الإدمان على "الشدة": عندما نضيع بين الكبة والسنك والديناري والبستوني

تم نشره في الأربعاء 13 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً
  • الإدمان على "الشدة": عندما نضيع بين الكبة والسنك والديناري والبستوني

    عمان - ..."بدونها لا معنى لحياتي"، وهي "أعز من أولادي". هكذا ترجم الوكيل المتقاعد بدوان محمد علوة شعوره تجاه ما يعرف بلعب الورق، أي "الشدة" التي بدأ ممارستها سنة 1958، ولم يتركها منذ ذلك اليوم.. ولو ليوم واحد.

لكن هذا ليس غريبا، فأمثال بدوان كثر، وليسوا متواجدين في الأردن فقط.


    فالقصص التي نسمعها عن لاعبي الشدة "المحترفين" تبدو أقرب إلى الخيال. فنسمع عن رجل خمسيني أجرى عملية جراحية لقلبه، وحين قيض له الخروج اختار أن يذهب إلى القهوة قبل أخذ ما يتوجب من راحة في بيته.

 ونسمع عن آخر وجد في زفاف ابنه فرصة لالتقاط الأنفاس والبعد عن المعازيم!


    وتروي صحيفة "الرأي العام" الكويتية أسوأ قصة قد تحصل مع مغرمي لعب الورق، حيث تتحدث عن شاب تزوج عروسه واصطحبها لفندق لم يلبث ثلاثة من اصدقائه إلا أن أقاموا عنده في نفس الغرفة التي تم اختيارها لقضاء شهر العسل. لكن لعب الورق أو ما يسمى "الجنجفة" هناك، طال حتى انقضى اليوم الأول الذي غطّ فيه العريس في نوم عميق قبل أن يتكرر ذلك المشهد ويمتد ثلاثة أيام أخرى كانت فيها العروس مجرد "مانيكان" لم ينتبه العريس لوجودها حتى انفجرت من الغيظ، وطارت الى منزل أمها لتروي لها ما حصل.. فكان الطلاق الذي لا رجعة عنه!.


    لكن انتشار هذه اللعبة في بلداننا الشرقية، ومناسبتها لنمط حياتنا الذي لا يأخذ الوقت فيها مأخذ الجد لا يعني أن اللعبة نشأت عندنا. ففي الغالب أن لعبة الشدة نشأت في فرنسا، على اعتبار أن من رسمها هو الرسّام العالمي "جاك جرنجونير" عام 1392، لكن مصادر أخرى تقول أنها إيطالية، لأن هذه اللعبة ظهرت في إيطاليا عام 1200م بحسب الموسوعة العالمية.


    على أن هذا لا يعني أن منشأ اللعبة هو أوروبا بالتحديد، لأن مصادر أخرى تعتبر أن لعبة الشدة هندية لمماثلتها رموز الخاتم والسيف والكأس الواضحة على أيدي تماثيل ونصب الهندوس، بحسب الموسوعة البريطانية. لكن كما كل الأشياء التي انتشرت قبل مئات السنين، وتعود أصولها إلى حضارات كثيرة، فإن لعبة الشدة تعاد أيضا إلى أصول صينية، كما هو مثبت في الموسوعتين البريطانية القديمة والجديدة.


نريد دوري! ما علينا! فاللعب قد بدأ


     يقترح محمد محمود حسن، الأربعيني الذي يمارس اللعبة منذ أكثر من 25 عاما، أن يكون هناك بطولة دوري لهذه اللعبة، ويتمنى أن يكون لها اتحاد رياضي على غرار إتحادات ألعاب أخرى كالشطرنج والبلياردو.


    ويشاطره في هذا الرأي الشاب مجدي الرفاعي الذي يقضي العديد من الساعات يوميا بهدف إضاعة الوقت، بعدما أنهى الثانوية العامة قبل سبع سنوات ولم يتمكن من إيجاد عمل يلبي طموحه غير المصانع التي تعرض عليه مبالغ مالية لا تتعدى في أحسن الأحوال مائة دينار لا تلبي مصاريف الدخان ولا الأكل والشرب.

