جمعية (سبانا): إعاد الاعتبار لمفهوم البيطرة وكسر الوعي السائد

تم نشره في الأربعاء 23 شباط / فبراير 2005. 09:00 صباحاً
  • جمعية (سبانا): إعاد الاعتبار لمفهوم البيطرة وكسر الوعي السائد

الرفق بالحيوانات بين الضرورة والرفاهية


     عمان - أورثت الحروب والنزاعات الطويلة مع الاستعمار وأهله (قلة) اهتمام بالبيئة ومفرداتها.. فراحت الطبيعة والحيوانات ضحية لغرقنا في بحر الهموم والمشاكل والعراك الطويل من جهة ولقمة العيش من جهة أخرى وبات مصطلح (الرفق بالحيوان) على سبيل المثال كلمة تشير الى المجتمعات المخملية والرفاهية.


      وما بين نظرتي الإهمال والتعالي ضاع الحيوان نفسه من جديد في أوساط امة نهى  نبيها عليه السلام حتى عن حد الشفرة أمام ناظر الشاة كي لا تموت مرتين وهي المعدة للذبح والمخلوقة له، وهو الذي أمر بإعادة فراخ العصفورة لعش أمها المفجوعة بها كما نهى عن قتل الضفدع والنملة والهدهد.


      في الأردن كما في سوريا ودول شمال إفريقيا العربية عاد الاهتمام (شبه الرسمي) بالحيوانات من خلال جمعية (سبانا) أو جمعية حماية الحيوان في شمال افريقيا التي أسستها الإنجليزية (نينا هوزالي) في لندن العام 1923 لتبدأ رحلتها من المغرب فالجزائر وتونس.


وانتظرت الأردن 63 عاماً قبل ان تبدأ الجمعية خدماتها بعدما وقعت اتفاقية شراكة مع وزارة الزراعة (1986-1993) لتقدم خدماتها المجانية للمزارعين ميدانياً من خلال عيادات متنقلة تجوب المملكة مقدمة العلاج الطبي المجاني للحيوانات المصابة أو المريضة ناهيك عن محاولات تأمين الدواء وتقديم النصح والإرشاد بالطرق الصحيحة لتربية الحيوانات.


       وكانت تأسست في الأردن جمعية لحماية الحيوانات في العام 1927 لتخدم ماشية وحيوانات المزارعين في الضفتين قبل ان تموت الجمعية مع من ماتوا في حربي 48 و 67 قبل ان تطرح الفكرة مجدداً على بساط البحث النيابي العام 1970 لوضعها كقانون في التشريع الدستوري الأردني.


       مما نجم عنه صدور مادة قانونية بدون نظام متعلق بها تمنع (القسوة) على الحيوان تاركة للقضاء مهمة معاقبة المخالفين إما بدفع 50 ديناراً أو الحبس لمدة أسبوع. وما يزال القانون ساري المفعول رغم مرونة القسوة وأشكالها وعدم عدالتها أصلا وتخلفها عن الركب العالمي الذي ظهرت فيه العديد من المنظمات والنقابات التي تدافع وتحمي البيئة والحيوان من جنوح الإنسان وطمعه.


      وبجهود ذاتية جمع المهتمون بالجمعية اغلب القوانين والأنظمة المعمول بها عالمياً وتحت أردنتها لتماشي القوانين والتشريعات المحلية لكنها لم تر النور للآن.

 وبعد تخرجه من جامعة حماة (85-89) بعامين وتحديداً في العام 1991 دخل الطبيب البيطري د. غازي مصطفى (1964) قاعة الدفاع عن الحيوان بعدما تسلم في العام 2001 إدارة جمعية سبانا التي يترأسها فخرياً الأمير عاصم بن نايف والتي سبق له ان بدأ العمل فيها فور تخرجه.


وللجمعية المقصرة في حق نفسها تسويقيا وإعلانيا ولو من خلال "الهواتف الضرورية" أصدقاء من المهتمين الذين يتصلون بين الحين والآخر ويتبرعون او يساعدون في حماية الحيوانات ورعايتها وتبرز في طليعة الأصدقاء الأميرتان عالية و زين بنتا الحسين صاحبتا الروح الإنسانية العالية واللتان لا تتوانيان عن حمل الحيوانات المعذبة في سيارتيهما الخاصة وإرسالها للجمعية لتقديم العناية اللازمة لها ناهيك عن اهتمام الديوان الملكي العامر وبعض النواب والوزراء الذين يسبق بعضهم المواطنين في التأسيس لحياة بيئية طبيعية خالية من العنف والعبث بها ليكونون قدوة للمواطنين.


