ذوي الاحتياجات الخاصة.. جهود ذاتية

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً
  • ذوي الاحتياجات الخاصة.. جهود ذاتية

نسرين منصور


عمان - فيما يحظى الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة في معظم مراكز التأهيل الموزعة على مناطق مختلفة من المملكة بمساحات كافية للجلوس واللعب والتحرك بحرية، لا يستطيع الطفل يزن أن يتحرك مسافة سنتيمترا واحدا عن مقعده، لأن زميله يشاركه في الكرسي والطاولة والمدرس.


     في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار طولا ومثلها عرضا، يتجمع أكثر من عشرين طفلاً تكاد تلتحم أجسادهم مع بعضها البعض لضيق المكان. بعضهم يعاني من الحركات اللاارادية، وآخرون أخذت منهم الطبيعة القدرة على السمع والتكلم، ولا يفصل بينهم في هذه المساحة الضيقة سوى حاجز خشبي لكنه يعجز عن عزل الضجيج.


     هذا المكان ليس خيالاً كما يتصور البعض، بل هو واقع في قلب مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في جنوب عمان أطلق عليه اسم "مركز التأهيل المجتمعي لذوي الاحتياجات الخاصة".


      ونتيجة للظروف الصعبة التي عاشها أهل المخيم والمتمثلة بأدنى المستويات الصحية والتعليمية والاجتماعية، فقد لوحظ وجود عدد من المشاكل الصحية هناك، وخصوصاً لذوي الاحتياجات الخاصة، وغياب من يعمل على رعاية هذه الفئة.

ونظراً لارتفاع تكاليف المركز الخاصة، فقد تطوعت لجنة صحية أخذت على عاتقها العمل لهذه الفئة المحرومة من الخدمات.


وبناءً عليه، تأسس المركز في العام 1996 بتعاون المجتمع المحلي ودائرة الاغاثة والخدمات الاجتماعية، وكان المركز في بداياته يعمل ضمن امكانيات قليلة جداً.

فكل ما كان يضمه ثلاثة "بركسات". وبجهود دورية ومتواصلة استمر العمل والنضوج، إلى أن أصبح المركز اليوم يقدم كافة الخدمات التأهيلية لجميع الحالات المحتاجة ومن دون تمييز. فهو يخدم مخيم الوحدات والمناطق المجاورة مثل الأشرفية، النظيف، القويسمة، خريبة السوق، أبو علندا ولغاية منطقة سحاب شرقاً.


     ويشرف على المركز لجنة محلية مكونة من متطوعين يقطنون المنطقة نفسها أو محيطها القريب. وتقوم اللجنة بالاشراف المباشر على المركز والمشاركة في أعماله المتعلقة بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة مع كافة أطراف عملية التأهيل.


     وتقول رئيسة اللجنة المحلية للمركز أزهار صالح: "تأسس المركز بجهود ذاتية من أبناء المخيم. ونظراً لكون المخيمات تتبع ادارياً لوكالة الغوث الدولية، فقد تم اللجوء إليها لانشائه. وبمساعدة المجتمع المحلي تم تدريب 54 متطوعا ومتطوعة ليكونوا مؤهلين للعمل مع جميع الحالات"، مضيفة أن "المركز تطوعي وكل من يعمل به لا يتقاضى أجر عمله، بل يكتفي بمجرد مكافأة لا تتعدى الخمسة وعشرين ديناراً شهرياً، هي بدل مواصلات فقط".


    ويتواجد في المركز شباب وشابات يعملون على تقديم الرعاية اللازمة واعادة التأهيل، معظمهم متطوعون ومتدربون من الجامعة الأردنية، منهم المتخصص في التربية الخاصة وآخرون متخصصون إما في العلاج الوظيفي أو الطبيعي.


     ابتسام صبحي واحدة من المتطوعات في المركز وهي مسؤولة عن رعاية صف الصم الذي يفترض أن يكون صفا مستقلا لوحده، وهي لا تتقاضى أجراً مقابل عملها، وليس هذا ما يزعجها، وإنما ضيق المكان والضجيج وتشتت الطلاب بسبب ذلك. الا أن ضيق المكان لم يمنع ابتسام أو غيرها من ممارسة العمل التطوعي ايماناً منها بخدمة الناس.


    صف الصم ليس الصف الوحيد الذي لا ينعم بالهدوء والتركيز، بل هناك غرف أخرى صغيرة تخلو من التدفئة شتاء  وتضم عددا كبيرا من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من فئة الاعاقة الشديدة، والمتوسطة، والبسيطة. 


لكن الحجم صغير


     وفي هذا الجانب تشير مديرة المركز رحاب العموري إلى أن المركز حاول استقبال أكبر عدد من الأطفال الذين هم بحاجة إلى رعاية وإعادة تأهيل، ولكنها تبين أن "حجم المركز صغير ولا يجوز تربوياً وضع أكثر من سبعة إلى عشرة أطفال في الغرفة الواحدة، لأن كل طفل يحتاج إلى وجود متدربة معه".