وبالتالي فهو يفضل أخذ دينارين أو أكثر من والده ليلتقي أصدقاءه الذين يشاركونه نفس النظرة للحياة!


    ويفضل الموظف ماهر السعود اللعب في المقهى بدلا من اللعب في المنزل الذي يفي بحقوقه وحقوق عائلته قبل أن يزور المقهى للترفيه عن نفسه لساعات بلعب "الهَند" أو "التريكس" التي تحتاج الى عقل مفكر، كما تحتاج لوقت طويل أكثر من غيرها من ألعاب الشدة.

لكن هذا "الإدمان" الذي أصاب ماهر ليس شرا كاملا.

 فهو يؤكد دوما أنه يلعب للتسلية ولا يشترك في رهانات قد تغلب فيها روح العصبية والتحدي، فتنقلب الأمور الى ما لا تحمد عقباه عند "قليلي العقل".


    المقهى إذا هو المكان المفضل للعب. فالمقهى الذي يديره عبد الرحمن عبود (51 عاما) الواقع مقابل مجمع رغدان الجديد يظل فاتحا أبوابه على مدار اليوم، والزبائن فيه بازدياد. أما عبود الذي لا يلعب الشدة يقول إن الوقت المفضل ليلعب زباؤنه الشدة هو المساء، ففي الصباح يكتفي الزبائن بشرب الأرجيلة أكثر.


    عدد الأوراق الاثنين والخمسين يماثل عدد أسابيع السنة. أما اليوم الذي يزيد (لأن في السنة 52 أسبوعا ويوم) فخصص له "الجوكر" غير الملون. وهذا يعني أن لكل شيء في الشدة معنى. ومن هنا، ترمز صور "الولد" و"الشايب" إلى الملكين  تشارلز السابع والسادس على التوالي ويقال ان "البنت" ترمز لماري دانغو زوجة تشارلز، أو المحاربة الفرنسية الشهيرة جان دارك التي قتلت حرقاً عام 1431م.


   أما الأرقام فاختير لها اللون الأحمر في شكل "الكبة" التي ترمز للحب والأمل عند الهندوس والبوذيين و"الديناري" الذي يرمز للطاقة والشجاعة، أما اللون الأسود فيمثله "السنك" الذي يرمز لثلاثية الثروة والعمل والحظ و"البستوني" الذي يرمز للقتال والشجاعة عند اليونانيين.


    طبعا هذه المعلومات لا تهم كثيرين من محبي اللعبة. فابو نبيل وابو مصطفى يقضيان ساعات طويلة في اللعب يوميا مع اصدقاء من افراد جيلهم (السبعيني والثمانيني) طمعا في متعة التحدي البريء وقتل الوقت بعيدا عن اعباء المنزل ومتطلباته. وهما كغيرهما من المسنين يحفلون بصداقات متعددة خلقاها من خفة دمهما وطيب معشرهما. وبمرور الوقت تعلّما ألعابا يجيدها الشباب كـ "التريكس" و"الهَند" وغيرهما من ألعاب أضيفت للعبة الأصلية التي بدآها، وهي "الباصرة"، ما غيرها.


    ويفضل كثير من أصحاب المراتب والمهن والدراسات العليا التلهّي بالوقت في لعب الورق لغياب أماكن الترفيه والتسلية في البلاد، ربما للالتقاء بالأصدقاء بعيدا عن واجبات الضيافة المنزلية التي ترهق الزوجات العاملات اللواتي بات كثير منهن يفضل اللعب أيضا مع شرب الأرجيلة خصوصا في مقاهي عمان الغربية التي يرتادها ضيوف عرب، حيث تتحول اللعبة إلى دوري عربي تتغير فيه الأسماء.


     فاللعبة عند السعوديين والقطريين تسمى "الورقة" فيما يفضل أهل بعض دول الخليج والكويت تسميتها بـ "الجنجفة" التي يسميها أهل مصر والسودان "الكوتشينة" وأهل المغرب والجزائر بـ "كارطة"، وأهل الهند والباكستان بـ "طاش". فيما ينادونها اليمنيون "بطة".


رأفت سارة

(تصوير: صلاح ملكاوي)

 

 

التعليق