فالانتاين: قصص جامحة تريد مسابقة النقد والفكر

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • فالانتاين: قصص جامحة تريد مسابقة النقد والفكر


احداهن سألت "مارك توين" عن السبب الذي يدفع الناس لقراءته, دون اي احساس بالملل؟ فقال لها:


- ذاك سر المهنة, واذا اخبرتك به سيعرف الجميع كيف اكتب, وعندها سيكون هناك المئات من مارك توين في هذه المدينة. وجاء في حوار طريف مع "جورج برناردشو" عن سؤال: كيف تكتب؟ فقال:


- انا لا اجلس وراء مكتبي الانيق كما يفعل "اناتول فرانس" واقول سأكتب الان قصة قصيرة او رواية او مسرحية بل اشعر بشيء يقرصني في الطريق او في البيت اعرف من نوع "قرصته" ان كان مسرحية او مقالة او رواية او قصة قصيرة.


اعتقد ان كاتبنا العربي عموما لا يشبه مارك توين ولا جورج برناردشو في اي شيء, فهو مفضوح تماما في سر مهنته, بل, ويعترف بهذا السر في اول حوار مع اية حسناء تطلب منه كلاما لجريدتها, والكاتب العربي لا شيء "يقرصه" في البيت او الطريق ومن العيب طبعا ان يعترف بذلك اذا ما حصل, ذلك ان القرصة تعني شيئا يمس رجولته.


وارى في قصص كاتبنا المبدع "سليمان الازرعي" بعض طرافة برناردشو وبعض اصرار مارك توين على كتمان سر مهنته, ذلك ان قصصه تأتي على مستويات مختلفة, والمسافة شاسعة بين قصة واخرى, حتى كأنك تقرأ لكاتبين وليس لكاتب واحد, وهذا يعني بالضرورة انه يكتب احيانا وراء مكتبه بعد ان قرر كتابة "شيء ما" ومرة ثانية "يقرصه" شيء في البيت او الطريق يفرض عليه كتابة "قصة قصيرة".


وحين انتهيت من قراءة مجموعته المسماة "فالانتاين" التي احتوت على 14 قصة, وجدت بينها سبعا تحتاج مني الى قراءة ثانية, والبقية كتبها المؤلف الثاني الذي انشطر عن الكاتب الاول بعدما كانا ذات يوم تحت اسم موحد هو سليمان الازرعي.


في قصة "العاصمة" نقرأ ذاك التصادم الابدي بين اخلاق القرية واخلاق المدينة, بين العشب والصخر, بين البساطة والتحضر, بين الفضاء المفتوح والمكان المغلق, في ذاكرة طفل رأى اباه في حالة اذلال, حيث المخيلة تمضي لصنع الاعاجيب عن العاصمة التي "تبلع" كل شيء, ثم الصحو على صورة  "الغولة" التي سمع الكثير عنها, وها هو ثانية يعود الى "ضحكات السهل وتموج السنابل حيث تلوح القرى من بعيد وهي تتسلق  التلال الناتئة تتسابق للوصول نحو القمة" في وداع صارم مع المدينة التي اذلت اباه, وهي واحدة من افضل قصص المجموعة, اهداها باصرار الى ابن قريته الاديب القاضي "ماجد غنما" الشاهد الثاني على حوار العشب  والحجارة.


وننتقل من قريته الى صوت "فيروز.. وللصوت وقع آخر" اذ يؤكد سليمان  الازرعي في هذه الحكاية انحيازه الى الفكر والنقد اكثر من انحيازه الى عالم القصة, وهي ليست القصة الوحيدة التي تشير الى رغبته في الحوار, لا سيما وان بطله يقرأ هيغل وعلي بن ابي طالب وميكافيللي وابن خلدون, وهذه المرة يناقش اغاني فريد الاطرش وام كلثوم وفيروز, يصف ام كلثوم بانها جرعة اضافية من الافيون لامة العرب, ويقول البطل عن فريد  بانه "سخيف واغنياته سطحية برغم صوته الجميل".. اما فيروز فهي تغني لهم, ويعني بذلك سجناء المعتقل الصحراوي, وان ما تقوله في اغنية "سوف احيا" تأكيد على ضرورة البقاء مهما كان الثمن.


