" أم الرصاص "حضارات بشرية في قلب الصحراء

تم نشره في السبت 12 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً
  • " أم الرصاص "حضارات بشرية في قلب الصحراء


       تشكل مدينة أم الرصاص أو " ميفعت " التي تبعد " 30كم " عن مدينة مادبا بالاتجاه الجنوب الشرقي حالة استغراب لكل مسافر عندما يرى الحضارات البشرية المنتشرة في قلب الصحراء، متسائلا ما الذي دفع الرومان والبيزنطيون والإسلاميون أن يسكنوا في هذا الموقع الصحراوي القاحل الذي لا تتوفر فيها سبل حياة العيش الكريم .


       وأم الرصاص تقع بمحاذاة طريق القوافل الموازية للطريق السلطاني والتي تمر ببلدة نتل، حيث تظهر آثار رومانية وكنيسة بيزنطية ومسجد إسلامي يرجع إلى القرون الوسطى  وتستمر الطريق حتى قلعة الزعفران حيث يرتفع برجان على جانبي الطريق أعيد استعمالهما في أوائل العصر الروماني ويتسدل على ذلك من الحجارة المشذبة وكسر الفخار وبعض الكتابات النبطية والثمودية.


       وكانت " أم الرصاص " مقصدا لعدد من الرحالة في القرن التاسع عشر، ومن أشهرهم " بوكنغهام" عام " 1816" و بالمر عام " 1870"  و برز نوف وفون دوماسفسكي عام " 1897" اللذان نشرا عددا من الصور للآثار الباقية، وكان أول من أعد مخططا أوليا للمدينة الأب بأغاني الفرننكاني عام " 1949"


     وتقسم آثار أم الرصاص إلى ثلاث مجموعات " المعسكر الروماني، إلى الشمال من مجمع المدينة، والدير الناسك وبرك الماء، حيث يقع المعسكر إلى الجهة الجنوبية بمحاذاة طريق " ذيبان – الخط الصحراوي " وتبلغ أبعاده " 158- 139" مترا، وتحيط به أسوار بلغ عرضها مترين تدعمها أربعة أبراج على الزوايا الجوانب، وله مدخل واحد على الجهة الشرقية يحمية برجان مربعان، ويرجع المعسكر حسب التنقيبات التي أجراها الفريق السويسري إلى العصر الروماني في منتصف الثالث الميلادي، ثم أعيد استعماله في العصر البيزنطي في القرن السادس، ولغاية العصر الأموي في القرن الثامن، بقي مأهولا حتى العصر العباسي – الفاطمي في القرن العاشر .


      وطرأت على مخططه الأصلي عدة تعديلات، حيث بنيت في العصر البيزنطي كنيستان متلاصقات على الجدار الشرقي على الجدار الشرقي هما الكنيسة الجنوبية " كنيسة النخلة " وتبلغ أبعادها " 10×14" مترا ، لها ثلاثة أروقة الأوسط ينتهي بحنية نصف دائرية، والرواقان الجانبيان ينتهيان بغرف صغيرة " سكرستيا " تستعمل لأغراض الطقوس الدينية، وترين الحنية الوسطى سجادة فسيفساء تمثل نخلة تنبثق من وعاء ومعها فروع الكرمة اللولبية المثقلة بالعناقيد، والرواقان تزينهما أشكال هندسية .


      وكنيسة الأنهار " الكنيسة الشمالية " تزين محرابها فسيفساء يتلاقاه حملان على جانبي المذبح، ويبين رأسيهما وقد دمرا بعد إعادة بنائه وثلاث شجرات مثمرات وحولها صور لأشخاص دمرت ايضا في حملة تحطيم الأيقونات، وطيور الحجل، ويتوسط الكنيسة صحن مزين بسجادة من فروع الأكنتوس وبينها مشاهد تشبه تلك التي وجدت في كنيسة "سرجيوس" مطرزة بالكتابة اليونانية مدمرة عند مدخل الكنيسة، ولم يبق من التاريخ سوى الإشارة، وتشير الاعتقادات أن هذه الفترة كانت في عهد الأسقف سرجيوس الأول في الأعوام " 579 – 594" للميلاد.


      ويؤكد عالم الآثار "جرمير ديران" أن أم الرصاص التي ذكرها سفر يشوع بين نون، أثبتت الكتابات التي عثر عليها في الكنائس أسمها " ميفعت "، ولا أحد يعرف لماذا سميت بأم الرصاص، ولكن البعض من سكانها يعتقدون أن البدو أسموها بهذه التسمية نسبة لبعض النواويس الرصاصية التي عثر عليها بين الأنقاض .


      وسجلت منظمة اليونسكو في العام الماضي مدينة أم الرصاص واحدة من أهم المواقع  على قائمة التراث العالمي وكونها تضم مواقع أثرية تعود إلى العصرين الروماني و البيزنطي والعهد الإسلامي الأول باعتبارها منطقة تتميز بآثارها التي تستقطب السياح من مختلف أرجاء العالم للإطلاع على كنوزها الأثرية الدفينة .

التعليق