حوار نقدي حضاري لمثقفين عرب وأجانب (في عالم عبد الوهاب المسيري)

تم نشره في الاثنين 24 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً

     القاهرة  - لم يحظ كاتب مصري في حياته بتكريم كالذي توجه به مفكرون وكتاب عرب وأجانب في الآونة الأخيرة إلى الكاتب المصري عبد الوهاب المسيري مؤلف موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) وترجم عمليا في كتاب من 1130 صفحة.

     والكتاب الذي أصدرته دار الشروق بالقاهرة في مجلدين من القطع الكبير حمل عنوان (في عالم عبد الوهاب المسيري.. حوار نقدي حضاري) ويعد محصلة لدراسات كتبها أكثر من 80 مؤرخا ومفكرا عربيا وأجنبيا ينتمون لمعظم التيارات الفكرية من ماركسية وليبرالية وإسلامية عن المسيري وأفكاره وإنتاجه الغزير.

      ففي مقدمة المجلد الأول قال الكاتب المصري محمد حسنين هيكل إن الكتاب "رد تحية واجب. المسيري أحيا عصره وزمانه وأمته بعمل جامع قدمه للمكتبة العربية على شكل موسوعة كاملة عن (اليهود واليهودية والصهيونية).

     "إذا كانت موسوعة عبد الوهاب المسيري تحية للعصر والزمن فإن هذا الكتاب بجهد وقيمة المشاركين فيه رد تحية لرجل أعطى أحلى سنوات عمره حاملا عبئا علميا وبحثيا وتنظيميا وماليا اقتص ضرائبه من شبابه ومن صحته ثم جاء هذا العمل الموسوعي يطغى ويزيح ويفرض نظامه الحديدي على رجل أقبل عليه ورضي بمسؤوليته بحماسة شديدة وبحب."

      وأشار هيكل إلى أن العقل والفعل العربيين كانا "في حاجة إلى هذا المرجع لقيمته المعرفية أولا ولقيمته السياسية ثانيا والسبب أن هذا المرجع كشاف قوي موجه باتساع كبير وتركيز شديد إلى ساحة دار عليها صراع من أخطر وأعنف ما عرفته الأمة العربية طوال تاريخها وهو صراع انقضى من عمره حتى الآن قرن بكامله."

      وحرر الكتاب أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة أحمد عبد الحليم عطية الذي شدد في مقدمة المجلد الأول على أن الكتاب "حواري نقدي حضاري يسعى إلى تأسيس تقاليد للحوار الفكري في ثقافتنا العربية المعاصرة التي منيت في العقود الأخيرة بآفة الصوت الواحد والرأي الواحد والذي عادة ما يكون صوت السلطة ورأي التراث والتقاليد."

      وأضاف إن المشاركين في الكتاب يؤمنون بقيمة الجهد المعرفي في أعمال المسيري  وبعضهم يختلف معه ولكنهم يشاركون في "تأسيس وعي سياسي وحضاري عربي بمشكلاتنا  وعلاقاتنا بالغرب وبمواجهتنا للصهيونية." ويتناول المجلد الأول الإطار النظري لأفكار المسيري واجتهاداته التحليلية النقدية مع التركيز على القضايا التي عنيت بها الموسوعة مثل (الفكر الصهيوني) و(الشخصية اليهودية) و(الصلة بين الصهيونية والنازية). أما المجلد الثاني فيضم (دراسات وشهادات) عن اجتهادات المسيري.

      المسيري الذي اشتهر بدراساته عما يطلق عليه الظاهرة الصهيونية كان يعمل أستاذا للأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس المصرية بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة  رتجرز الأمريكية عام 1969 عن دراسته المقارنة بين الشاعرين الإنجليزي وليام  ووردزورث (1770 - 1850) والأمريكي والت ويتمان (1819 - 1892).

        وكتب المسيري عددا من الدراسات عن اليهود وإسرائيل والصهيونية خلال أكثر  من ثلاثين عاما منها (نهاية التاريخ.. مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني) عام  1972 و(موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية.. رؤية نقدية) عام 1975. وآخر أعماله موسوعة ميسرة عنوانها (اليهود واليهودية والصهيونية) في مجلدين يلخصان موسوعته التي صدرت بالعنوان نفسه عام 1999 في ثمانية مجلدات.