      ووقعت الجمعية في العام 1995 اتفاقية تعاون مع وزارة التربية والتعليم لتأسيس أندية لحماية الحيوان في المدارس بناء على طلب مقدم من المدارس أنفسها التي عادة ما تقوم باختيار ما لا يقل عن (15) طالباً من المهتمين بالحيوان لعمل نواة ناد للمدرسة يشرف عليه أستاذ مشرف تقوم الجمعية بمتابعة عملهم وعمل محاضرات وندوات لأفراد ال 175 نادياً اغلبهم في المحافظات التي تكثر فيها تربية الحيوانات وبالتالي تزيد الحاجة لتعقب آخر المستجدات المتعلقة بها وحمايتها.. ويحمل نحو 3000 طالب أرقام الجمعية وهواتفها للتبليغ عن أية حالة ضرر أو مرض يصيب الحيوان.


      ولا يقتصر التعاون مع وزارة التربية، فوزارتا البيئة والزراعة على اتصال دائم بالجمعية وبينهم اتفاقيات تعاون هدفها الحفاظ على الحيوانات الزاحفة والمجترة والعاملة (كالجمال - خيل - بغال - كلاب - قطط), ولا يقتصر امر حماية الحيوان على ما بداخل المملكة بل ان حماية الطيور المهاجرة التي تمر بالبلاد أثناء هجراتها شمالاً وجنوباً تحظى باهتمام خاص من الجمعية وأصدقائها كي تمر رحلتها بسلام بالتعاون مع جمعية حماية البيئة والطبيعة ورجال الأمن العام والدفاع المدني.


        وعاش الدكتور غازي حياة ريفية في القدس - وتحديداً في قرية قطنة (64-67)- أساسها الزراعة التي كانت عماد الاهتمام بالمعيشة والرزق وقد احتاج لنحو عام كامل كي يحب ويتغلغل في تخصص الطب البيطري الذي اختاره الأب لمحمد (6 سنوات) وفرح (11 سنة) وامجد (3) سنوات ومن هناك بداية فصول رواية عشقه للطبيعة ومفرداتها التي يرى أنها عماد الوطن الذي لا يجدر تجزئته والاهتمام بإنسانه دون العناية بزراعته وحيواناته التي يعُول عليها كثيراً في الزراعة بدليل ان موت أو مرض حيوان ما يعني تأثراً للقائمين عليها والمنتظرين الخدمة منها.


      ويكفي ان تعرف ان الحصان يؤجر للحراثة بـ 18 دينار يومياً وان تكلفة علاجه عالية جدا فأي ضرر سيلحق بصاحبه ان مرض أو مات! وتقدم الجمعية التي تستورد معظم الأدوية الخاصة بالفصيلة الخيلية وتوزعها مجاناً هي ومستلزماتها الرأسية (اللجام) او (وسيلة السيطرة على الحيوان) والبطانيات التي تغطي ما تحت الحمل او الثقل وكذلك الحبال غير الحادة والتي لا تؤثر على رقبة الحيوان.


      ويرى الدكتور غازي ان التعليقات والنكات التي كانت تطلق بين الحين والآخر على المعالج البيطري قد خفت ان لم تكن قد زالت بسبب التطور العلمي والثقافي الذي أصاب الأجيال بمرور الوقت والذي أدى بزيادة سعة معرفتهم حول فوائد الحيوانات التي تؤدي ادواراً مميزة في الطبيعة. فالفضائيات والتكنولوجيا وارتفاع مستوى التعليم قد حسن النظرة للمعالج البيطري ناهيك عن ازدياد الوازع الديني في أوساط الشباب الذين صارت الحكايات المروية من خلال القرآن والحديث الشريف تصلهم فيدركون أهمية الرفق بالحيوان المذكور في نحو (320) آية والعديد من المأثورات وفي طليعتها شكوى الجمل من صاحبه للرسول عليه السلام جراء الحمل الزائد وغيرها من مواريث ترقى بالتعامل مع الحيوان وتوصله لمصاف الرفق والاهتمام به.


      ووصل الأمر بعد تقديم النصح والمشورة بالأضحية لقيام أمانة عمان بتحديد أماكن خاصة للذبح بشروط صحية. وتقدر الحيوانات وفي طليعتها الكلاب الوفية من يعالجها ويهتم بها ويحس المعالج البيطري بذلك أكثر من غيره..

