أحمد صالح: أتمنى أن تكون تجربتي امتدادا لتجارب السبعينات الجادة

تم نشره في الثلاثاء 5 نيسان / أبريل 2005. 09:00 صباحاً
  • أحمد صالح: أتمنى أن تكون تجربتي امتدادا لتجارب السبعينات الجادة

حين ينمو شجر الغُناء في حواري القاهرة



 القاهرة- قليلون أولئك الذين يسبحون ضد التيار، ويقبضون على جمر فكرة أن لهم دوراً تنويرياً يمكنهم بالصبر والجهد أن يقدموه بطريقة مبتكرة وجادة، في زمن السموات المفتوحة على كثير مما يُغيِّب ويُلهي، ولا يساهم سوى في إعلاء الغرائز والتفاهة. من هؤلاء الفنان الشاب أحمد صالح.. يعشق الغناء الذي يُثري الوجدان لحناً وكلمات، جاهد ومازال يجاهد لتقديم فنه، ينزل للناس أينما وجدوا، لم يجد حتى الآن -رغم سنوات عمره الفني التي تبلغ 12 عاما- منتجا فنياً لديه جرأة تقديم أعمال جادة، فراح ينفق على فنه ليواصل تقديمه لجمهور يتفاعل معه، بعيدا عما يدعيه بعض المنتجين من أن "الجمهور عايز كده" تبريراً لتقديم فن متواضع المستوى والذوق.


     كانت آخر حفلات فرقته "براويز" في نقابة الصحفيين والتي نظمها المركز القومي للمسرح. وعلى هامشها التقينا معه.


كيف بدأت علاقتك بالغناء؟


** أولاً والدي من النوبة ووالدتي من مدينة طنطا (وسط دلتا مصر)، وعشت طفولتي في حواري حي المطرية بالقاهرة، ومنذ صغري وأنا أحب غناء أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي، وسمعت (غُنا )الناس الغلابة في الموالد وحلقات الذكر، وكنت بيني وبين نفسي أغني لكل هؤلاء، وفي مدرسة المطرية الحديثة كنت أغني في طابور الصباح، ولكنني عندما كنت أغني في البيت كان والدي يرفض غنائي تماماً، بل إنه كان يقول لي إن "الغنا حرام، والمُغني مابيعملش حاجة لها قيمة في المجتمع، وإنه بيسلي الناس بس".


   لكنني لم أكف بيني وبين نفسي عن تذوق الغناء، وكبرت واستمعت لفيروز وصباح فخري ومارسيل خليفة، وفي فترة المراهقة لم أحب بنتا، بل أحببت الغناء الذي كان بالنسبة لي هو البنت الجميلة التي أحبها وأحلم بها يومياً، وبعد الثانوية حاولت دخول معهد الموسيقى العربية أو أي كلية أدرس فيها الموسيقى، ولكن بالطبع قُوبلت بعاصفة من الرفض إذ كيف أتنازل عن مجموعي الكبير لأدخل كلية أخرج منها مجرد (مغنواتي)! ودخلت كلية الهندسة نزولاً على رغبة الأسرة.


وكيف تعاملت مع الغناء وأنت تدرس في كلية علمية تتطلب جهدا والتزاما؟


**الحقيقة أنني عانيت صراعاً كبيراً بين الفنان والمهندس بداخلي، كنت أذاكر بالدرجة التي تمكنني من النجاح فقط دونما حب للدراسة، وكنت أقضي وقتي في الجامعة مع أصدقائي الطلبة من كليات التجارة والآداب بجامعة عين شمس أغني لهم، وكنت أذهب إلى جامعتي حلوان والقاهرة للغناء، وتخرجت عام 1991 في كلية الهندسة قسم إنشاءات، وبعد إنهاء الخدمة العسكرية عام 1993 درست في معهد الموسيقى العربية -دراسات حرة- قسم أصوات، وتعلمت العزف على آلة العود بعد أن أعطيت الأسرة ما تريد، وأحببت أن أعيش كما أريد أنا.


 كيف تطورت علاقتك بالغناء بعد ذلك؟ وكيف استطعت الوقوف على قدميك في ظل هذه الظروف؟


** في هذه الفترة أثناء دراستي للموسيقى تعرفت على العديد من الفنانين مثل فاروق الشرنوبي، وعبد العظيم عويضة وأحمد منيب، ومحمد منير، وأحمد الحجار، وفتحي سلامة الذين شجعوني على الاستمرار.


   وقابلت عددا من منتجي الكاسيت الذين كانوا كل همهم هو العائد المادي لا الفن الجيد أو الجديد، ولم أستطع أن أقدم لهم ما يرونه مناسباً ليدر عليهم عائدا مُربحا، لذا اتخذت عدة قرارات، وقمت بتنفيذها وكانت أولاً العمل كمهندس مدني لأستطيع العيش دون الاعتماد على أحد، وحملت عودي وغنائي إلى الناس فهم مَنْ أغني لهم، وشاركت في احتفالات قصور الثقافة وبعض احتفالات الأحزاب والمؤتمرات الأدبية ومعرض الكتاب الذي أشارك فيه بشكل منتظم منذ عام 1993.


