30 آذار" : الأرض تبوح بأسرارها الدموية ..والورد إذ يشتعل مع الزعتر البلدي

تم نشره في الأربعاء 30 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً
  • 30 آذار" : الأرض تبوح بأسرارها الدموية ..والورد إذ يشتعل مع الزعتر البلدي


    عمان - في مثل هذا اليوم من العام 1976 هبت جماهير الجليل والمثلث والنقب احتجاجا علي قرار الحكومة الاسرائيلية بمصادرة 21 الف دونم من اراضي الجليل، وقتلت "اسرائيل" حينها ستة من العرب واصابت العشرات.


    لقد أثبت الشعب الفلسطيني في يوم الارض وحدة معركته ضد جوهر المشروع الصهيوني القائم على نهب الارض الفلسطينية، ووحدة كفاحه في مواجهة المخاطر وهزمها استنادا الى عدالة قضيته والى روح النضال التي يمتلكها، منذ ذلك الحين أصبح يوم الارض  منارة ساطعة في مسيرة الشعب الفلسطيني الطويلة والدامية والمجيدة دفاعاً عن أرضه وعن وجوده وكيانه.

 وتجاوزت انتفاضة اذار حدودها السياسية والنضالية لتصبح جزءا من الذاكرة الادبية الفلسطينية والعربية، وليصبح ذلك التاريخ ايضا يوما تبوح فيه الارض بأسرارها الدموية، ولحظة لاشتعال الورد مع الزعتر البلدي....، وهي المناسبة ذاتها التي خلدها درويش في قصيدته الارض  


في شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارها الدموية.
في شهر آذار مرت أمام البنفسج والبندقية خمس بنات.
وقفن على باب مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلدي.
افتتحن نشيد التراب.
دخلن العناق النهائي- آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي، ومن رقصة الفتيات- البنفسجُ مال قليلا ليعبر صوتُ البنات.
العصافير مدت مناقيرها في اتجاه النشيد وقلبي.
أنا الأرضُ.
والأرض أنت...
في هذه الذكرى كان"للغد" هذه الوقفة مع اراء عدد من المبدعين مسجلة انطباعاتهم عن "يوم الارض"


سحر خليفة: الأرض هي المحورعند المبدع


     تؤكد  الروائية سحر خليفة على دور البيئة في حياة الأديب تقول "البيئة هي المنبت والأساس لكل مبدع. وقد قرأنا هذا منذ تولستوي حتى فوكنر ومحفوظ، وأحسسنا بالجو لكل واحد حتى عشناه. وهذا طبيعي وإنساني، لأن الفنان لا يأتي من فراغ، بل من أرضية تحدد ملامحه وشخصيته ولغته وهويته. وحين يهدد الفنان بسحب الأرض من تحته كما حدث ويحدث للمبدعين الفلسطينيين، تصبح الأرض هي المحور، تصبح الحلم والهاجس والكابوس" وتضيف :"لقد تجلى ما أنتجه المبدعون الفلسطينيون سواء كان ذلك فنا تشكيليا كما في إنتاج اسماعيل شموط، أو شعرا كما في قصائد درويش، أو رواية كما في أعمال إميل حبيبي".   

 وتستذكر :"كنا نتظاهر ليوم الأرض في جامعة بيرزيت، فبدأ الضرب بالرصاص والدخان ومسيلات الدموع، وتقدموا نحونا بالدبابات والجرافات. فبدأنا بالركض و(تفرعطنا) كسرب دجاج تعرض لهجمة، وأخذنا نتطاير ونختبئ بين الصخور وتحت الزيتون وخلف السلاسل والجدران.

 وهذا المشهد الذي ما يزال يتكرر منذ أكثر من 30 سنة وترونه على شاشات التلفزيون هو ما حصل في ذاك اليوم".

