البراري: نخسر الكتابة الحقيقية حين نفتقد ما هو حقيقي وعميق في دواخلنا

تم نشره في الخميس 15 أيلول / سبتمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • البراري: نخسر الكتابة الحقيقية حين نفتقد ما هو حقيقي وعميق في دواخلنا

روائي ومسرحي اردني يرى ان الكتابة وعي بحتمية التراب

 

حاوره: زياد العناني

عمان- ينطلق الروائي والمسرحي هزاع البراري من القلق الوجودي في كتاباته وفي حياته ايضا طارحا رؤياه التي غدت محركا اصيلا وجوهريا في رواياته وفي مسرحياته التي لا ترضى بالسكينة والطمأنينة كخلاص فردي من عذابه المدجج بالاسئلة.

البراري الذي صدر له: الجبل الخالد، وحواء مرة اخرى، والغربان، والممسوس، والعصاة، ومسرحيات عدة في مقدمتها ميشع والحائز على جائزة عويدات اللبنانية لافضل رواية في الوطن العربي وجائزة محمود تيمور المصرية لافضل نص مسرحي يصرعلى انتمائه الى المهمشين واليتامى كما يصر وفي كل حديث على تأكيد اغترابه الروحي الذي عاشه وما يزال لاكثر من ثلاثين عاما من عمره.

الغد التقت صاحب رواية "الغربان" وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته الروائية والمسرحية اضافة الى كشف دواخله كإنسان وروائي متأزم وصاحب رؤية استباقية.

* بعد غياب طويل عن المشهد ما هي اخر اعمالك الروائية الان؟

- انا في الغياب الدائم في حال من الانفلات الطوعي او ربما غير ذلك من الماثل المتأزم, هو غياب نحو البحث والدخول الى اعماق الاسئلة الكبرى, انا بلا سؤال بلا قضية ولا قلم.

الاقاصي دائما تغري بما هو ضد الموت، فما دمنا كأحياء نعيش موتا متأصلا وقاب قوسين من صفحة العيش المكتوبة سلفا. علينا اذن بالمنافي البعيدة، اعرف انني من تراب وانه يتبعني كظلي لكنني اتشبث بالغيب كصخرة لا تنحتها ريح، سأبقى هكذا غير مشذب؛ اذن هو غياب ضد الغياب اصلا وحفر في المكنون الداخلي، كون نزفي اكبر مما تتسع له صفحتي البيضاء، انا مشظى لذلك متعدد في اقترافي الاجناس الادبية ما استطعت الى ذلك بكاء، لم اغب عن المشهد فيما يتعلق بالمنجز فلي حضوري المسرحي المتواصل والقصصي المتناثر لكني منسحب من الملاحق الثقافية والمناسبات المتعجلة، الساحة تعاني من موات، بقيت الاجهزة تنبض لكن السرير غدا فارغا الا من جثة تستجدي اكرامها بالدفن.

* من اين اتيت بكل هذا اليأس؟

- ليس يأسا، لكنني متصالح مع نفسي واعيش تفاصيل ما يجول من حولي بوعي تام، هنالك محاولات لادخال اليأس واللاجدوى الى تفاصيل ما نكتب، ليس من باب فرضية المؤامرة وغياب الرعاية وما الى ذلك فالنص لا يحتاج بنظري سوى لورقة وقلم لكن كل هذا الفشل وكل هذا الموت وتحولنا الى كائنات لا تعرف الحلم جعلني استشعر فظاعة ما يواجهنا ان مجرد وجودنا احياء وسط كل هذا الموت هو خيانة. اذن قول الحقيقة ليس يأسا، لكنه قوة اخرى وصرخة متشققة تتردد بين اذان الكتاب وجدران هذه الحياة العصرية اللعينة, لم نعد حتى نتذوق انكساراتنا اعتدنا كل الاشياء السيئة نفتقد ادنى درجات الدهشة فمن اين تأتي الكتابة اذن, ان جاءت والحال هكذا ما شكلها وكيف نكون؟ اننا نخسر الكتابة الحقيقية لاننا نفتقد كل ما هو حقيقي وعميق في دواخلنا.

* كل ما ذكرته يقع في منطقة النتائج الى الان لم نذكر سببا لهذا اليأس والاحباطات التي ذكرتها?

- هذا مثار بحث طويل طول المعاناة وبحجم الدمار الحاصل, انها جملة اعاصير تلاحقت وتنوعت ضربت اساسات هامة في البنى المتعلقة بشكل العلاقات الاجتماعية والمعايير الاقتصادية بالاضافة الى مكننة الاحاسيس والمشاعر واحيانا كثيرة الافكار بدعوى الحوسبة والشبكات العنكبوتية, تحول المبدع الى صخرة عزلاء وسط محيط لا تعبره سفن المسافرين فشلنا حتى في التواصل بيننا كمثقفين تواصلا انسانيا وثقافيا, انغلقنا داخل نصوصنا المطلسمة واسدلنا علينا ستار الكتابة غير المقروءة, اصبحت الكتابة مجرى صدى غير واضح المعالم لا يسمعه سوى الكاتب, ان غياب المقروء وفشل التواصل وزيف الحالة النقدية وتخلف النواحي الاعلامية المرئية منها تحديدا وفقدان الفعاليات الثقافية للجمهور الحقيقي كلها اوجدت ثقبا اسود جعل من الكاتب كائنا هلاميا غير مرحب به على الاغلب, المبدع ليس بريئا من كل ذلك هو ابتدع كل شيء وهدم كل شيء دفعة واحدة, الكثيرون استشعروا عمان مدينة محنطة, من بث الروح فيها اول مرة ومن اماتها في المرات اللاحقة, انا شاب وافتقد عمان التي عرفتها منذ عقد من الزمان, افتقد العلاقات الرفقة الروح الطيبة, صار "المسج" اقصى ما يمكننا الاعتذار به, اعرف ان اجابتي غير كافية لذلك ربما ما زال هناك متسع للكتابة.

