الموز فاكهة الفلاسفة.. يصنعها المحترفون

تم نشره في الثلاثاء 4 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • الموز فاكهة الفلاسفة.. يصنعها المحترفون

    عمان - يرتبط الموز في الذهنية الفكاهية الشعبية بأمرين أولهما أنه يسبب التزحلق في الطرقات والثاني أن وجوده يوحي بوجود القرود والغابات، على الأقل في خيال متابعي مسلسلات الكارتون.

    لكن قلة منا يعرفون فوائدة الجمة وارتباطه الوثيق بالعرب، إذ أن لفظ كلمة بنانا (الموز بالإنجليزية) يرجع إلى كلمة البنان أي الإصبع عند العرب الذين كانوا أول من أدخله إلى الساحل الغربي لإفريقيا، حيث انتشرت زراعته من هناك إلى جزر الكناري وأسبانيا. والغريب أن أميركا التي عرفته للمرة الأولى عام 1800 احتاجت لمائة عام فقط حتى يصبح الفاكهة الأولى فيها (حيث يقدر استهلاكه بخمسة وعشرين مليون طن سنويًا).

لكن الأغرب فيما يتعلق بـ"طعام الفلاسفة" كما كان يسمى قديما أو "فاكهة الحكماء"، فهو نجاح عالم استرالي في صنع مولد للكهرباء يستخدم الموز المتحلل كوقود من خلال مشروع لإنشاء محطة كهرباء صديقة للبيئة تستخدم الفاكهة التالفة.

   واللافت أن الموز لم يذكر في القرآن الكريم إلا مرة واحدة باسم (الطلح) كما ورد في الآية (29) من سورة الواقعة: ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح منضود) وقد اتفق معظم المفسرين على أن الطلح هو الموز، ومنضود أي متـراكم الثمر، متراص بعضه فوق بعض.

تقاليد

    ولزراعة الموز وتسويقه تقاليد لا يتقنها إلا قلة ممن حملوا على عاتقهم مهمة توصيله لطالبيه بقدر كبير من الحرفية والجودة، ومنهم كامل دعنا، الخمسيني الذي ورث عن والده المرحوم فؤاد عبد الفتاح تقاليد (تصنيع) هذه الفاكهة منذ كان طفلا يرتحل من الخليل الى أريحا فالشونة الجنوبية ليتابع ما يقوم به الأب الذي تحول من تاجر في القدس الى مزارع أحب الغور وبدأ مع عائلة محمد بدوي عليان (كمزارعين) وعبدالقادر شاهين (كتجار) التأسيس لهذه الزراعة التي تحتاج الى دراية كبيرة بدرجات الحرارة وتقلباتها، لأن الموز شجرة مدارية تحتاج لدرجة حرارة دافئة (25-38درجة مئوية) وعدا ذلك فإن أي ارتفاع أو انخفاض على درجات الحرارة يسبب المتاعب للمزارعين كما تحتاج "الفسيلة" الى تربة خفيفة غير طينية ولمياه عذبة. ومن هنا ينجلي سر زراعتها بشكل كبير في الأغوار.

قبل استخدام (الأنسجة) كانت الفسيلة تستغرق ما بين 15- 18 شهرا حتى تصبح ملائمة للقطف الذي يحدث مرة واحدة في حياة أي فسيلة. و منذ نحو عشر سنوات وفرت صناعة الأنسجة الوقت على المزارعين الذين باتوا لا ينتظرون عاما ونصف تقريبا كي يتم (قطف الثمار) فاستفادوا من ثلاثة اشهر إضافية (12-15) تتيحها عملية زرع الأنسجة التي تنتج أصنافا أقوى من اللب بعد "تصنيعه" في مختبرات خاصة يتكون فيها البرعم الصغير قبل نقله الى التربة في وحدات الإنتاج.

