"مصابة بالوضوح"" اقصى حالات الاصغاء لبوح الذات

تم نشره في الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • "مصابة بالوضوح"" اقصى حالات الاصغاء لبوح الذات

عرضت في مركز الحسين الثقافي في اليومين الماضيين

 
عمان - تبوح الممثلة ساندرا ماضي لعين الكاميرا السينمائية الراسخة فوق الخشبة جاعلة منها مرآة لذاتها, وتتداخل الشخصيتان في مسرحية سوسن دروزة الاخيرة "مصابة بالوضوح" تأليفاً واخراجاً, شخصية ساندرا وشخصية الكاميرا (تتعامل ماضي مع الكاميرا كما لو انها انسانة من لحم ودم, تناصبها العداء احياناً وتقف في احيان اخرى حائلاً بينها وبين ايغالها في الكشف والبوح) وفي التداخل الذي يتناوب صعوداً وهبوطاً تجسد ماضي حالات المرأة المطعونة بضبابية الواقع وضغط اللحظة, ويصير هاجس تلك الشخصية التائهة على امتداد المساحة التي اختارتها متنفساً لنوبات كشفها البحث عن افق حرية ممكن البحث عن تلك الحرية المنشودة يدفع ساندرا (وهذا هو اسم الشخصية في العمل) الى ارتكاب حماقات صغيرة،  وفعل كل ما يحلو لها بدءاً من التسوق غير المسؤول وليس انتهاء بالبحث عن حبيب غائب بين ارتال الدبابات وتحت دوي الرصاص, وفي قلب رائحة الموت ولون الدم المسكوب فوق ارض واقع لم تعد تحتمله ووصلت الى حالة اشباع من الترميز والتلفيز والانضباط الاجتماعي القيمي اوصلها الى الجهة الاخرى تماماً, درجة الوضوح القاسي والكشف الموجع"كل القصة بدأت لما اكتشفت انه انا مش انا،  كل القصة بدأت لما قررت ان اكون انا".

ويعكس العرض الذي قدم اول من امس على مسرح مركز الحسين الثقافي بحضور امين عام وزارة الثقافة احمد الخوالدة رغبة الانسان  المقدسة "ذكراً كان ام انثى" بالتطهر, والاغتسال من ادران الواقع وهشاشة الكلام الذي لا يشبهنا كثيراً ونضطر دائماً الى الاتكاء عليه لنكون كما يريد الاخر, وكما يشترط الواقع الاجتماعي الثقافي السائد.

تمثل المسرحية التي ادار شؤونها محتسب عارف  وصمم ديكوراتها التشكيلي محمد لجالوس واضاءتها ماجد نور الدين وازياءها هدى طباع وقدمت موسيقاها واغنياتها كاميليا جبران مشهد مواجهة طويلة مع الذات, في لحظة تاريخية, انبتت جذورها (ضياع شجرة المشمش وخروجها من دائرة التوثيق), وتمثل اقصى حالات الاصغاء لصوت الذات الداخلي, والبحث عن صورة مختلفة نستطيع ان نقنع ارواحنا المتعبة بقيمتها وجدواها.

تأثر اداء ماضي هذه المرة (عرضت المسرحية قبل ذلك في مهرجاني دمشق والمسرح الاردني) باصابتها اضافة للوضوح بعارض صحي عكسه ذبول صوتها قليلاً, ولان العرض من صياغتها الدرامية فقد منحت نفسها في عرض مركز الحسين مساحة اكبر مما كان في العروض السابقة, فأعادت  مقاطع لم تعدها من قبل, وغيرت في مشاهد استخدام المكبر الصوتي, وفي مستوى الخطاب المترافق مع هذا الاستخدام, وزادت بعض المفردات, واجمالاً فان اي تغيير يجترحه المخرج او الممثل على مشاهد عمله من  حين لآخر يبقى في اطار التجريب والمحاولة والتعلم من الاخطاء والعثرات, الا ان يدخل ما اقترحته ماضي من تغييرات قليلة على السياق العام للعرض, في اطار افتراقات مفترضة بين رؤيتها وبين رؤية دروزة صاحبة النص والفكرة والاخراج.

قفلة العرض (المشهد الاخير فيه) جاء اقوى من كل سابقاته وحمل تصاعد توتر عالٍ شدت ماضي خلاله انتباه الحضور الذين بلغوا زهاء المائة, ورفعت عبره طاقة التلقي ليجيء تحويل نقطتي الاضاءة الرئيسيتين باتجاه النظارة وقطع ماضي لوريد الكاميرا محملاً كمشهد انتهاء بأقصى مستويات الترميز والدلالة.

التعليق