* نعود الى السؤال الاول ماذا عن الرواية؟

- الان اخاف من الرواية خوفي من الغامض، منذ ازل وانا اعد لرواية طفحت بالموت قبل الولادة، الان انا اعيش في مأتم عام اقف في اول الصف، لكن لا احد قبلي ولا احد بعدي، كيف اكتب كل هذا الموت من اجل الحياة، اشعر انني مت كثيرا حتى شبعت، الان اكتب بشواهد القبور بالبخور وبالقراءات التي تلقن للراحلين، هي كتابة بطيئة متمهلة على غير ما اعتدت ربما هو تعاظم الاحساس بما يحدث من فوضى داخلية او تدافع يصعب لجمه بالكتابة المتعجلة, اكتب واخشى ان اقرأ ما اكتب, انا اخاف من كتابتي الحالية وهذا اعتراف لا اريد ان اكون انسانا اخر غير ما انا عليه،اخشى ان اكون شيئا اخر، الرواية قادمة، ليست ببعيدة لانني مللت موتي المتكرر بلا فائدة.

* لماذا يتأرجح المبدع بين الكتابة وغير الكتابة هل جريمة ان يقول بانه تقاعد او استقال استقالة نهائية؟

- الكاتب الحقيقي لا يملك خيارا والا لاختار حياة بعيدة عن كل هذا، استقالة المبدع هي موته المؤكد، الجسد هنا لا معنى له. ان سؤال الكتابة ناتج عن وعي الكاتب بحتمية التراب, لا يمكن لحقل مزروع بالالغام مهما طال عليه الانتظار الا وينفجر عند اول تلامس، الكاتب المتوقف كاتب ميت، كثير من الكتاب ماتوا احياء وهذا ليس عيبا ان كان ما اوجد تلك الكتابات لم يعد موجودا الان قد نصل الى محطات من المراجعات والتأمل وربما المحاسبة المرة لكن من اعتاد الكتابة لا يمكن ان يرضى بالسكينة والطمأنينة من رأى وجه كاتب ميت سيجده مكتئبا غير مطمئن حتى في موته تعذبه الاسئلة قبل الدخول الى منطقة الاستجواب, المطمئنون هم الذين اكتفوا ورضوا ولم يتعالقوا مع ليل طويل او ارق لا ينتهي.

* في كل ما تقول تستظهر مفردة القلق وكذلك العذاب ايضا، هل تعيش حالة ماسوشية ام ان الامر يعود الى التوتر الابداعي فقط؟

- قد اكون اعاني توترا احتجاجيا، اما اذا كنت اقاسي التوتر الابداعي فلك ان تقول ذلك ايضا، انا في كل الحالات احيا بشكل غير توافقي مع كل ما يناقض تكويني منذ طفولة غابرة؛ اقول اننا نكتب دائما من مرحلة غائرة في الطفولة وما يحدث حاليا هو نوع من النزع نحو موت عدمي، القلق هو نتاج طبيعي لوعي الكاتب، الاستكانة والقبول لا يمكن لها ان تولد نصا قادرا على العيش ولا كاتبا قادرا على التأثير، انا مأزوم ومأزوم جدا برؤيتي الاستباقية استشرف نهايات الاشياء قبل ان تبدأ، اعرف موتي واعرف كيف ستأول حياتي القادمة ليس غرورا ولكنه شقاء لا اعرف كيف ان اتخلص منه سمة ما شئت, لو كنت سوداويا لما كنت قادرا على البوح والتعري كما اشتهي.

* لماذا تصر على القلق كباعث للابداع الا ترى ان هناك اكثر من كاتب ابدع في ظل الحياة المانعة والاسترخاء وانتمت كتاباتهم الى قيم الجمال؟

- لا يعني ذلك انني اقف كسد ضد الحياة الناعمة والاسترخاء، وان الكتابة وقف على ذلك السرب الطويل من المتعبين. الحياة كما وصفتها والتي تكفل حرية لا حدود لها وقبولا يصل حد الاحتفاء بنصك الابداعي تستنهض مكامن اخرى لكتابة مختلفة تنتمي ربما الى اقليم الجمال او الى العدمية عندما تكون مفرغة من مكونات داخلية حقيقية, نحن افرازات مجتمعاتنا وهم كذلك, لا يمكن مقارنة الامور بهذه الطريقة لـ "رامبو" تفاصيل حياة ولـ "عمر بن ربيعة" تفاصيل حياة اخرى.

* دعنا نسأل ما هي تفاصيلك انت؟

 اليتم اولا، ثم التهميش ثانيا، اضف الى ذلك الاغتراب الجثماني والروحي الذي عشته لاكثر من ثلاثين عاما كل هذا يجعلني من الصف الاول في مدرسة القلق الوجودي الذي يعتري ويتلبس كل كتاباتي، هل املك تفاصيل غير هذه التفاصيل وهل الروائي او الانسان يستطيع ان ينزع القلق وكأنه جهاز قياس حرارة او جهاز لفحص السكر مثلا.

القلق ابن هذه الطقوس مجتمعة وانا ابن هذا القلق ولا استطيع ان اكون ابنا عاقا لهذا القلق

التعليق