 ولكن كل هذه الاحتفاليات لا تمنح عائداً مادياً، فكيف استطعت المواصلة؟


** هذا صحيح، ولكنني أيضاً عملت في مجال التلحين للأطفال مع بعض الشركات العربية والمصرية التي تتيح مساحة من الحرية في الإبداع وكذلك الاستمرارية، ووصل إجمالي ما أنتج من ألحان حوالي 250 أغنية للطفل تم طرحها في السوق المصري والعربي، وقد شاركت هذه الألحان في حصول عدد من هذه الإصدارات على جائزة مهرجان "جايتس" للبرمجيات.


 هذا في مجال التلحين، ولكن ماذا عن الغناء الذي كان عشقك؟


** الغناء أمام الجمهور والتواصل المباشر معهم كان حلمي دائماً، فقررت في عام 2002 التفرغ تماماً لتقديم ألحاني كغناء مباشر مع الجمهور، وبالفعل بدأت الغناء في احتفاليات" ليالي المحروسة "ومعرض الكتاب و"محكي القلعة" وبدأت تجربتي مع الشاعر أحمد توفيق حيث يلقي أحمد شعره على موسيقاي وغنائي، وجُبنا محافظات مصر نعرض تلك التجربة التي تم تصويرها تليفزيونياً وعرضت على شاشة التليفزيون ما لا يقل عن 20 مرة، وكانت تجربة ناجحة .


 أنت تغني كلمات متميزة جداً فمن هم الشعراء الذين تتعامل معهم؟


** أتعامل مع عدد كبير من الشعراء منهم أحمد فؤاد نجم، وعمر نجم، ومحمد عبد المعطي، وأحمد توفيق، وعلي أبو سالم، وصادق شرشر، وسهير متولي، وحسين جعفر، وإسلام عبد المعطي، ومسعود شومان وغيرهم، بالإضافة إلى كتابتي لعدد كبير من الأغاني.


 كيف شكلت فرقتك "براويز" ولماذا؟


** فكرت أن لدي كما هائلا من الأغاني وأن وجود فرقة خاصة بي هو الحل الذي سيمكنني من الاستمرار في العطاء، دون الحاجة إلى وقوف المتسول على أبواب المنتجين، فقمت بتكوين الفرقة وكان أول عرض لي مع "براويز" وهي فرقة شرقية ـ نوبية على مسرح ساقية الصاوي في أول مايو من العام الماضي.


 لماذا تقول شرقية ـ نوبية؟


** لأنها تقدم موسيقى في المنطقة الوسط بين الشرقي والنوبي، تعتمد على الآلات الوترية كالكمنجات والعود وكذلك الناي بالإضافة إلى الإيقاعات الشرقية كالطبلة والدف.


ما المعوقات التي تقابلها في مسيرتك الفنية؟


** الأماكن المُتاح العرض بها قليلة، وهناك أماكن يجب أن يكون جمهورها كبيرا حتى يستمر العرض، لأنها أماكن يجب أن يكون لها مردود مادي مثل" ساقية الصاوي" و"الأوبرا "أيضاً، باستثناء المهرجانات التي تقيمها وهي ليست كثيرة، حيث تقيم مهرجانين فقط مهرجان الصيف ويشمل العرض في مهرجان القلعة والمسرح المكشوف والمسرح الروماني، وعروض رمضان.


     أما المراكز الثقافية فهي غير منتظمة في إقامة الحفلات، فلا يمكن الاعتماد عليها، كما أنها تعتمد على العلاقات الشخصية مع القائمين على تنظيمها، وبعض الأماكن مثل "الجزويت" و"التاون هاوس" تقيم حفلا واحدا سنوياً وهو ما لا يرضي طموحاتي على الإطلاق.


بماذا يحلم أحمد صالح؟


** أحلم بأن أطور فرقتي، ولكنها الآن تتناسب مع إمكانياتي المتواضعة، حيث أصرف على فرقتي من مالي الخاص، أحلم بأن أظل أقدم فنا يخاطب وجدان الناس، وأن تتاح الفرصة لكل من يريد تقديم فنه للجمهور، وأن يخرج الناس من إحباطهم بسبب نمط الإعلام الحالي، ويشاهدون التجارب الجديدة التي تغني حياتهم وأحلامهم الحقيقية، أحلم بأن تكون تجربتي امتدادا تطوريا لتجارب السبعينات الجادة التي لم يتح لها الاستمرار في ظل الهجمة الشرسة للغناء الراقص السهل، واحتمال أن "بكره يكون أجمل من النهار ده" قائم لأن الفن والغناء له ألف احتمال، فلماذا لا نحلم بالجمال!

التعليق