"الأيزيدية.. حقائق وخفايا واساطير" مناقشة كتابة التاريخ بلغة المسيطر

تم نشره في الأحد 15 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً
  • "الأيزيدية.. حقائق وخفايا واساطير" مناقشة كتابة التاريخ بلغة المسيطر

 

         راجعه: زياد العناني

عمان- لم تشكل ديانة او مذهبا خلافا في الآراء وتناقضا في مواقف كتب عنها مثلما شكلت الايزيدية بحسب ما يقول الباحث زهير كاظم عبود في كتابه "الايزيدية - حقائق وخفايا واساطير" - الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر مؤخرا". ويرى عبود ان هذا التناقض في المواقف يعود الى سببين الاول: كون اكثر من كتب عنها قديما من غير الملمين بأحوالها ومعتقداتها ومن غير المتعايشين شخصيا مع الايزيدية او المطلع عن قرب على حقائق دينهم وطقوسهم وعقيدتهم وعلاقاتهم الاجتماعية واعتمادهم على المرويات من القصص والاستماع الى الناس الذين يتناقلون اساطير وحكايات عنهم من تأليفهم وعدم تمكنهم من الاتصال بالايزيدية بالنظر لسرية عقيدتهم وانغلاقهم على الاجانب وخوفهم نتيجة الحروب والمجازر التي مورست عليهم وخشيتهم من الغريب اضافة الى عدم وجود احد قد كتب من ابناء الايزيدية بالنظر لمنعهم من القراءة والكتابة في تلك العصور وتفشي الجهل والامية بين مجتمعاتهم لافتا الى انه لم تظهر لهم قديما مساهمات مباشرة في لمحات عن ديانتهم وتوضيح لأسس فلسفتهم.

   ويتطرق عبود الى تعاليم رجال الدين الايزيدية الصارمة والتي توصي بسرية العقيدة والتكتم عليها والاحتفاظ بها في الصدور وعدم جواز التحدث بها للاغراب من غير دين الايزيدية رغم ان التاريخ الايزيدي يحتوي خزينا ثريا من الحكايات والقصص والاساطير والشعر والتراتيل والصلوات والحكايات والحقائق المتراكمة عبر الزمن والتي لم يلجها احد ولم تلفت نظر الباحثين الذين توجهوا نحو العقيدة والمجتمع فقط. كما يتطرق عبود الى العديد من الحواجز التي اعاقت ليس فقط الحقيقة بل حتى قدرة الايزيدي على الرد والمواجهة الامر الذي خلق صعوبة ايصال صوت الايزيدي والتحدث بحرية عن حقيقة دينه. ويشير عبود الى ان بعض الكتابات المخالفة قد جاءت في ما كتبه الكاتب قسطنطين زريق وكتابه الذي احتوى على وقائع واحداث شخصية لا يقر الكثير منها الواقع ولا الايزيدية انفسهم مؤكدا انها تصب في مجرى الخلاف الشخصي الدائر بين عائلة الامارة. كما يشير عبود الى من تأثروا بصفحات التطاحن الديني والسياسي والطائفي والقومي التي صاحبت حياة الشعب الايزيدي في العراق لفترة طويلة نافيا المزاجات والاهواء البعيدة عن الحقيقة او سيئة القصد المسبق ومتسائلا: اي عقل يصدق كون الايزيدية يبيحون المحرمات من الافعال في الاماكن المقدسة? واي عقل يصدق كون الايزيدية دينا مبنيا على عبادة الشر وتقديسه? واي انسان يقبل ان يموت من اجل قيم الشر ويقاوم ويتعذب ويؤسس افكارا وعقائد وقيما روحية متغلغلة في عمق روحه يلتزم بها ويدعو اليها ويموت في سبيلها? واي عقل يصدق كون الايزيدي يرفض زنا زوجته مع الغريب ويقبلها مع الايزيدي او ان شيوخ الدين مباح لهم زوجات الايزيدية الغائبين عن قراهم. ويؤكد عبود على ان هذه التقولات تدلل على محاولة تشويه الصورة الحقيقية او محاولة الحط من مكانتهم وتعمد الاساءة وتشويه سمعة الديانة الايزيدية لافتا الى ان منبع هذه الصور ما ابتدعته العقول المريضة "كرواية ليلة الكفشة" المزعومة والمتداولة في مدينة الموصل وما حولها والتي تقول ان الايزيدية ينتهكون المحرمات ويبيحون المجون ويختلط الحرام والحلال في هذه "الليلة".

