عاصم بني هاني يلقي الضوء على ظاهرة الحداثة في الموروث النقدي

تم نشره في الخميس 30 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً

 راجعه: زياد العناني

   يعاين د. عاصم محمد امين بني هاني في كتابه "ملامح حداثية في التراث النقدي العربي" الصادر عن دار صفاء للنشر والتوزيع ظاهرة الحداثة في الموروث النقدي من مبدأ ان هذه الظاهرة لم تكن محور الدراسات النقدية، ولم تحظ بدراسة شاملة مستقلة، لافتا الى ان مجمل الدراسات قد انشغلت بمعالجة الكثير من القضايا النقدية.

وينطلق بني هاني من الحداثة كمصطلح ومفهوم مشيرا الى ان المتتبع لمصطلح الحداثة يجد انه نهبا لمفاهيم عدة تحمل وجهات نظر تحتكم الى رؤى متباينة، لافتا الى استخلاص مفهوم خاص للحداثة يتوجب الوقوف على الفاعلية الانسانية في جذور كل هذه الاتجاهات بالرجوع الى المنطلقات والمكونات الاساسية لاتجاهين رئيسيين، تزعمان محاولة الحداثة ويمكن لباقي المفهومات ان تتسرب فيهما وتنضوي تحت لوائهما.

ويتطرق بني هاني الى تحديد الاطار الزمني للحداثة من العام 1890 الى العام 1930، مبينا ان اوج الحداثة تمثل في السنوات الحاسمة التي سبقت الحرب العالمية الاولى مباشرة، حيث تمخضت عن حصاد ابداعي كبير في اوائل العشرينيات, كما يتطرق بني هاني الى تشكل الحداثة المستمر رغم ان الحداثة النقدية "شكل غير مستقر" حيث كانت المقاربة النقدية للنص في البداية تأتي من الخارج، اي انها تنطلق من خارج النص باتجاه الداخل، ثم غدا النص عملا مغلقا كما هو الحال عند مدرسة النقد الجديد - اي لا صلة له بالخارج اطلاقا - وذلك بفصله عن السياق، مما شكل عقبة امام دارس النص، وبعد ذلك تم تجاوز تلك النقطة في المدارس النقدية المستحدثة مثل مدرسة الشكلانيين الروس وغيرهم، اذ اصبحت تتم معاينة  النص من الداخل مما فتح المجال لقراءة النص قراءة اكثر دقة واقناعا.

ويشير بني هاني الى ان الاتجاه الثاني في الحداثة يقف على النقيض، رافضا ربط العصر بالراهن من الزمن من حيث انه الاطار المباشر الذي يحتضن حركة التغيير والتقدم او الانفصال عن الزمن القديم، فتكون الحداثة اختراقا للسلام مع النفس ومع العالم وحركة التغيير، وطرحا للاسئلة القلقة التي لا تطرح للحصول على اجابات نهائية بقدر ما يفتنها قلق التساؤل وحمى البحث، لافتا الى انها جرثمة الاكتناه الدائب والقلق المتوتر وحمى الانفتاح القائم على انقطاع معرفي، مصادره لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث في كتب ابن خلدون، او اللغة المؤسساتية، او الموروث الديني، وكون الله مركز الوجود، وكون الفن محاكاة للعالم الخارجي، فالحداثة انقطاع لكون مصادرها المعرفية تكمن في اللغة البكر والفكر العلماني، وكون الانسان مركز الوجود، وكون الداخل مصدر المعرفة اليقينية، وكون الفن خلقا لواقع جديد مغاير للواقع المتسق المطرد السائد غير المحكوم بفترة زمنية محددة لا يعني ان في امكان الانسان ان ينقطع تمام الانقطاع عن تراثه مهما حاول ذلك، لكون التراث حالة من اللاوعي يصدر عنها الانسان فهو لا يستطيع ان يفكر بغير لغته وانظمتها وتضاريسها، ولا بكينونة مغايرة لكينونته المتشكلة في ذاكرة الزمن، لكن لا بد له لكي يبقى فاعلا من ان يأنف الركود والتشكل بتشرب التراث وتجاوزه الى ابعاد جديدة، من خلال النقد الذاتي الابداعي ذلك بإعادة النظر باستمرار في معرفة الذات ومعرفة الاخر والطبيعة للسيطرة عليها، وتعميق هذه المعرفة وتحسينها باطراد.

ويزيد بني هاني بان الحداثة لا تقتصر على معارضة التراث بل تتجاوزه الى معارضة الثقافة البرجوازية ومعارضة الذات بوصف الذات شكلا مستقرا ذا سلطة "ان عليها ان تكافح دائما دون ان تنتصر، اذ ان انتصارها معناه ان تفقد سمة الحداثة التي هي صيرورة مستمرة متشكلة ابدا، وغير مستقرة على حال، وفي الوقت نفسه تسعى الى ارساء الثوابت القارة التي تحكم الانسان وتحكم تجربته. ومتى تم لها ذلك الثبات لم تعد حداثة ولكي تكون كذلك يجب ان تبعث مرة اخرى لتبقى حية ممتلئة بالحياة والفاعلية .

ومن هنا كان تجاوز القديم مطلبا ضروريا في صوغ اللحظة الحداثية ،مضافا اليه تفاعل روافد من تراث شعوب اخرى، مشيرا الى ان هذا ما نطقت به الحضارة العربية العباسية عندما تمازجت الثقافة الجاهلية مع الاسلامية تآلفيا ،مع ما تحصل من تراث الفرس واليونان والهند تفاعليا. لافتا الى ان الحداثة اختلاف في ائتلاف: اختلاف من اجل القدرة على التكيف وفقا للمتغيرات الحضارية ووفقا للتقدم وائتلاف من اجل التأصيل والمقاومة والخصوصية.

التعليق