هواية الاشتراك في المسابقات: هناء مادي.. ونار الحاسدين

تم نشره في الاثنين 14 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً
  • هواية الاشتراك في المسابقات: هناء مادي.. ونار الحاسدين

جدلية الحظ والنحس

عمان - يتناوب أثرياء العالم على تبادل المراكز الأولى لاحتلال لقب الأغنى سنوياً. ومن وقت إلى آخر تصبح قصص هؤلاء الأثرياء مثار حديث المجتمعات المخملية ونقيضها، وتصبح قصص من طراز ثراء بيل غيتس واوناسيس على أطراف الالسنة، وإن لفترات محددة، إذ لا يلبث ان يعلو رقم مالي فلكي على آخر فينسخ ما قبله، ويحل محله.


  لكن القصة التاريخية المرتبطة بالثراء والحظ التي تتجدد منذ آلاف السنين، خلدها القرآن الكريم في حكايته لقصة قارون الذي لا يتنازع اثنان في انه الأغنى على مر التاريخ، ذلك ان الله أتاه (من الكنوز ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة)، أي لتعجز عن حملها جماعات. 


  الشاهد في الموضوع ان قاروناً بدل ان يحسن في الأرض طغى واستكبر وادعى ان كل ما يملكه من مال جاءه عن علم ولهذا خرج متفاخرا بين الناس في زينته.

لكننا يجب أن نتذكر نهايته المأساوية التي جعلت (الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر, ولولا ان منّ الله علينا لخسف بنا).


  وارتباط الحظ بقارون الفرعوني الذي عاصر سيدنا موسى عليه السلام، يعطينا دلالة على قدم تفكير الإنسان باللجوء إلى الحظ لتسيير أموره التي تستغلق عليه بالحلول المعتادة - إي بالعمل وما يتأتى من مال بناء عليه.


  وتسابق الفضائيات الصحف والإذاعات على خطف مشاركين يتبارون لنيل جوائز ضخمة بأيسر الطرق، ما يتيح انتشاراً واسعاً لكلا الطرفين، حتى غدا اغلب من يشاركون ببرنامج من طراز "من سيربح المليون" نجوماً في بلادهم او على الأقل من فاز منهم بجوائز "محرزة"!.


  على ان كل من يعتقد الناس أنهم محظوظين بالصدفة ليسوا ممن يقعون غالباً في حفر ملأى بالذهب. ويغلب ان تجد من تحسده الناس على حسن حظه، ويكون مكسوراً من الداخل، يصرخ بصمت كي لا يسمع أنينه الآخرون، ربما لتتحقق العديد من المقولات الشعبية ذات الارتباط بالحظ من طراز "اللي بدري بدري واللي ما بدري بيقول كف عدس"!


  وافسحبت المشاركة في المسابقات لجمال مصطفى حسن الحسن (من مواليد 11/4/1965) دخول باب الحظ متأخراً، وتحديدا في العام 1996، بعدما شارك في توقع الفائز بالأمم الأوروبية 1996 بانجلترا (فازت المانيا على تشيكيا 2/1), ومن يومها بدأ رحلة "احتراف" المشاركة في المسابقات التي كان له نصيب الأسد في الظفر بالعديد من جوائزها.


  كما أفسحت المجال لصاحب أحد المحال التجارية في حي الأمير حسن بالزرقاء للقراءة والمطالعة للتزود بالإجابات حتى عن طريق الانترنت، فبات مرجعاً لأبنائه (يسرى – (توجيهي) ومصطفى (عاشر) والطفلة الصغيرة (يمنى) في المعرفة المعلوماتية التي عوضت حسرته على عدم إكمال مساقات الهندسة في جامعة حلب او المحاسبة في كلية الزرقاء الأهلية.


مصداقية عالية


  ويرى جمال الذي يتسم بجمال الهيئة والخلق (ربما لان ثلاثة من أسمائه الرباعية فيها تأكيد على الحسن - جمال حسن الحسن – فيما رابعها عائد لأجمل الخلق أخلاقا مصطفى)، ان في الأردن مصداقية عالية جداً، وهذا ما تأكد له من خلال مسابقة الفائز عن بطل بطولة أمم أوروبا لكرة القدم (يورو 96) حيث قدم من يسمونه "أبو السيارات" احمد أبو السعود لكثرة ما فاز بسيارات في المسابقات المختلفة (1800) رسالة ترشح المانيا من اصل (3500) رسالة رشحت البطل الذهبي.


