بيت الشعر: منزل للسكن وقاعة محكمة للقضاء

تم نشره في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • بيت الشعر: منزل للسكن وقاعة محكمة للقضاء

فيصل القطامين

    الطفيلة – لم يقتصر دور بيت الشعر، فيما مضى من الزمن، على السكنى فيه فقط بل لقد كان عنوانا للعزة والإباء العربي، وشكل في كثير من الحالات قاعة محكمة للقضاء العشائري الذي ساد فترة طويلة وما يزال سائدا في غير مكان حتى الآن.

    وتغنى البدوي ببيت الشعر، حتى أنه فضله على القصور المشيدة الفخمة، معللا سبب ذلك بأن القصور وإن اتصفت بالرفاه والفخامة، إلا أنها لا توفر أجواء الحرية التي يعيشها قاطنو بيوت الشعر، ولعل أصدق مثال على ذلك هو ما ذهبت إليه ميسون بنت بحدل الكلبي إحدى زوجات معاوية بن ابي سفيان، فعندما تزوج منها معاوية استقدمها الى دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك، وكانت وقتها مدينة مزدهرة وأسكنها في أجمل قصوره إلا أنها عانت من اكتئاب وضيق وأنشدت:

لبيت تخفق الأرياح فيه     أحب الي من قصر منيف

وكلب ينبح الطراد حولي    أحب الي من قط أليف

فسمعها معاوية وأطلق سبيلها وعادت الى البادية حيث بيت الشعر والحرية لا حبس خلف أسوار عالية لقصر منيف.

    وقد عرف الآباء والأجداد بيت الشعر منذ القدم، وكان هو وسيلة السكنى الوحيدة للكثيرين، خصوصا سكان البادية، ورغم مكوناته البسيطة إلا أن استخداماته تتجاوز السكنى فيه لتتعداها الى كونه معقل الكرم والجاه والعز وعقد لواء الغزو وقرارات القبيلة الحاسمة ومحكمة العرب.

   وفي عرف البدوي فإن لبيت الشعر حرمات وقواعد لا يستطيع أي كان تجاوزها لأنها شكلت اعرافا ارتقت الى درجة الأنظمة الصارمة، فمثلا لا يجوز دخول البيت إلا من الأمام اي من مقدمة الشق، ولا يجوز القفز عن أحد حبال البيت التي تشده أو قطعها لأن ذلك جريمة في العرف البدوي يعاقب عليها الفاعل، والذي يدخل البيت من خلفه أو من تحت " الرواق" لايكون إلا سارقا أو مريدا للشر ويعاقب عقوبة صارمة إذا كان عارفا لقواعد الدخول الى البيت ويعفى من ذلك الحدث السفيه او الجاهل.

    وإذا استجار ذو حاجة أو ملهوف أو حتى قاتل ببيت الشعر فإن أهل البيت مطلوب مهنم إجارته مهما كانت فعلته، ويذكر عباس خلف القطامين قصة حول ذلك فيقول أن رجلا كان سائرا في الطريق فاعترضه رجل آخر وحاول قتله إلا انه استطاع قتل الرجل الذي اعترض طريقه وهرب الرجل خائفا من فعلته وصادف أن رأى مجموعة من بيوت الشعر فهرول نحوها ودخل على اكبر تلك البيوت طالبا الإجارة فأجاره صاحب البيت.

    وتتطلب الإجارة من المجير حماية المستجير، فقص له قصته وعرف صاحب البيت أن القتيل هو شقيقه وتحير الرجل فيما يفعل ولكنه لم يبد للقاتل أنه شقيق القتيل بل أكرمه وقدم له الطعام وبعد أن انتهى من تناوله أخبر المستجير بالحقيقة وتفاجأ القاتل وخاف أن يثأر منه إلا أنه وبعد أن عرف أن شقيقه هو المعتدي عندما حاول قتل الرجل الغريب عفا عنه.

    وبالنسبة لصناعة بيت الشعر فيقول عباس القطامين أنه يصنع من شعر الماعز كليا ويدخل الصوف بنسبة بسيطة جدا في صناعة لحمة النسيج، ويؤخذ شعر الماعز وتقوم النساء بغزله ويتكون منه الظهر والأروقة والرفة والأعمدة والحبال، وبالنسبة للشقة بضم الشين يكون عرض الواحدة منها 60- 70 سم بطول قد يصل الى 12 – 16 مترا ويتألف ظهر البيت أو السقف من 5- 7 قطع من الشقاق أو الشقق ليتراوح عرضه ما بين 3 – 5 أمتار أو قد يزيد الى 7 امتار أحيانا، وتخاط الشقق بعضها الى جانب بعض لتشكل ظهر البيت، وتقطع الشقق بالعرض قطعا من النسيج بعرض 15 – 20 سم لحمل البيت وتسمى " طرايق" ومفردها " طروقة"، وتستخدم لحمل البيت وزيادة قوته كي لا يتهدل، وهي بمثابة الجسور لتقوية جدران المنازل ويكون عددها حسب طول البيت إذ تتراوح ما بين 3 الى 8 طرايق.