كل هذا يدور داخل سجن كبير تعرف ان مصير كل واحد  فيه يتقرر بالمزاج وليس بالقانون ما دام "الرعيان في واد والقطعان في واد آخر" على الصفحة 23 وهذا السجين يكرر دائما: ان خصمك فيك, وحليفك اعمى يتخبط بحثا عنك لكي يضع يده في خناقك وان المطربين على نوعين: فنان مع الحياة والتطور وآخر ضد الوعي والتقدم, يقول السجين هذا الكلام بين بقية المعتقلين حتى يتذكر كل واحد  منهم بانه يقرأ هيغل  وميكافيللي.


ثم نعود الى القرية ثانية مع قصة "البشعة" المهداة الى روح غالب هلسا, وهي قصة جد طريفة عن شخصية ريفية تؤمن باخلاق القرية, وافعال هذه الشخصية جعلتها اسطورة بين بقية العشائر, وطبيعة السرد في هذه القصة ترجع بنا الى اساسات البنيان القصصي في خمسينات القرن الماضي, فالحكاية واحدة من اصعب الفنون, وليس بالضرورة ان نطلق عليها صفة القصة القصيرة حتى نحقق البهرجة في المسميات, وانا شخصيا اكتب صفة "الحكاية" على عدد ليس بالقليل من قصصي, وكذلك الحال مع خورخي لويس بورخس في قصصه جميعها.


في قصة "س"  يفضح الكاتب بعض اسرار الدراسة في جامعة اهلية, فانت مهما كان مستواك الثقافي لست سوى "س" نكرة بالنسبة لرئيسها, عليك ان تنصاع وتفعل كل ما يطلبه منك, وعلامات "ابنة البيك" تحتاج الى زيادة, ولما رفض استاذها زيادة درجاتها, رأى تحت باب غرفته ابلاغا بالطرد.


وكما نرى, فبعض القصص اخلاقية, يرسم الازرعي مسارها بدقة وعن تجربة دون فبركات لغوية فائضة, وبعضها ساخرة وطريفة تدفعك الى التأمل في واقع الحال العربي, ويمكنها ان تكون "حكايات" من النوع الذي ينقل شفاهية من شخص الى آخر, تبقى في الذاكرة اطول من بقاء القصة القصيرة, تماما كما هو الحال  مع سحر  النكتة التي تصل الى مئات الناس بسرعة لا تصدق, وقد ورد اسم "شرلوك هولمز" على انه هو اللص الظريف, والصحيح هو "آرسين لوبين" الذي كتب  قصصه الشهيرة "موريس لبلان".


ومن القصص المهمة, تلك "الجمجمة" التي تتحرك شمالا وغربا, جنوبا وشرقا, بينما الناس في خوف عظيم ان تكون جمجمة ولي صالح, وكاد يفشل مشروع بناء مدينة جديدة على ارض المقبرة القديمة, ما دامت ارواح الاسلاف تعترض.. ويظهر اخيرا وجود فأر مذعور داخل تلك الجمجمة كان هو السبب طبعا في انها تتحرك.


سليمان الازرعي يأتي بمضامين مبتكرة  ومدهشة حقا, اسلوبه يتنوع ويختلف من قصة الى قصة لئلا يصاب قارئه بالملل من تكرار النوع, ويحقق باسلوبه طفرة نوعية في مشروعه القصصي, ذلك ان مفرداته وتعابيره وتركيب الجملة لديه مرصود "كل هذا" بعين الناقد الذي يرى, واظنه ليس بحاجة الى "قرصة" جورج برناردشو  حتى يكتمل المشهد.


ونصل بعد ذلك الى "دوائر ام العبد" وهذه المرة عن فلسفة الموت ورحلة الغياب الرهيبة تدور في رأس صبي يراقب اباه الذي يحتضر في المستشفى, وفي الذاكرة حكاية ام العبد التي عادت من الموت وراحت تقص الغرائب والعجائب عما جرى لها في عتمة الابدية, تقول: ادخلوني الى قلب طابة مظلمة اسبح في داخلها بخفة دون ان ارى شيئا, رحت اخمش بأظافري واكتشفت ان تمزيق الجدار ليس  بالامر الصعب, وسرعان ما خرجت من تلك الكرة الحادة, لكن دخلت الى كرة ثانية اشد ظلمة واختناقا, وهكذا خارت قوتي, رحت اصارع ببطء لمقاومة الجدار المطاطي المرن, ثم استسلمت بعدها لغفوة الموت المبهمة ولم اعلم انني اخترقت اصغر  كرات الظلمة التي تحيط بي وانني مقبلة نحو عالم النور.


