البرغوثي .. القصيدة حين تنتزع نبض الحياة من اشداق الموت

تم نشره في الثلاثاء 15 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً
  • البرغوثي .. القصيدة حين تنتزع نبض الحياة من اشداق الموت

في مجموعته "منتصف الليل"

   بيروت  - كتاب الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي  "منتصف الليل" الذي وصف اختصارا او استسهالا او لعدم توفر اسم شامل يستطيع  جمع كل ما فيه بأنه قصيدة.. هو من بعض النواحي "حياة" كاملة بمختلف سماتها ومظاهرها ويجمع بين ذلك كله آلام كبيرة وانتزاع لنبض الحياة من اشداق الموت


وقد تميز عمل البرغوثي بنفس شعري طويل لا يخبو توتره ولا تتجمد حركته الجمالية. ولان العمل استغرق مدة زمنية طويلة فقد يكون التعبير الاقرب الى الواقع هنا عوضا عن الحديث عن نفس شعري طويل.. القول انه تميز بقدرة فائقة على التفاعل وجدانيا مع آلام الفلسطيني ومآسيه ومشكلاته اليومية ومشاعره المختلفة كإنسان.. فغدا ذلك وقودا يضرم التجارب الشعورية لدى الشاعر باستمرار فكانت هذه التجارب يلتحم بعضها ببعض فلا يعتريها انقطاع وتبدو كأنها شعلة واحدة امتدت واستطالت.


   وفي قصيدة البرغوثي الكبيرة يندمج العالم الخارجي بالعالم الشخصي فيكادان يصبحان واحدا اذ يتبادلان القسمات والملامح فلا نعود نميز بجلاء اين هي حدود كل منهما.


   وللشاعر البرغوثي نتاج ادبي متعدد بين شعري ونثري. اما كتابه الحالي فقد صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر وجاء في 116 صفحة متوسطة القطع.


   الكلمة التي حملها الغلاف تبدو وصفا نقديا جيدا وموجزا لمادة الكتاب من حيث عالمه واشكال التعبير الفني فيه فقد جاء "هذا كتاب نعايش فيه شخصا مفردا في منتصف ليلة رأس السنة تداهمه عبر النافذة مشاهد من عالمه الشخصي ومن العالم. كتاب يضم نصا واحدا متصلا متعدد الاصوات يجمع بين قصيدة النثر والدراما والسرد القصصي والمفارقة وفن التوقيعات. يستمد شعريته من الصور البصرية المتلاحقة ومن خلق علاقات مدهشة بين مفردات عادية. اما الموسيقى فمراوغة تتوارى عمدا لتباغتنا احيانا ثم تتراجع بسرعة الى الخلفية. البطل وحبيبته (الحاضرة في البال) هاربان من لغة السوق.. هاربان من حفائر الانساب لا يمتلكان سوى نظرتهما الطازجة للكون كعلامة اعتراض على الصيغ المهيمنة."
   تبدأ القصيدة الطويلة بداية تحمل شيئا من التقريرية الآلية حينا والتجريد حينا اخر في تناولها للزمن وحركته من خلال رمز جامد لهذه الحركة الدائمة هو الرزنامة او "اليومية". يقول الشاعر "هذا ما تستطيع ان تفعله/  تلقي بها في السلة/ .../ الرزنامة كلها/ بشهورها الاثني عشر/ ترمي مضارعها في الماضي/ كأنها "حقا" غابت/ مع آخر اجراسها/ مباهجها لك انت/ واوجاعها.. الى  النسيان./ لكنك كل ليلة/ منذ الليلة/ ستسمع اصواتا في العتمة/ خشخشة اوراق تعبر النافذة/ ايار/ آذار/ آب/ شباط.../ وقع خطى تريدها/ وخطى لا تريدها/  هديل مسرات/وهمهمة احلام".


   ولا تلبث القصيدة ان تستجمع انفاسها الحارة وصورها ورموزها ومجازاتها.  لقد اقلعت وانطلقت حاملة القارىء معها في رحلة طويلة تحفل بمتعة فنية اكيدة.  يقول "ها هو الموت/ مرتديا قلائد من اقفال/ تصحبه سلوقياته المدربة/ يحيط  خصره بحزام ابدي/ يدس فيه العناوين/ لملمك مع ملابسه الغامقة/ ومناديله وامشاطه/ وفرشاة اسنانه الضخمة/ وشدك في حقيبة الابنوس/ وسافر بك..."