     وتؤكد العموري على وجود أكثر من 250 حالة انتظار بشكل عام للالتحاق بالمركز ومنهم أربعون حالة يعانون من الاعاقة الشديدة.وتوضح العموري أن كل فئة من الفئات تختلف عن غيرها من حيث البرامج اليومية والمهارات الأكاديمية. كما أن هنالك عددا من الأطفال في حاجة إلى عناية خاصة بسبب الحركات اللاارادية التي يقومون بها.


     فمثلاً يتعلم الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة فئة الاعاقة العقلية الشديدة والذين تتراوح أعمارهم من 9-14 عاماً المهارات البسيطة والعناية الذاتية، نظراً لانخفاض نسبة ذكائهم.


    بينما فئة الاعاقة العقلية البسيطة يتعلمون الأحرف والأرقام، اضافة إلى المهارات الحسية والتفريق بين الملمس الخشن والناعم والمهارات الادراكية.


      وعن الخدمات التي تقدم داخل المركز بحسب البرنامج المحدد، تقول رئيسة اللجنة المحلية للمركز أزهار صالح إنه "يتوفر في المركز خدمات للعلاج الطبيعي وآخر للعلاج الوظيفي، كما يلجاً الأطفال الذين يعانون من صعوبة التعلم في بعض المواد كالرياضيات والقراءة للقدوم إلى المركز لمساعدتهم"، لافتة إلى أن "هناك اختصاصية من المؤسسة السويدية للاغاثة الفردية تقيّم الحالات الموجودة في المركز وتقدم للمتطوعين فكرة عن طبيعة العلاج والتمارين التي يفترض أن يتلقاها الشخص".


    والمؤسسة السويدية للاغاثة الفردية واحدة من المؤسسات التي قدمت تبرعات لبناء المركز، كما أن دائرة الشؤون الفلسطينية تتبرع بمبالغ سنوية، ولكنها لا تغطي سوى جزء بسيط من نفقات المركز.


أين الدعم؟


     ولما يأتي الحديث صوب التبرعات يكون التساؤل سيد الموقف. تقول أزهار: "لجأنا إلى الجمعيات الخيرية والمؤسسات لجمع التبرعات لبناء طابق ثان للمركز وتوسعته، ولكننا لم نتلق دعما سوى من هيئة آل مكتوم الخيرية"، لافتة إلى أن "المركز لم يتلق أي دعم من جهات رسمية".


    أما بالنسبة لوكالة الغوث التي تعمل "كمظلة رسمية" للمركز، فهي لا تقدم سوى دعم بسيط، وتأمل أزهار أن تزيد الجهات الداعمة من قيمة المبالغ أسوة بمراكز ذوي الاحتياجات الخاصة الأخرى.وتزيد أزهار: "لقد قمنا بمخاطبة أمانة عمان الكبرى التي وعدتنا بالتبرع بقطعة أرض لبناء مركز للمعاقين وتوسعته ليستوعب أكبر عدد من أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ويقدم لهم الخدمات والرعاية اللازمة، ولكن إلى الآن لم يحدث شيء".


     ومن المشاكل التي تطرقت إليها صالح في حديثها أمور من قبيل عدم دمج الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة التابعين لمركزهم في مدارس الطلبة العاديين من خلال قسم التعليم الالزامي التابع للمركز في مدارس وكالة الغوث كباقي الطلاب الذين يتم دمجهم، مستنكرة أنه لا يوجد قرار لدمج الطلاب التابعين لمركزهم في الوحدات، وهي دائرة تعليم واحدة في وكالة الغوث، حيث فوجئت أن طلابهم غير معترف بهم ضمن مدارس جنوب عمان.


    يذكر أن هذا المركز يهدف إلى إحداث تغيير في الواقع الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة من خلال تعزيز قدراتهم واستقلاليتهم وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص باستخدام المصادر المجتمعية وتفعيلها، واحداث تغيير في النظرة الاجتماعية لهم للوصول إلى مبدأ الدمج الاجتماعي الشامل لذوي الاحتياجات الخاصة في إطار المجتمع.


    ربما لا تستطيع أن تنهي الجولة. فالمكان ضيق ومليء بهؤلاء الطلاب الذين وضعهم القدر هنا. لكن أكثر ما يخطر في البال أن هذا المركز، وعلى الرغم من قلة الامكانيات وسوء الظروف التي تحيط به، الا إنه مستمر في تقديم الخدمات مجاناً. فالقائمون والعاملون هناك يتحلون بقوة التصميم والاصرار على خدمة هذه الفئة من الناس ودمجها في المجتمع، من أجل الخدمة ونشر البسمة على الشفاه. مجاناً وبلا مقابل. المهم أن تكون النتيجة إيجابية، حتى لو كانت الإمكانيات شبه معدومة.


     لكن ألا يحتاج هذا المركز إلى قليل من التمعن والالتفات إليه؟ وإلى قليل من الاهتمام والدعم، على الأقل لمساواته مع مراكز خدمية أخرى؟


تصوير: ساهر قدارة

 

التعليق