قصة مهمة, منسوجة بهدوء وبتقنية جيدة, مسلسل الموت الذي سيبقى وحده حدث الليل والنار والساعات, والذي برغم طوله على طول حياتنا بات مألوفا ولا يخيف الا من يفكر فيه.


ثم نذهب مع قصة "الدرن" وهي فانتازيا عن ادران تحتل الجسد ولها اشكال اميبية خادعة ومقرفة, حتى اذا ما اراد التخلص منها - بضربها بالسكين - اكتسبت ملامح آدمية تكرر  كلمة  "بابا" لتهزأ منه, ويبدو ان هذه القصة عزيزة على ذاكرة المؤلف, فقد احتلت غلاف الكتاب الاخير, وجعلها في اول مجموعته وهيأ لها مناخا فلسفيا يليق بها.


اما قصة  "مباراة" والتي نعرف من عنوانها انها مباراة في كرة القدم بين اسبانيا ورومانيا مع حزمة من المعلومات عن البلدين وما جرى فيهما من ويلات وقتل وحروب اهلية, في حوار بين اب وابنه, والغريب في قصص سليمان الازرعي هو المسافة التي يقطعها بين  فكرة واخرى, فكاتب هذه القصة هو نفسه من كتب "العاصمة" او "دوائر ام العبد" مع انها ازدحمت بالشاعر لوركا ورافائيل ألبرتي وبيكاسو وقد اصابها ضرر من الجنرال فرانكو  ومن وحشية تشاوشسكو وغيرهما من الطغاة, فالقصة تكون غنية بزواج المضمون مع الشكل, اما المعلومات بين شعابها فهي اطار اضافي قد ينفع حينا وقد ييكون سببا في كسر اللوحة حينا آخر.


اما "عولمة" فهي قصة عن صراع الحضارات بين الشرق والغرب,  عن انسانية العربي وتسامحه وكرمه, وعن منطقية الشخص الغربي وصرامته وحفاظه على مصالحه الخاصة, حتى الآباء هناك في اميركا واوروبا يستأذنون اولادهم عند زيارة احفادهم ويطلبون منهم المواففة على تلك الزيارة قبل صعودهم الطائرة او القطار, بل ويدفعون كلفة الزيارة زائدا الضرر الذي "قد" يسببونه من وراء اشتياقهم "هذا"!!


بينما العربي يمضي  لزيارة من يشاء في اي وقت يشاء حتى دون استئذان او  اشعار بتلك "الزيارة" المفاجئة, وكأن الامر لا يستحق ان يناقش بين الطرفين ما دام الثاني يفعل نفس ما يفعله الاول, ولا غرابة في ان يتبرع الرجل الغربي بثروته الى الكلاب او القطط  ويمنعها عن اولاده "انتم في الشرق متخلفون, حتى صراعاتكم الدولية تحل في سياق الصفح والتسامح والتنازلات واستذكار علاقات القربى وحسن الجوار, ولهذا تهزمون في كل معارككم الكبرى, فأنتم لا تفهمون ان المصالح هي الاساس"  صفحة .35


قصة "فالانتاين" التي حملت اسم المجموعة, تحكي عن عيد الحب وشراء الورود الحمراء للزوجة او الخطيبة او المعشوقة, وكان تركيز القصة على ثمن الورود "سعرها غير معقول في مناسبة كهذه" مع ان ما يشغل بطل القصة ليس عيد الحب, بل عيد العمال العالمي وذكرى ثورة اكتوبر ويوم المرأة, حتى اذا جاء ذلك على حساب عائلته.