فقد سبق للدكتور غازي أن عالج كلباً تم إطلاق العديد من الرصاصات عليه بواسطة خرطوش وبهذا الصدد يشير "لكل حيوان طريقته الخاصة في الشكر والثناء, فنظرة او هز ذيل او الاقتراب والانحناء أحيانا القيام بإشارات ما لمعالجه تقول له (شكراً)!!


      ويتم استخدام البنج او المهدئ للحيوانات التي تأتي في حالة ذعر واضطراب غالباً اما تلك التي سبق لها وان عولجت او حقنت فهي تعرف المركز والمعالج تماماً كما يؤكد د. غازي الذي يشير الى ان الحصان اقرب الحيوانات للسلوك الإنساني كما تشير الدراسات السلوكية للحيوانات التي يعيش 90% من المفترس منها في حدائق في المحافظات الأردنية ويبقى 10% منها تائهاً ضالاً.


      وتنصح الدراسات أهالي الأطفال كثيري الحركة بتربية حيوان أليف ليزداد إحساسه بالمسؤولية ويتم امتصاص حالات النزق والحركة منه. وتقدم جمعية بروك الخيرية (مركز الأميرة عالية) العلاج البيطري للخيول العاملة بوادي موسى ومعان والطفيلة فيما تقوم (سبانا) بتقديم كل ما تستطيع القيام به لكل الحيوانات.. ولتصبح خدماتها اشمل واعم فقد أقامت مركزاً تعليمياً خاصاً بكلفة نحو 150 ألف دينار هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط بالعام 2002 لتمكن الطلاب والمهتمين بمعرفة الكثير من أسرار التعامل مع الحيوانات.


      وسبق للدكتور غازي ان تدرب في الإسطبلات الملكية أثناء خدمته العسكرية وقد خاض العديد من الدورات التدريبية في لندن وجامعات سكوتلندا العديد من المغامرات مع الحيوانات التي لا يأمن شخصياً جانبها كما حدث مع احد الصقور الذي اخترق الكف الصناعي الواقي الذي يرتديه د. غازي الذي قام بعمل العديد من الأبحاث وإرسالها للجهات الدولية المهتمة والتي نشر اغلبها في مجلات عالمية مختصة.


      ويعمل بالجمعية نحو 26 موظفاً منهم خمس فتيات ويشترط للعمل هناك ان يكون الطالب او الطالبة حائزاً على دبلوم زراعة تخصص حماية حيوان او بكالوريوس بيئة وعلوم ارض او طب بيطري. وينوه د. غازي ان اغلب الموظفين يبدأون عملهم بالجمعية التي تعتبر مركزاً دولياً كوظيفة قبل ان تتحول لحالة حب للعمل مع الحيوان.


      ويحظى الأردن بوجود العديد من الأطباء البيطريين فعلى سبيل المثال هناك الكثير من اعضاء الهيئة التدريسية بجامعة العلوم والتكنولوجيا اردنيين بعدما بدأت الجامعة تدريس موادها بأكثر من 70% من مدرسين من الخارج وبالمجمل فإن عدد الطلاب الدارسين العاملين تجعل طلاب البيطرة ينوف عن 600 شخص باتوا مطالبين اكثر من غيرهم بالمحافظة على البيئة والحيوان قدر اهتمام غيرهم بالانسان نفسه.


مراحل عمل الجمعية


المرحلة الاولى


      في الفترة ما بين 1986م ولغاية 1993م وعبر اتفاقية شراكة مع وزارة الزراعة. واقتصر العمل في هذه الفترة على تقديم المساعدات المجانية للمزارعين ميدانياً من خلال العيادات المتنقلة التي تجوب مناطق المملكة المختلفة، وذلك بتقديم العلاج الطبي المجاني للحيوانات المصابة او المريضة مع ان كلفة علاج الحيوانات تعتبر باهظة التكاليف حيث إن هناك ادوية يجب اعطاؤها للحيوان بشكل دوري، وهناك ادوية خاصة بحالات مرضية او اصابات في ميدان العمل، وفي بعض الاحيان لا تتوفر الادوية في السوق المحلي، فكانت الجمعية تعمل جاهدة على تأمين الدواء من الدول الاخرى المنتجة لها.


      كذلك تقوم الجمعية بتقديم النصح والارشاد للمزارعين في الطرق الصحيحة لتربية الحيوانات من خلال الاتصال المباشر بهم او من خلال النشرات التثقيفية التي توزعها عليهم والتي هي من انجازات الجمعية.