       وفي الكتاب التكريمي يقول المؤرخ الأميركي كافين رايلي تحت عنوان (مفكر عربي  في سياق عالمي) إن المسيري يقف "في مصاف المنظرين المبدعين في مجالي الدين والمجتمع جنبا إلى جنب مع أسماء مرموقة من قبيل ابن خلدون وماكس فيبر وإميل دوركهايم."

      وقال إن المسيري أثناء عمله مستشارا ثقافيا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 - 1979) نشر في الولايات المتحدة بالإنجليزية عام 1977 كتابه (أرض الميعاد.. في نقد الصهيونية السياسية)  كاشفا "الأصول المعادية للسامية لدى الحركة الصهيونية وبرنامجها.

      "كثيرا ما حملت كتاباته صفات نبوئية ففي أوائل السبعينيات كتب عن (نهاية التاريخ) بوصفها جوهر الصهيونية وكان ذلك قبل ما يربو على عقد من السنوات من استخدام فرانسيس فوكوياما لهذا المصطلح الذي جعل من (نهاية التاريخ) مجازا للسياسة الحديثة."

 وكافين رايلي الذي يرأس جمعية دراسات تاريخ العالم بالولايات المتحدة هو مؤلف كتاب (الغرب والعالم) الذي صدر في مجلدين عام 1985 عن عالم المعرفة بالكويت بترجمة هدى حجازي وعبد الوهاب المسيري.

        ويسهل وصف كثير من الشهادات والدراسات بأنها تكريمية ذات طابع إشادي يسعى إلى مدح المسيري إذ يصف أفكاره ولا يشتبك معها. فعلى سبيل المثال قال مصطفى حنفي الأستاذ بكلية الآداب جامعة تطوان المغربية إن موسوعة المسيري "تعي أبعاد الوعي التاريخي بقضايا المنهج والتفسير الذي تتجرد له فهي تسهم في تكسير طوق التبعية للنماذج الاختزالية الغربية."

         وانتبه الباحث المصري ياسر علوي إلى خطورة المبالغة بالحفاوة بالمسيري الذي وصف دراساته بالتعدد والثراء. وحذر من تحويل فكره إلى "مجرد أيقونة نتبرك بها" مشيرا إلى أن المسيري الذي حذر من مضار المناهج الاختزالية في التعامل مع الأشخاص أو الأفكار يوشك هو نفسه أن يكون ضحية لها. 

      وأشار علوي إلى أن رد الفعل "الصاخب تجاه صدور الموسوعة في الدوائر العلمية والسياسية على حد سواء اتخذ شكل الجوائز التقديرية ومؤتمرات التكريم والمقابلات التلفزيونية التي ركزت على تفرد الموسوعة وقرظت صاحب الجهد المذهل الذي سبح ضد تيارات اليأس والانهزامية وأتى بما يعد ضربا من المستحيلات وما إلى ذلك من عبارات المديح والثناء." 

        وأوضح أن كثيرا من ردود الفعل ركزت على "التفرد المصطلحي والمفاهيمي للمسيري وعلى أهمية بناء نسق علمي مستقل تماما عن الفكر الغربي" مشددا على أن التكريم الحقيقي "لا يكون بالتقريظ والمدائح المرسلة وغيرها من وسائل القتل احتفاء وإنما بالتحاور اتفاقا واختلافا مع المقولات التي يطرحها هذا الفكر الجديد."

       وعلى الرغم من وصف المفكر المصري محمود أمين العالم موسوعة المسيري بأنها حدث ثقافي تاريخي ضخم فإنه ألمح إلى أنه "يفسر القضايا والمفاهيم الفكرية تفسيرا فوقيا متعاليا مجردا دون محاولة للغوص في جذورها وسياقاتها الموضوعية."

       وأضاف العالم أنه يكاد يتبين في المقدمة النظرية للموسوعة التي اعتبرها "وبصرف النظر عن موضوعها الخاص باليهود واليهودية والصهيونية أضخم وأعمق جهد فكري اطلعت عليه في المحاولات المبذولة التي تسعى لتأسيس ما يطلق عليه مشروع أسلمة المعرفة في كل فروعها."

      وفي رأي العالم أن مشروع أسلمة المعرفة "لا يقدم خيرا لا للإسلام ولا للمعرفة. بل أخشى أن يكون مدخلا لأسلمة السلطة فالمعرفة سلطة." 

 
 

التعليق