ومنه ومن غيره استقيت الكثير مما صورت في أعمالي "ربيع حار":"كانت مسيرة مثالية ثم انتفضت واندلع الرصاص فأخذ يصور. صور شباب يتطايرون فوق الأشجار وتحت الأشجار ويقذفون الحجارة وقناني الزجاج وأفراد الجيش في أثرهم ككلاب الصيد.

 واحد يقفز من فوق السور وآخر يزحف تحت الدواليب وثالث يتعمشق دبابة وعشرة وعشرون هنا وهناك مثل العفاريت بينهم أطفال لم يتعدوا الابتدائية وما زالت حقائبهم على الأكتاف".


زمن شعري ومنعطف في الزمن


     يؤكد الشاعر أحمد دحبور :"إن قصيدة محمود درويش وأخواتها، كانت فتحا في القول الشعري العربي، بناء ورؤيا، من الذي يملي على الشعر أن يكون على هذا النحو أو ذلك؟ وما هو النداء الخفي الذي جعل من يوم الأرض زمنا شعريا ومنعطفا في الزمن؟ اسألوا يوم الأرض نفسه. وها نحن في حضرته الخضراء المتجذرة في التاريخ والجغرافيا معا".


      ويضيف دحبور :"حين انطلقت هبة يوم الأرض في آخر آذار 1976، لم أكن أكتب فصلا في التاريخ، بل أتيح لي، كما لأبناء جيلي، أن أشهد ذلك الفصل من التاريخ. ولأمر ما- هي النبوءة او الحدس التاريخي؟ شعرنا بأن في الأرض نبضا وقشعريرة، وأن ما انطلق ذلك اليوم سيقود الوقائع والأحداث في اتجاه نوعي.

 وقد كتبت يومها قصيدة طويلة نسبيا بعنوان- أنتِ- وعلى ما فيها من حميمية وفرح بالمفاجأة الجليلية، إلا أنها لم تكن تعليقا ولا تفسيرا ولا حتى رثاء للشهداء ومديحا لانطلاقة الأحياء".


       ويضيف دحبور انه بعد سنوات من انطلاقة الانتفاضة، اصدر الشاعر الناقد التونسي "محمد علي اليوسفي"، والشاعر الناقد اليمني "عبد العزيز المقالح" كتابين، كل على حدة، حول أبجدية الحجارة وصدمة الحجارة، فيتفقان على أن قصيدة – أنتِ - قد استخدمت مصطلح الانتفاضة قبل وقوع الانتفاضة الاقصى بأحد عشر عاما.

والواقع أنني لا أزعم ذلك أبدا. بل وجد الشعراء الفلسطينيون أنفسهم وجها لوجه مع ذلك المصطلح الذي أبدعه النضال الفلسطيني. وقصيدة يوم الأرض الشهيرة للشاعر محمود درويش، تبدأ، وهي المكتوبة العام 1976، بهذه الجملة الشعرية: في شهرا آذار، في سنة الانتفاض".


 التحام الفلسطيني بالأرض


      يرى الناقد د. حسن عليان "ان رواية المقاومة، في فلسطين سجلت مدى التحام الفلسطيني بالأرض ودفاعه عنها مع ما يتطلبه الدفاع من دفع ضريبة التشرد والدم، كما سجل الشعراء العرب وخصوصا الفلسطينيين مدى التحامهم بالأرض والوطن مثل محمود درويش وعز الدين المناصرة وراشد حسين وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم من الشعراء، كما صوروا مدى المعاناة والمجاهدة النفسية والإنسانية والاقتصادية التي عاشها وما يزال يعيشها الفلسطيني".


