تحنيط التراث: التراث باعتباره شاهداً ليس إلا

تم نشره في الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً

    لا يزال ضروريا القول إن "العقل العربي" (إن جاز استعمال هذا المصطلح) مسحور بماضي الأجداد لدرجة أنه ينشغل به عن واقعه ومستقبله.

    من "تقليعات" التعاطي مع تراث العرب والمسلمين، ما يذهب إليه "مفكرون" من البحث عن جذور لأفكارهم ووجهات نظرهم الجديدة من داخل التراث، أي البحث عن قول أو فكرة قال بها أحد العلماء السابقين (وهذا قد ينتمي إلى مرحلة تبعد عنا ألف سنة تزيد قليلاً أو تنقص) تشبه –نوعاً ما- الفكرة التي يقول بها هذا المفكر المعاصر، ليتخذ من ذلك دليلاً على أنه يمثل استمراراً وامتداداً للأفكار أو المذهب الذي كان يمثله ذلك التراثي، مكسباً بذلك فكرته الشرعية.

     ولنا أن نلاحظ أن أكثر من يتخذ هذا المنهج في تبرير أفكاره، إنما يكون همه مطابقة الأفكار المعاصرة، خاصة الآتية من تجربة الحداثة الأوروبية- الغربية وما بعدها، مع الأفكار التراثية (المسماة أفكاراً إسلامية)، كمحاولة البحث عن جذور للعلمانية في "الإسلام" (أي في التراث)، أو للعقلانية أو لغيرهما، بحيث يصل إلى نتيجة مؤداهما أن تلك الأفكار لا تتعارض مع "الإسلام"!

     وإذا كانت المشكلة الكبرى في هكذا نهج إنها تتعارض و"العلمية"، لأنها تنطلق من قناعة مسبقة وتبحث لها عن تبرير، بدل أن تبحث في المعطيات حتى تصل إلى النتيجة بحيادية، فإن "الخدعة الكبرى" لهذا النهج تتمثل في عدم فهم رواده لإمكانية تطور الفكر الإسلامي مع الزمن بشكل مستقل، بحيث يتواءم في كل مرحلة مع ظروف وأحوال وحاجات المسلمين دون أن يكون بحاجة للتطابق مع الأفكار السياسية- الاجتماعية- الاقتصادية السائدة عند الأمم المعاصرة الأخرى، والتي يسعى هؤلاء المفكرون لتبرير تطبيقها عندنا كما هي عند الأمم التي ابتكرتها.

      لقد ابتكرت تلك الأمم هذه الأفكار بما يتناسب ومستوى تطورها من جهة وحاجاتها الموضوعية من جهة ثانية، وإذا كان من غير الضروري رفض تلك الأفكار لمجرد أنها قادمة من عند آخرين (في حالة أنها كانت مناسبة لكل من درجة تطورنا وحاجاتنا الموضوعية) فإنه ليس ضرورياً أيضاً إجهاد النفس في تبرير استخدامها كما هي، والبحث عن أصول لها "عندنا" أي في تراث أجدادنا وتجاربهم التاريخية!

      أما لماذا لا يقبل أكثرنا الأفكار الجديدة إلا إذا كان لها "أصل" في تراث الأجداد، فذلك لأن تبعات الانحطاط الحضاري الذي نعيشه أوجدت في اللاوعي العربي اعتقاداً مفاده أن كل قديم هو زاه وجميل و"منتصر" (لأن المسلمين قديماً كانوا منتصرين على كل تلك الأمم الأخرى) وكل جديد هو محدث ومبتدع و"مهزوم"، وهكذا فإن الأفكار لا تكون ذات شرعية في عرف ذلك اللاوعي إلا إذا كانت تراثية قال بها الأجداد، فالتراث هو مصدر الشرعية والمعاصرة هي مصدر الزيف والبدع، وبالتالي هي سبب الهزيمة أو سبب غضب الله وحرمانه إيانا النصر!

      إن تطوير الفكر الإسلامي بشكل مستقل، بحيث يجمع ثنائية الإسلامية والمعاصرة (معاصرتنا نحن لا معاصرة تقليد الآخرين) يستوجب أولاً إبراز فكرة "تحنيط التراث" وتعزيز قيمتها كضرورة ملحة لمغادرة التخلف وللنهضة على أساس الإسلام الذي هو صالح لكل زمان ومكان كما هو معلوم للمسلمين. إن معنى تحنيط التراث ليس إلغاءه، وإنما تثبيته في زمانه والحيلولة دون أن تكون له الفاعلية واليد الطولى في زماننا المعاصر، وهي الفاعلية التي تجعله شرطاً للشرعية، فإذا تم تثبيته، صار قصصاً تروى وحكايات جميلة يُستمع إليها، فقط لا غير، دون أن يكون مصدراً للشرعية وأداة للتبرير.

     وفي حالة البحث عن "أصل" للأفكار الجديدة في التراث، فإن ما في التراث قد يتطابق أو يتشابه فعلاً مع الأفكار الجديدة التي يقول بها الفكر الإسلامي الجديد أو التي تقول بها الأفكار المستمدة من الثقافات المعاصرة الأخرى، لكن ذلك لا يكون دليلاً على شرعية الأفكار الجديدة، وإنما مجرد شاهد على أن القدماء كانت لديهم أيضاً مثل أفكارنا، وأنهم كانوا يختلفون ويجددون أفكارهم، فيكون ذلك شاهداً ممتعاً وملفتاً.

     وفي الأحوال كلها، فإن اختلاف السابقين فيما بينهم وتجديدهم للأفكار، أو عدم قيامهم بذلك، ليس شرطاً أو ضرورة لقيامنا بالعمل نفسه، فسواء فعلوه أم لا فإن علينا أن نقوم بما يناسبنا نحن ويخدم حاجاتنا. تحنيط التراث يحررنا مما لا يلزم، ويحوله من مصدر للشرعية يعطل نهضتنا، إلى شاهد على إمكانية التغيير (لا على مضمون التغيير) ليس إلا.
www.jowriters.org/writers/samer

التعليق