  لكن كل تلك الرسائل لم تشفع له بالظفر بالجائزة الكبرى او غيرها، بل ان الفائز بمسابقة "الدستور الرياضية 96" كان مواطناً بعث رسالة واحدة فقط!! يومها كان جمال يراقب طاولات السحب ليرى ان كان ثمة تلاعباً هنا او هناك ولما تأكد له عكس ما حدس، بات صديقاً للمسابقات.


  وينفق "أبو مصطفى" سنوياً ما معدله 180 ديناراً للحصول على معدله (3) آلاف دينار.. وكان آخر ما ناله جمال مبلغ  ثمانية ألاف وتسعمئة دينار بعد حسم الضرائب (وإن تركت في نفسه غصة) من جائزة العشرة ألاف دينار الرمضانية التابعة لشركة فاست لينك التي زارها لاستلام الجائزة. بعد ذلك بشرته شركة موبايلكم بفوزه بجهاز نقال فاخر.. وقبل ذلك كان جمال أول من صرف له جهاز "سيمنز" في اليوم الرابع لصرفه بعدما فاز مع بطاقات "اوريكس" إضافة إلى العديد من جوائز الترضية من صحف الأسواق وصوت الشعب (سابقا) من طراز مسجلات وأقلام وساعات وأجهزة رياضية. أما جريدة (العرب اليوم) فقد فاز معها بـ 250 ديناراً وكذا بالنسبة لجريدة الرأي. أما على صعيد جريدة الغد فهو كان أول من بعث للاشتراك في المسابقة الرياضية.


  كما فاز بعرض شركة كوكاكولا التي أثثت له بيته بما قيمته (2200) دينار بعدما شارك بـ "حملة الإغلاق" التي تقتصر على بيع منتوجات الكولا فقط.. كما ظفر منهم مرة أخرى بمكنسة كهربائية وهاتف خلوي ومكواة وبغاز (الآجورمينيا) من شركة الربان وكلاء سجائر التي تبلغ قيمتها 350 ديناراً.

وايضا بجائزة جريدة الرأي وهي عبارة عن تذكرة طيران غير قابلة للصرف، وكان قبلها قد فاز في المسابقة الرياضية الرمضانية بأجهزة رياضية بقيمة 500 دينار حسب ما ذكر في إعلان النتائج.


  وإن أقر بأن "هنالك مبالغة واضحة من قبل العديد من الشركات المقدمة للجوائز والقيمة الفعلية للجائزة". وبعيداً عن الصحف فاز جمال مرتين بجوائز البنك العربي الإسلامي ونال ما قيمته 5 ألاف قرض مرابحة، ناهيك عن كثير من الجوائز والمنح الوهمية ذات قيمة عالية نظريا واعلانيا وهي ليست كذلك عمليا. 


خارج الأردن أيضا


  أما على الصعيد الخارجي، فقد ظفر بالعديد من جوائز مجلة (بي سي) اللبنانية المتخصصة بالكمبيوتر ومنها ظفر بكرت شاشة (اسبا) التي يبلغ ثمنها نحو 450 دينار, وهذه القطعة غير متوفر منها إلا أربع قطع (في الأردن وتونس والمغرب ومصر واليمن) ومن المحطة اللبنانبة الفضائية (LBC) تلفاز فيليبس 92 بوصة فلاترون.


  كما فاز أيضا بجائزة مسابقة الإذاعة السعودية للقرآن الكريم (بقيمة 500 ريال) وفاز بساعة ومجموعة أقلام من مجلة (الصدى) الثقافية الإماراتية. وبطقمي أقلام من مجلة (زهرة الخليج) وبجائزة من محطة (ال .بي .سي) الفضائية اللبنانية. لكن الجائزة الأكبر خارجياً كان فوزه بنحو (3) ألاف دولار من محطة (إم. بي. سي) عن مسابقة (حروف وألوف).


وأعطت المشاركة بتلك المسابقات لجمال خبرة هائلة يلخصها بضرورة المحافظة على الاستمرارية في شراء أو الحصول على كوبون المسابقات يوماً بيوم ومن ثم التعرف على آخرين من نفس الهواية لتبادل الإجابات والمعلومات معهم والثالثة بضرورة عدم القنوط واليأس.


  ويحرص جمال على إدخال السعادة لكل من حوله وتقديم "الحلوان" لهم في كل مرة على توزيع هداياه طبقا لقيمتها على والدته التي ربتنه، وهي التي لا تقبل إلا مناداتها بـ "أم جمال" صاحبة الفضل الكبير في تربيته والسهر على راحته حتى اليوم، وأيضا إلى التي أسرَته بعطفها وحنانها وحبها، وهي الزوجة الثانية لأبيه وإخوانه وأخواته من أبيه (لديه 10 أشقاء فهم بنتان من ثلاث زوجات لأبيه) الذين يحاولون دائماً أن يعوضوه حنان أمه وشقيقه كمال اللذين قضيا في حادث سير بالسعودية في منتصف العام 67 الذي كاد ان يشهد مأساة شخصية في حياة عائلة أبيه، ناهيك عن المأساة الكبرى التي أصابت الشعب العربي بأسره باحتلال كامل فلسطين.


