الغيرة حالة طبيعية.. لكنها نار في الغالب

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2005. 09:00 صباحاً
  • الغيرة حالة طبيعية.. لكنها نار في الغالب

تغريد الرشق

    عمان - من أين تنبع غيرة الإنسان؟ يرجح علم الاجتماع ان يكون السبب الرئيسي للغيرة هو فقدان الثقة بالنفس أو رغبة جامحة في تملك الطرف الاخر، بخاصة اذا قام الشخص الغيور، لا شعوريا، بتعذيب شريكه بشكوك وافتراضات قد تكون مجرد تخيلات.

يعتبر علماء الاجتماع أن الغيرة تولد شعورا للانسان بأنه بلا قيمة، لأنها عبارة عن بحث لإثبات نقطة معينة، وهي ان شخصا آخر هو المفضل لدى من يحب او انه سيمتلكه. ولا يوجد خيار آخر للتخلص من هذا الشعور سوى بتقدير الذات والايمان بها. فإذا لم تحب نفسك، فإنك لن تؤمن ان يحبك أحد، وستعتقد دائما ان الشخص الاخر يحبك فقط من باب الحظ او بالخطأ، وسيكتشف خطأه لاحقا ويتركك. بينما عندما تؤمن بنفسك تدرك انه يحبك لذاتك، وتشعر انه هو الخاسر اذا احب احدا غيرك. وهنا ستتوقف عن ملاحقته ومحاولة حبسه حتى لا يفلت او يضيع منك، وبالتالي تكون قد تخلصت من الغيرة.

     والحل العلمي للتخلص من الغيرة بحسب متخصصين يكون بتطبيق هذا علينا تحويل أعيننا عن النظر إلى ما يملك الاخرون من صفات او جمال، واكتشاف بذور الغيرة بداخلنا والعمل على التحرر منها بتصفية النفس والاستفادة من التجارب السابقة، واستغلال طاقتنا في بناء ايماننا الشخصي والنفسي وعدم انتظار تقديم هذا الأمان لنا من الاخرين. وعندما يصل المرء إلى هذه القناعة، فإنه سيصبح محط الأنظار ومحور غيرة الآخر. وهنا يأتي دوره في مساعدة الآخر على تخطي ألم الغيرة لمعرفته بمدى الألم الذي تسببه.

      ترى ايناس موسى 26 عاما (ربة بيت) بأن الغيرة تتولد تلقائيا عند الاقتران برجل لعوب او ""بصّباص" حسب تعبيرها وتقول: "الرجل الذي لا يشعر أن زوجته الأجمل والأفضل يجعلها تلقائيا فريسة لأوهام قد لا تستند الى اية حقيقة. بعض الرجال يعطون المرأة شعورا بأن كل امرأة في العالم غريمة لها وتنافسها عليه" وتتابع بأن هذا الشعور معرض لاحتمالات الخطأ. فمن الممكن ان يكون هذا الرجل عاديا جدا، وليس "دون جوان", الا ان الشعور الذي يعطيه الرجل للمرأة بنقصها، وتفوق الأخريات عليها يضعها في موضع الباحثة دائما عن اثبات العكس او العدوانية تجاه اية سيدة جميلة.

      اما مصطفى محمود 38 عاما (مهندس) فيؤكد ان زوجته أحالت حياته الى جحيم بشكها وغيرتها اللامتناهية. يقول: "تحاول جاهدة ايجاد براهين لخيانتي"، ويضيف مستنكرا: "لم اخنها قط خلال فترة زواجنا الممتدة 8 سنوات، الا ان فكرة الخيانة لا تفارق خيالها".

      ويرجح مصطفى ان تكون هذه الشكوك وليدة لما تشاهده على التلفزيون او ما تسمعه من الجارات والأقارب. يقول: "هذه تجوز عليها زوجها، وهذه رماها زوجها وراح لواحدة ثانية، وهكذا". ولا ينكر مصطفى انه يهددها بهذا احيانا، لكنه سرعان ما يبرر موقفه بالقول: "من شدة الضغط اصبحت اهددها بالطلاق، لأن كل انسان له قدرة احتمال. اتمنى ان يكون بيتي هادئا وان تقابلني بوجه بشوش وان ترمي افكارها البالية وعديمة الفائدة جانبا". ويختم بتأكيده على انها لو فعلت هذا فإنها ستعطي حياتهما الزوجية شكلا اخر، وستعطيه فرصة اكبر للتعبير عن حبه ومشاعره لها.