     ولأن القائمين على الجمعية الأم في لندن اقتنعوا بأن الشباب الاردني قادر على القيام بهذه المهمة الانسانية في رعاية الحيوان وحمايته من الاذى من اجل العمل على رفع سوية الأداء لدى الكادر البيطري في سبانا الاردن فقد تم ايفاد العديد منهم في دورات تدريبية متخصصة الى اوروبا لتلقى التدريب الخاص بالحيوانات العاملة.


      فأصبح لدينا كادر نفاخر به على مستوى الاردن في ادائه سواء كان على مستوى الاطباء والممرضين او الكادر الفني المختص في عمليات حذو الخيول وصناعة السروج وصيانتها وصناعة الراسيات والحذوات وغيرها من الادوات الخاصة بالحيوانات العامة.


المرحلة الثانية


       الفترة ما بين 1993 الى 1998م دشنت بإنشاء الوحدة العلاجية الثابتة الأولى كمشفى مختص لعلاج الحيوانات وكان ذلك في العام 1993 في منطقة ظهرة الرملة في لواء دير علا/الاغوار وضم هذا المشفى اقساما عدة منها:

اسطبلات العلاجات العادية وعددها عشر اسطبلات، منها غرفتان لعزل الحيوانات المصابة بالامراض المعدية. فيما يقدم المشفى العلاج والتعذية مجانا.


      في هذه الاثناء كانت الاعمال جارية بإنشاء الوحدة العلاجية الثانية والتي اصبحت المركز الرئيس للجمعية والعيادات الثابتة للعلاج والتي انشئت في وادي السير ويضم المركز ( الجناح الاداري للجمعية وغرفة عمليات رئيسية واخرى للعمليات للحيوانات الصغيرة.كما يضم اسطبلات للإقامة والمعالجة للحيوانات العاملة عددها عشرة اسطبلات، وحظيرة اقفاص لعلاج الكلاب واخرى لعلاج القطط. وكذلك وحدة العيادات المتنقلة.


      وحتى يكتمل الاداء كان لا بد من ان العمل على تصحيح بعض المفاهيم والسلوكيات الخاطئة من خلال خطة تثقيفية وتوعوية للوصول الى الجميع في كافة ارجاء المملكة كان التوجه نحو جيل المستقبل جيل التغيير والبناء عبر تعاون وثيق وشراكة ذات معنى مع وزارة التربية والتعليم التي ابدت تعاونا كبيرا بإنشاء اندية مدرسية لحماية الحيوان في 150 مدرسة موزعة على مديريات التربية والتعليم في المملكة.


      ومن اجل ان يكون العمل بمستوى الطموح تم عقد العديد من الدورات التدريبية وورش عمل للمعلمين والمعلمات المتطوعين للإشراف على هذه الاندية المدرسية لحماية الحيوان بهدف تعزيز دورهم في تقديم المعلومة الصحية للطلبة في مجال حماية الحيوانات والرفق بها.


المرحلة الثالثة


       في الفترة ما بين 1998 ولغاية 2004م . بدأت الجمعية بالتوسع في برنامج العيادات البيطرية المتنقلة حيث عملنا على تغطية مناطق جديدة باتجاه محافظات الجنوب في الكرك والطفيلة ومعان والعقبة هذا الى جانبب الاستمرار في تلبية طلبات المناطق المحيطة بالعاصمة ومناطق محافظات الشمال.


        وفي الوقت نفسه تم التوسع في تقديم الخدمات البيطرية في العيادات الثابتة وتجهيز غرفة العمليات الصغرى في المركز الرئيسي بشكل يسمى بأقصى درجات التعقيم كما تم التعامل مع العديد من الاحتياجات الناتجة عن ازدياد عدد الحيوانات التي تم معالجتها من خلال توفير المأوى والغذاء وعناية من كادر بيطري مؤهل ومختص.


         وكان الكادر التثقيفي يرافق كل هذا التطور في زياراته الميدانية للأندية المدرسية لحماية الحيوان في مدارسهم وتقديم المعلومات من خلال المحاضرات والافلام العلمية واللقاءات المباشرة للمزارعين ولكي تكون درساً عمليا لأبنائنا المتطوعين في الاندية المدرسية لحماية الحيوان.


        وكانت الاعمال تجري على قدم وساق ليل نهار بإنجاز اول مركز تعليمي لحماية الحيوان في المنطقة بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم لأغراض تدريب الطلبة بطرق تربية الحيوانات والعناية بها وحمايتها من الاذى وذلك عن طريق التعامل المباشر مع الحيوان والمشاهدة والاستمتاع.

تصوير أسامة الرفاعي وساهر قدارة

التعليق