ويزيد عبود بان ظهور التجمعات الثقافية الحالية في العراق وصدور المجلات المتخصصة بالشأن الايزيدي قد اظهرت الطاقات والكفاءات العلمية والثقافية والاجتماعية الايزيدية.      ويستعرض عبود كيف اجبرت السلطات كتاب التاريخ ان يكتبوا وفق ما تريد لا وفق منهج الحقيقة وكيف عرفنا ان كتابة التاريخ تكتب بلغة القوي المسيطر لا بلغة الضعيف مشيرا الى اننا بأمس الحاجة الى تفهم وجهات النظر بعقلية المؤرخ المتجرد الباحث عن الحقيقة وان المسؤولية لا تقع على المؤرخ الذي كتب متأثرا بلغة السلطان او سيطرة الهيمنة القاسية المتسلطة لبعض العقول ولا على الايزيدية الذين تم اجبارهم وتكميم افواههم في خانة الامية وعدم ولوج ابواب المعرفة والثقافة مؤكدا ان المسؤولية تقع على عملية عدم التصدي لكتابة التاريخ بلغة المنهج والنقد والفحص والمداخلة العلمية التي تستبعد المحاور والمؤثرات في الكتابة التاريخية ووضع النقاط فوق الحروف وكتابة ما لم يكتب من الحقيقة.

   ويشير عبود الى الايزيدية في العراق الذين لم تبد عليهم فكرة التعصب القومي طيلة فترة وجودهم تحت حكم الدولة العثمانية المستبدة والجاهلة والمتعصبة رغم القسوة التي تحملها الشعب وانهار الدماء التي سالت فعاشوا في اجواء الرهبة والريبة وعدم الامان وعدم الاستقرار لافتا الى ان التسمية الاولى اي "اليزيدية" وهي الرائجة عنهم شعبيا بين اوساط الناس تتمحور في محاولة البعض نسبتهم ظلما او جهلا الى يزيد بن معاوية بن ابي سفيان الاموي والزعم كونهم يؤلهون يزيد واعتقادهم بإمامته وكونهم فرقة مسلمة انشقت عن الاسلام وانحرفت عنه فأصبحوا من المرتدين. كما يشير عبود الى يزيد بن معاوية الخليفة الثاني من الخلفاء الامويين وفترة ولايته التي قضاها في السلطة لافتا الى انها فترة ثورات وعصيان وتمرد حيث لم يذكر التاريخ ان اليزيد اسس ديانة او مذهبا او تفقه في الدين او تبحر او تمسك بشعائر الدين الاسلامي واسسه بل على العكس من ذلك فان ما يذكره التاريخ هو ابتعاده عن الكثير من اسس الدين الاسلامي ومخالفته لكثير من قواعده وارتكابه الكثير من المخالفات بالرغم من مركزه السياسي والديني كونه خليفة المسلمين واميرهم مؤكدا على ان مسألة بناء الاعتقاد على تسمية "اليزيدية" نسبة الى "يزيد" مسألة تفتقر الى الربط المنطقي والسياق التاريخي والبرهان غير المؤكد على التسمية مع ان فرقا اسلامية موجودة الى يومنا هذا تحترم الخليفة "يزيد بن معاوية" وتذكره بشيء من التوقير والتبجيل وترفض الحط من منزلته او لعنه وفرقا اخرى تحتفل بيوم العاشر من شهر محرم انسجاما مع قيام جيش يزيد بقتل الامام الحسين بن علي لافتا بالنتيجة الى ان الايزيديين لا يتوافقون مع سيرة يزيد بن معاوية واعطاء الاوامر بارتكاب جريمة قتل الحسين اضافة الى وجود الانسجام الديني والتعايش السلمي بين الايزيدية وبين باقي الاديان الامر الذي يدلل على عدم صحة التقولات التي تقول بالعداء الذي يكنه الايزيديون لباقي الاديان.

التعليق