  فقد كان الأب مصطفى حريصاً على ان يشفي ولده جمال من التشوه الخلقي الذي سبب التواء في ساقيه، ولهذا بعثه مع أمه وكمال الى مخيم بلاطة على أمل العلاج.. ولما قامت الحرب وكان الشعب الفلسطيني كله غارقاً في نزوح وشتات كان هو عائداً إلى مخيم بلاطة الذي نزحت إليه عائلته من منطقة مسكة بطولكرم ليسترد ابنيه وزوجته وزوج أخيه وبنته, وصادف ان التقطه يهودي من اصل مغربي فاستوقفه وقال له "أأنت مجنون - الناس تهرب وأنت تدخل؟"، فأخبره بحقيقة وجود أهله للعلاج، فما كان من المغربي الا ان طلب بيت الجد في بلاطة واخبرهم ان ينزحوا إلى الجسر.


لا للاستسلام


  ولم يستسلم الأب الذي عمل محاسباً في شركة الفوسفات قبل ان ينتقل مطلع الستينات للعمل مع شركة أرامكو بالسعودية كمدخل بيانات على الكمبيوتر، ولهذا جاء به - عندما بلغ 13 عاماً إلى الأردن - ليخضع لإبر الدكتور نظمي الولويل ليزرع له مسامير بلاتين في الركبة - بعدما رفض اقتراح بتر الساقين وتركيب أرجل خشبية لها وليكون أول من تطبق عليه نظرية (تنشيط الدورة الدموية عن طريق الأعصاب)... وساهمت زيادة وزن جمال عن 150 كيلوغرام في عدم مواصلته العلاج وبالتالي زيادة انحراف قدميه.. لكن ما خبأه القدر كان اكبر من ذلك بكثير، إذ اكتشف في العام 1998 انه مصاب بالتهاب (الكبد الوبائي) أو الصفار وهو التهاب فيروسي يشبه الإيدز الذي ينتقل للإنسان بسبب إما الجراحة (ابر التطعيم أو الدم الفاسد) او من الحلاق أو طبيب الأسنان وقد انتقل إليه من حلاق شعبي، وثبت ذلك من خلال فحوصات وزارة الصحة التي تحتفظ باسمه كمداوم على التبرع بالدم ولأنه كذلك فقد تم اكتشاف أمر الحلاق حيث تبين من التاريخ المرضي انه كان سليماً لما قبل الفحص الذي تبين من خلاله الإصابة التي كانت نادرة الحدوث في الأردن الذي كان يطلب المطعوم العلاجي بالطائرة قبل ان يتوفر بكثرة الآن بعد ازدياد حالات الإصابة بهذا المرض الآن.


  وكان الأمر يتطلب مطعوماً بسعر 60 ديناراً يؤخذ مرتين او ثلاثة سنوياً له ولزوجته ولأبنائه.


  وتبين ان الشخص المحسود من الآخرين بحسن خلقه وشكله وحظه حامل لمرض من خلال جرثومة تقتل فيلاً، لكنها لم تستطع ان تمسه بسوء، ربما لدعائه وصبره وصلواته وصبره على الشدائد التي يسميها ابتلاء من الله العزيز الكريم والتي يحزن ان لم تصبه، اذ يشعر عندها ان الله بعيد عنه ومجافيه.. ولهذا فهو يبكي ويسر بالمصائب باعتبارها تقربه من خالق كريم أغدق عليه بنعم كثيرة وأبقاه على خط الحذر من مغبة حتى معالجة أي من أبنائه ان سال دمه, خوفاً من ان ينتقل دمه لدم المصاب فيموت.. ليبقى على اتصال فيظل قريباً منه بالدعاء والصلاة. ومثلما باتت العبادة نبضاً من الدم وبمرور الوقت باتت المسابقات نبضاً إضافيا تضخ في عروق جمال لتغذيه حب الظفر إما بالجوائز أو التغلب على التحديات وسعة الإطلاع.


  وعوداً على بدء.. فهل سيقول القارىء ان جمال "ذو حظ عظيم" ام يشفق عليه من ابتلاءات أصابته قد يحتملها فيكونون كمن تمنوا مكانه بالأمس وإذا بهم قانعون بأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له.

التعليق