اما قصة "إيسى.." فكان يمكنها ان تكون اكثر طولا, وهي تذكرني بكتاب علي امين "أفكار للبيع" حيث يأتي على جملة افكار كلها صالحة لصياغة قصة قصيرة او رواية, وهو نفسه ما فعله سليمان الازرعي مع هذه القصة التي تحكي  عن عائلة يموت جميع اطفالها قبل ان يصل الواحد منهم ثلاثة اعوام, لكن "ماما دبلانك" الراهبة الطليانية تأخذ الطفل الاخير الى حضانتها وتعطي وعدا وعهدا "ان يعيش بخير مثل اي طفل آخر" وفعلا يعيش عيسى او "إيسي" حتى يلتحق بالدراسة في ارض الشام حيث مضت منذ سنوات "ماما دبلانك" الى هناك بعد ان قالت له:


- لا أستطيع ان اراك غير إيسى.
وهنا تكمن الدلالة والمغزى, فالسنوات مهما طالت يبقى احساسنا مع ذاك الطفل هو نفسه حتى اذا صار اطول منا.. وهنا يبكي عيسى بعد ان غدا رجلا يعرف معنى البكاء والحزن والفرح "صفحة 76" دون ان يعرف لماذا يبكي ولماذا يحزن ولماذا يفرح, لكنه سيفعل كل ذلك امام ذكرى اخوته الذين ماتوا ولم يعثروا على امرأة عظيمة مثل ماما دبلانك.


بينما الحال مع قصة "الحرام" مختلف تماما, وهي قصة جميلة حقا, عن لص يدخل بيت امرأة عانس ليسرقها, لص من نوع اللصوص الذين قرأنا عنهم في حكايات الاسلاف وألف ليلة وليلة, فقد دخل ليسرق "طبعا" لكنه خرج من المنزل باكيا, بعد ان رأى العانس مع طفلة طيبة اعطته النقود وهي ترجوه, بل تتوسل اليه ان يقضي الليلة عندهم, فهي لا تعرف انه جاء ليسرق, حتى انه اعاد المبلغ كله صباح اليوم التالي وما يزال "يبكي"!


في كتابة القصة القصيرة والرواية, مسموح كل شيء بشرط ان تقنع القارئ بما تريد, وهذه القصة بأسلوبها تمكنت من سحب القناعة الى قارئها برغم الخيال الطافح في مضمونها.


اما "السن" فهي قصة قصيرة جدا عن شيخ عجوز تتساقط اسنانه, حتى لم يبق في فمه الا سن واحد, حيث يهجره  الابناء, تزوجوا وغادروه, ولم تبق معه الا ابنته الصغرى "ايمان" والتي بدورها تكبر وتتساقط جميع اسنانها ولم يبق عندها سوى سن واحد منخور "في اشارة الى ابيها القريب من الموت" اراد بذلك الكاتب ان يحقق بديلا موضوعيا لفكرة عن البشر وهم جميعا في الطريق نفسها الى النهاية والموت.


اما اخر قصص المجموعة "النعي" فهي تريد القول ان حرية التعبير تحتاج الى زمن يطول حتى تتوفر, وذلك عبر حوار يأخذ القصة الى مسارات متفرقة, في اشارة الى كثرة النفوس الضعيفة وقلة النوع الثاني, لا سيما وان عنوان الجريدة التي يعمل فيها بطل القصة هو "منبر الحياة" التي صدر بها قرار الغلق دون ان تنشر عنها بقية الصحف حتى كلمة "نعي" ونسمع بعض الحوار بين بطل القصة ورئيس التحرير قبل اغلاقها.


- قلت يسعدني ان تستمر منبر الحياة, لكن ليس على حساب القضايا الكبرى, وسيتلوها في حالة استجابتنا الخطوة التالية اذ نتحول الى قاطعي فتاوى ومن ثم مروجي بضاعة فاسدة ص.105


والذي يقرأ كتابات سليمان الازرعي "تحديات الفكر والثقافة العربية"  او "فلسطين في الرواية الاردنية"  او "مواقف في الشعر الاردني الحديث" سيعرف ان القصة القصيرة جاءته متأخرة "وجامحة" تريد ان تسابق النقد  والفكر والمعلومات, وهو في مسعاه  الى ترويضها حتى تستجيب له كما فعل في قصصه التي قرأناها في آخر اعماله "فالانتاين" وبخاصة  "العاصمة" و"دوائر ام العبد" و"البشعة" و"الجمجمة" و"الحرام" ودعونا نتذكر انه خير "ناقد"  لنفسه حين يكتب.


* فالانتاين. قصص قصيرة. تأليف سليمان الازرعي. دار  الكندي للنشر والتوزيع. اربد. الاردن 2003

التعليق