    أما الغطاء الخلفي للبيت فيسمى الرواق ويتألف من قطعتين السفلى منها تسمى" بالرفة والقطعة العليا تسمى بالرواق ويتراوح عرضها ما بين 60 – 70 سم ويزين الرواق من وسطه خط نسيجي بعرض 15 سم باللون الأبيض الناصع ويصنع من القطن ويحبك من ضمن النسيج الكلي للرواق.

     وهنالك شقاق من أمام بيت الشعر يسمى بالساحة وتشبك جميع هذه القطع بظهر البيت من بدايات أطرافه بواسطة أعواد مستدقة الأطراف على شكل المسامير تسمى بـ"الخلة" ومفردها " خلال" وهو عود من شجر الرتم أو الطرفا يدبب أحد طرفيه ليعمل عمل المشبك أو المسمار لربط الشقق مع ظهر البيت, وتشد اطراف البيت بعدد من الحبال تربط في نهاياتها أوتاد خشبية او حديدية تعمل على تثبيته.

    ويقوم البيت على عدد من الأعمدة الخشبية المأخوذة من أشجار العرعر او الصفصاف تكون بطول يقترب من المترين ويزداد عددها طردا مع مساحة البيت ويكون ترتيب الاعمدة ثلاثيا بعرض البيت ويزداد عددها طولا حسب طول البيت، فيسمى البيت ذو التسعة اعمدة بـ"القطبة" بفتح القاف اي ان مساحة البيت تكون ثلاثة أعمدة في ثلاثة و"المدوبل" يكون ثلاثة اعمدة عرضا واربعة طولا ويزداد عدد الاعمدة حسب حجم البيت وبالنسبة لاسماء الاعمدة فإنها تحمل أسماء فيبدأ من احد اطرافها فيسمى العمود الاول من الامام بـ" المقدم" والعمود الأوسط "بالطنب" والثالث في الخلف يسمى بـ" الوخراني" والتي تليها من الاعمدة يسمى الاوسط منها بـ"الواسط" وهو في الجهة الامامية من البيت ويطلق عليها البدو اسم العامر وتكون كل ثلاثة اعمدة تحت "طروقة من الطرايق" وتوضع بين رؤوس الاعمدة والطرائق من الداخل ما يسمى بـ"الواوية" وهي خشبة مستطيلة بمساحة 15-20 سم مثقوبة بثقب غير نافذ من الوسط لتجنب اختراق الاعمدة للبيت وبالنسبة للواسط وهو العمود الاوسط لبيت الشعر يخرج من ذلك العمود فرع ليشكل مشجبا يعلق عليها صاحب البيت الحاجات الثمينة كالسيف او الشبرية او البندقية. ويربط كل طروقة حبلان من امام البيت وخلفه، أما جوانب البيت فتشد بثلاثة حبال من كل جانب.

    ويقسم بيت الشعر الى قسمين بواسطة قطعة من النسيج جميلة الشكل تسمى بالساحة، ويكون القسم الاكبر في العادة هو الشق، وهو مكان استقبال الضيوف وجلسات الرجال العادية، والقسم الثاني يسمى المحرم وسمي بذلك لحرمة الدخول اليه من غير افراد العائلة ويخصص للنساء والاطفال، ويكون في الرواق طولا كافيا بحيث يغلق مدخل البيت حين اشتداد الرياح والبرد ويرفع على ظهر البيت اثناء القيض واشتداد الحرارة.

   ويفرش الشق بكسر الشين بالفراش الوثير وتحفر جورة بالوسط تشعل فيها النيران وتصنع فيها القهوة العربية ويقدم القرى للضيوف في الشق ايضا، على انه في الغالب يكون بيت شيخ العشيرة هو الاكبر حجما وينصب في مكان ظاهر للعيان حتى يراه الضيوف، ولا يتوسط بيت الشعر بقية بيوت اهل العشيرة ويرفع احد حبال البيت على عمود اطول من سواه من الاعمدة ليكون إشارة على ان هذا البيت مكان لاستقبال الضيوف.

التعليق