ذاكرة المعنى: دراسة في المعاجم العربية المحافظة على اللغة واستبعاد ما لابسها من لحن وعجمه

تم نشره في الجمعة 22 نيسان / أبريل 2005. 09:00 صباحاً
  • ذاكرة المعنى: دراسة في المعاجم العربية المحافظة على اللغة واستبعاد ما لابسها من لحن وعجمه

      راجعه : زياد العناني


   يرى د. عيسى برهومة في كتابه "ذاكرة المعنى - دراسة في المعاجم العربية" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ان تراثنا العربي يزخر بالمؤلفات التي وضعت في شتى حقول المعرفة، معتبراً ان الدراسات اللغوية تحديداً قد حظيت بكم وافر من الرعاية، لافتاً الى ان سر منشأ العناية بعلوم اللغة يعود الى أن اللغة العربية عند اصحابها مبعث فخر وموضوع اعتزاز، لذا حرص العرب على الفصاحة والبلاغة وكأن اللغة تتنزل عند العربي على بعد لا زماني وتتخطى المكان، لأنها ترقى الى خمسة عشر قرناً، فلا خير ان تكون اللغة وجوداً مطلقاً لا يذعن لنواميس الظواهر الكونية.


   ويشير د. برهومة الى مرحلة ما بعد الاسلام ودخول فئات واعراق من غير العرب في الدين الجديد، وكيف ادى هذا الدخول الى ظهور اللحن الذي تفشى بين العرب خصوصا بعد ان تصاهروا مع الموالي، ففسدت سليقتهم ولانت السنتهم، مبيناً انه من هنا الحت الضرورة بجمع اللغة واعداد المصنفات التي تحفظ للغة ذاكرتها وتدفع عنها ما لابسها من لحن وعجمة.


كما ويلفت  د. برهومة الى ان الدراسات اللغوية عند العرب قد مهدت اساساً لخدمة القرآن الكريم، وتلمس معانيه واحكامه، والكشف عن اسراره الكامنة، لافتاً الى ان الكتب التي عنيت بتفسير القرآن والكشف عن غريبه تصدرت حركة التأليف، ثم تلتها كتب الحديث النبوي وبعدها تواترت الرسائل اللغوية القصيرة التي انتظمها موضوع مستغل او ضرب من العلوم.


   ويتطرق الباحث الى جهود النواة الاولى للمعاجم العربية وكيف تشكلت وظهرت معاجم متعددة تختلف في طريقة التناول وتتباين في طرائق المعالجة للمادة اللغوية.لافتا الى المشهد اللغوي عند العرب بدءًا من مرحلة التدوين مشيراً الى ان اللغة العربية لم تعرف التصنيف الا عندما بدأ العرب بوضع نتاجهم الفكري والعلمي في اواخر القرن السابع الميلادي موضحا انهم كانوا يعتمدون على السماع والرواية في نقل تراثهم ومعارضهم وبهاتين الطريقتين نقل الشعر الجاهلي، وبعض المعارف العربية قبل الاسلام مبيناً ان العرب اعتمدوا على الرواية الى ما بعد الاسلام بسبب الجهل والامية اللذين كانا يغمران الجزيرة العربية. ويستعرض د. برهومة مرحلة ما بعد الاسلام واستقرار دولة المسلمين في المدينة وكيف امست الحاجة الى الكتابة في بعض امور الدولة الوليدة ضرورية مثل الاحلاف والمعاهدات كالمعاهدة التي امر الرسول بكتابتها عقب هجرته الى المدينة لتنظيم العلاقات بين المهاجرين والانصار والى جانب المعاهدات نجد الرسائل التي بعث بها الى القبائل سواء لعقد حلف معهم ضد قريش او لدعوتهم الى الاسلام او في بعض امور العقيدة هذا عدا كتب الامان وكتب تقسيم الغنائم وغيرها.


   ويستعرض د. برهومة تمثل الكتابة في المراحل الاولى مع بروز جماعة من صحابة الرسول الذين امرهم بكتابة كل ما نزل من القرآن ومنهم : علي بن ابي طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابي بن كعب مؤكدا على ان الكتابة والتدوين قد اخذا مكانة عليا في خلافة ابي بكر الصديق حيث قام بجمع القرآن عندما نصحه عمر بن الخطاب بذلك نظراً لاستشهاد عدد كبير من حفظة القرآن في وقعة اليمامة فامر ابو بكر زيد بن ثابت ان يتولى عملية جمع القرآن فجمع القرآن في صحف احتفظ بها ابو بكر لديه الي ان وافاه الاجل ثم احتفظ بها عمر بن الخطاب الى ان توفي وبقيت بعد ذلك عند ابنته حفصة زوج الرسول الى ان قام عثمان بن عفان بالجمع الثاني للقرآن ثم تلا ذلك تدوين الحديث الشريف .


   اما مراحل التأليف المعجمي فيرى د. برهومة انها تمثلت في المرحلة الاولى في جمع مفردات اللغة، فيما تمثلت المرحلة الثانية بتدوين الالفاظ مرتبة في كتيبات ورسائل متفرقة صغيرة محدودة الموضوع كان بعضها مصدراً من مصادر بناء المعجم العربي.مشيرا الى ان المرحلة الثالثة - تمثلت في ظهور اول معجم للغة العربية بالمعنى العلمي وهو اننا وجدنا انفسنا امام معجم يشمل كل الكلمات العربية مرتبة وفق منهج معين ونعني به معجم العين للخليل بن احمد الفراهيدي الذي يعد بحق الثمرة الاولى المتكاملة للنشاط المعجمي عند العرب؛ اذ أن كل ما عرف قبل هذا المعجم من مصنفات، او كتيبات او رسائل متخصصة في ناحية لغوية معينة ككتب الغريب ولغات القرآن وغريب الحديث وكتب خلق الانسان وغيرها من الرسائل اللغوية كانت مادة اساسية لبناء المعاجم مشيراً الى ان هذا ما يؤكد الريادة للخليل في فن صناعة المعجم.


   ويعرض د. برهومة في هذا الكتاب لأهم المعاجم العربية التي صنفها العلماء فبسطت القول في منهجها ومميزاتها وطريقة الكشف عن المواد اللغوية وذلك وفقاً لمناهج معجمية ناظمة توزعت على اربعة مناهج هي: المنهج المعجمي الصوتي وفي مقدمتها كتاب العين والمنهج المعجمي الاصولي او ما تسميه بعض الكتب "الالفبائية" التدويرية .  وينهج د. برهومة في تناول المعجم بالتعريف بالمؤلف واهم مصنفاته وملامح من جهوده العلمية ثم التعريف بالمعجم والالماح الى مميزاته والمنهج الذي انتظمه شافعاً البعد النظري بتطبيق من المعجم المعقود له القول بانه مثل بمادتي "ثقف" و"علم" في التحليل الدلالالي وذلك لتظهير المشهد اللغوي في هذه المعاجم.

التعليق