      اما شريف ابراهيم (45 عاما، موظف) فتتخذ غيرة زوجته اشكالا اخرى. فهي تقوم بتفتيش جيوبه يوميا وامام عينيه ويزيد قائلا: "ليس هذا فقط، بل تشم ملابسي وتبحث في تلفوني عن كل رسالة قصيرة مرسلة او مستلمة". ويرى بعضهم ان الغيرة هي حب للذات اكثر مما هي "حب" بمعنى الحب المبني على العطاء والتفاني.

     لكن هل تعطينا هذه القصص شعورا بأن المرأة هي الجانب الذي يشعر بالغيرة؟

قصص أخرى تقول عكس ذلك. فالرجل قد يعاني هو الآخر من الغيرة، وحتى بشكل أشرس. تقول مها جلال (34 عاما): "زوجي غيور لدرجة لا تطاق. فهو يراقب مظهري وتصرفاتي ويراقبني وانا اضع المكياج كما يراقب طريقة كلامي مع الناس ويحاسبني حتى على الابتسامة"، وتضيف بأن اي جديد يطرأ على تصرفاتها او عاداتها يعد مؤشرا واضحا على الخيانة.

    ويدافع علي محمد 42 عاما (مدير مؤسسة خاصة) عن غيرة الرجل ويصفها بأنها طبيعية، ويقول: "لا اعتبر غيرة الرجل ضعفا او انانية على عكس ما يفسره الاخرون"، ويلقي باللوم على الحياة العصرية والتأثر بالثقافة الغربية التي جعلت الرجل الغيور متخلفا ويقول: "نرى الرجل يحاول الظهور بمظهر العقلاني المتحضر الذي لا يغار، الا ان هذه برأيي يمثل اعطاء المرأة ضوءا اخضر للتمادي في حريتها".

     اما ناديا محمد (30 عاما) فتعتقد ان الغيرة الناتجة عن الحب طبيعية وتقول: "ما دمت مخلصة لحبيبي، فإني أتوقع منه ذات الشيء. فمعنى عدم غيرته انه لا يحبني"، الا انها تؤكد رفضها للغيرة المرضبة، وتروي قصة لشخص تعرفه ادت غيرة زوجته غير الطبيعية الى طلاقهما وتقول: "كانت تغار عليه لدرجة انه ترك عمله وجلس بالبيت كي تشعر بالأمان وانه امام عينيها دائما بالرغم من انها هي موظفة"، وتتابع الا ان هذا لم يكفها، وانساقت في شكها الأعمى الى ان وصلا لمرحلة اللاعودة، وتضيف: "والنتيجة الوخيمة لهذا الطلاق سيدفع ثمنها ولداهما اللذان لا ذنب لهما سوى انهما ولدا لأبوين عانيا من داء الغيرة".

     يقول استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة د. حسين محادين إن الغيرة حالة طبيعية جدا، وان الناس يخلطون احيانا بين الرغبة في تعلمهم من الاخرين في موضوع ما بإطلاق تعبير الغيرة، ويضيف: "هناك آلية تقوم على نوع من التماهي مع الاخر، بمعنى ان تقوم علاقة بين هؤلاء الاثنين تكون شبه ميكانيكية بحيث يتأثر الشخص الذي يغار بسلوك المغار منه".

      ويحذر محادين من تجاوز المألوف في الغيرة وتحولها إلى نوع من الحسد او التحاسد وانتقالها لمستوى سلبي ويوضح قائلا: "تصبح هناك رغبة لدى الحاسد في زوال ما يتمتع به المحسود في حال عجزه عن الحصول عما يريد "، ويؤكد ان هذه الحالة تتحول لاحقا الى حالة مرضية يجب التعاطي معها على اساس طبي.

التعليق