نجحت اعلاميا وثقافيا، ووضع اسمها في لائحة الروائيات العربيات، فإن الحذر ان تقع في مطب روايتها الاولى، على نحو ما اصاب محمد شكري في "الخبز الحافي"، فتصبح رواياتها اللاحقة مجرد أشلاء لروايتها الأولى.

 أما جدارتها فأن تخرج من نجومية روايتها الاولى، بحثا عن متاهات المعنى في الكتابة. هنا يكون الامتحان.

التعليق