      موضحا ان تكريس يوم الأرض هو لتجسيد التلاحم بين الإنسان والأرض ". وأضاف "تجسد العلاقة الحميمة بين الإنسان والأرض في ارتباط شخصية رواية "إسماعيل" لأحمد حرب، إذ لم يثنه احتلال أرضه عن مداومة العمل فيها، بعد منحها ليعقوب اليهودي، استنادا إلى قوانين سلطات الاحتلال التي انتزعت ملكية الأراضي من أصحابها الشرعيين، ومنها للمهاجرين والمستوطنين" واستطرد عليان "لقد جسدت الرواية العربية هذا التلاحم  العضوي، مثل رواية:"نهر يستحم في البحرة"، "وبحيرة وراء الريح" ليحيى يخلف، و"أيام الحب والموت"، و"الرب لم يسترح في اليوم العاشر"، و"العشاق" لرشاد أبو شاور. و"عري الذاكرة" لأسعد الأسعد، و"الحواف" لعزت الغزاوي، و"هل قتلتم أحدا"  لسلمان الناطور، و"إسماعيل وبقايا" لأحمد حرب، و"الصبار" لسحر خليفة، و"رمل الأفعى" للمتوكل طه... الخ".


 الجليل قلب فلسطين النابض


     يرى الشاعر يوسف عبد العزيز ان:" يوم الأرض انعطافة كبرى في حياة الشعب الفلسطيني. فقد أعاد هذا اليوم العظيم الصراع إلى أبجدياته الأولى.

 ذلك أن الأرض المقصودة هنا ليست فقط الضفة الغربية أو قطاع غزة، وإنما هي فلسطين كل فلسطين (من النهر إلى البحر)". ويضيف :"لم يكن مصادفة أن ينطلق اليوم الأول لهذه الذكرى من أرض الجليل. إذ إن الجليل هي قلب فلسطين النابض.

 فقد جاء منها الشعر كما جاءت منها الثورات، في كل يوم أرض أغمض جلدي علي وأهبط داخل جسدي لأتفقد الوطن حجرا وراء حجر وعشبة وراء عشبة. في كل يوم أرض أبتسم حين أسأل نفسي السؤال الذي يتكرر: لو لم يكن هناك يهود، وبقينا في الوطن كيف يمكن أن تكون الأمور؟ أجيب على سؤالي وأبتسم ثانية: كان يمكن أن أكون حراثا في خربة (البوبرة)، عاملاً أشطف البلاط في نزل (ماريكاسباريدون) في حواري يافا، خُلدا يثقب التراب دون هدف، صوتا طائشا في الوعر، أي شيء. لا شك أن حياتي ستكون أفضل".


 المبدع يتنفس كما تتنفس الأرض


     يعرف نايف النوايسة علاقة المبدع بالأرض:" فالمبدع يقف على صخرة القلق لأنه لا يتنفس كمبدع إلا بالكلمات التي تنبثق من عمق هذه الصخرة، لذلك تأتي منظومة الحالة الشعورية بحجم القلق الذي يشكل الطاقة المحركة من تلك الصخرة (صخرة القلق). ويرى النوايسة ان هناك علاقة بين المبدع والأرض:"لا يستطيع المبدع ان يبني هذه العلاقة إلا من خلال وعي تام بدور الإنسان على الأرض (التراب)، من خلال عامل الزمن، فهذه العلاقة تسفر بالنتيجة عن حقيقة حضارية.

 
 الأرض تعرف الشهداء


      يرى الفنان التشكيلي عصام طنطاوي:" ان الأرض تتعرف على الشهداء الذين تحتضنهم بصمت وعلى من يتشبثون فيها كل يوم بأيديهم المدماة" ويضيف :"أن الأرض لا تعبأ بنا ولا باحتفالاتنا الصاخبة فوقها، هذه الأرض- أقصد أرضنا تحديداً- التي غدرنا بها وتركناها تئن تحت أقدام الغزاة لم تعد تحبنا كما كنا نعتقد، لأنها لم تعد تعرفنا ولا تفهم لغتنا الممجوجة المكررة حد الغثيان". ويؤكد طنطاوي انه لا دور للفن والشعر فهذه أكذوبة كبيرة روجناها فيما بيننا منذ زمن أن الفن يمكن ان يحرر الأوطان وهذه ذريعة نكررها لأنفسنا لنبرر تقاعسنا عن الجهاد الحقيقي".

التعليق