ويرى في زجاجة الخمر المعتقة حلا مؤقتا اذ تطلق النفس من عقال الامها الكثيرة وتفور فيها طفولة كامنة كانت مخبأة بين تلافيف قناع القوة المدعاة. انها السعادة والاحلام والمسرات اي حقوق هذا الانسان المسلوبة منه.


يقول مريد البرغوثي في رسم مميز مؤثر للمأساوي والمفجع ولاصرار الامل على ان يبقى مرفرفا حتى في ساعات الموت "المجتمعون في المنتدى/ المأخوذون بملامحك الحاسمة/ وصوتك الصخري/ لا يدركون ان حديقة ينبت فيها الرذاذ/ كفيلة  بقتلك/ .../ طفل غريب يضحك لك في القطار/ يسمرك شجاعا وجبانا في قلعة جسدك/ وراغبا في الرقص/ كالمشلول.../ كأنك جسر/ بين ضفتي الحزن والمسرة/ لا تتحدث عن احمالك/ ولولا مئة وجع تلح عليك/ انت.. خلقت.. للبهجة".
   ويعود الشاعر للحديث عن عالم الظلم عالم القوي المسيطر على الاخر وعن عالم النفاق الذي يمنع الروح من ممارسة وظائفها وحقوقها الطبيعية "ها انت تضحك/ عندما افصح العصر/ عن تعديلات مدهشة في شرفه/ حيث السيف في يد واحدة فقط/ من المتبارزين.


"للجسم رقصته ولو بين الحبال/ وللروح شهوتها ولو فوق الصليب/ الحرب توغل في فكاهتها/ اذا قصفوا الفراشة بالقذيفة/ ثم توغل في فكاهتها/ اذا ما لاحظوا ان الفراشة لم تمت/ وغدت بكامل ضعفها احلى/ واعلى من يقين العسكري/ ومن علوم الحرب/ نصف النصر ان فراشة عزلاء/ الا من جموح جناحيها وجمالها/ دخلت مع الموت المؤكد/ في سجال/ ستموت/ تعرف انها ستموت/ من اوصاف قاتلها/ومن اوصافها/  لكنها/ ستطل من شباك يأس قادم/ وترف في غرف الخيال../ للروح شهوتها/ ولو فوق الصليب/ للجسم رقصته/ ولو بين الحبال."


   وفي مجال آخر يقول الشاعر "اهدأ قليلا/ استرح لحظة ياصديقي/ حتى آلهة الملاحم/  تغادر معابدها/ المسكونة بلعنة العرافين/ ومقاتل الابطال/ وتذهب خلسة/  للهو."


   وفي وصف لما يمكن أن يسمى "فوبيا" او "رهاب الفلسطينيين" يسأل الشاعر مستغربا "نحن للقبر وايديكم لشمبانيا الظفر/ والذي في دفتر القتل لديكم/ ليس الا ميتا/ مت فيموت/ ايها الاعداء صار الانتصار/ عادة يومية كالخبز في افرانكم/ فلماذا هذه الهستيريا/ ولماذا لا نراكم راقصين/ كم من النصر سيكفيكم لكي تنتصروا؟/ ايها الاعداء "شيء ما" يثير الشك فيكم/ ما الذي يجعلكم في ذروة  النصر علينا/ خائفين؟"


   نهاية القصيدة نهاية مؤرقة. في بعض ما تثيره سؤال عن نهايات الامور. سؤال مغلف بالحيرة التي تقوم بينها وبين اليأس "حدود مشتركة". يقول "في ليلة كهذه/  حيث تموت نجوم وتولد اخرى/ حيث لا الميت ميت/ ولا المولود مولود/ حيث لا السيد سيد تماما/ ولا العبد عبد تماما/ حيث للاجراس صمتها/ وللصمت اجراسه."

 
   وعلى طريقة المثل القائل ان الديك يستطيع ان يصيح لكنه لا يستطيع ان يجعل الضوء يطلع يختم الشاعر قصيدته قائلا "على المسمار ذاته/ على الحائط  ذاته/ علق الرزنامة الجديدة/ هذا ما تستطيع ان تفعله."
 

التعليق