صناعة وتجارة

   ومن بين الأبناء الستة لفؤاد دعنا، أنشغل الأبن الأكبر سليمان بالدواجن وكمال بالصناعة والمرحوم سلمان بالخضار. وفيما اتجه جمال وجميل لصياغة الذهب، فإن كامل الذي أنهى دراسة إدارة الأعمال في الجامعة الأردنية عام 1976 أكمل المسيرة التي بدأها الوالد في زراعة الموز والاتجار به وهو لا ينوي توريثها لأي من أبنائه الستة الذين اختار أكبرهم وليد 1980 ومحمد 1981دراسة الطب في روسيا فيما اتجه عمر 1982 لطريق اللغة الفرنسية للسير به في مستقبله القادم ولا يتوقع أن يسير مهند 1988 أو معتصم 1990 ولا نور 1992 في الطريق التي تتطلب شقاء وتعبا كما وصف أغلب من يمتهنون تصنيع الموز ممن قابلناهم في "الحسبة المركزية" والذين تحولقوا حولنا طارحين مشاكلهم التي مؤداها أن هذه المهنة لم تعد مربحة بسبب زيادة العرض عن الطلب على الموز المستورد الذي يخزن في برادات كبرى تتيح ربحا خارجيا أسرع وأكبر ناهيك عن زيادة عدد المشتغلين بهذه المهنة والذين يبلغ عدد تجارها في عمان وحدها نحو 60 تاجرا، ما يعني باختصار كثرة التجار وقلة العمل في بلد صغير قليل الموارد والدعم الحكومي ما يجعل المشتغلين بالمهنة عرضة لمهالك الصقيع أو أي تأثير بيئي قد يودي بأشهر من القلق والمتابعة أدراج اوراق اللهب التي تحرقها رياح الشيطان أحيانا.

   ويتراوح العمر الافتراضي لمزارع الموز بين 5- 7 سنوات تجدر بعدها إراحة الأرض وزرعها ببدائل نباتية أخرى لإراحة التربة والبدء بعد ثلاث سنوات في زراعة الموز من جديد.

ويعرف "أبو الوليد" بالخبرة وبعد النظر والتعود على أن الموز بات ناضجا وملائما للقطف للبدء من جديد في عملية التخمير التي تحتاج عند بعض المزارعين الى تجار جدد للقيام بها إلا في حالة كامل دعنا الذي جمع عمليتي الزراعة والتجارة بآن واحد فقام بالعمليتين معا أملا في ربح وفير.

عملية التخمير

   وتتلخص عملية التخمير بوضع قطوف المحصول في غرف خاصة معزولة ومحكمة الإغلاق ليتسنى تفريغ الأوكسجين(إدخال غاز الإيثلين) بواسطة أسطوانات الغاز أو عن طريق صوبات الكاز وحديثا بالتسخين الكهربائي لتمتص الأوكسجين وتستبدله بثاني أوكسيد الكربون أو مادة الكربيد التي تتفاعل مع الماء.
ويجب أن تكون حرارة التخمير (15-18) درجة مئوية في حين يستعاض عن الحرارة العالية بنقيضها أي التهوية والتبريد (ويتم بفتح الغرف أو التبريد من خلال مراوح خاصة) في الصيف عندما تزيد درجات الحرارة عن 30 فما فوق، وهو الأسهل والأوفر زمنا وجهدا، لان الموز يحتاج من يوم الى يومين حتى ينضج في حين أن التدفئة شتاء تتطلب من ثلاثة أيام الى خمسة حتى يستوي الأمر.

    ويتذكر كامل الأيام الخوالي التي كانت كوانين الفحم سيدة الموقف في التخمير بدلا من الصوبات أو إسطوانات الغاز التي تعتبر فتحا عظيما في حياة المزارعين القدامى الذين يتابع الأحياء منهم باندهاش كبير البرادات الكبرى التي هي عبارة عن غرف ضخمة باتت أوروبا والميسورين من التجار يعتمدون عليها بشكل كبير في حياة فاكهة تمتاز عن غيرها بحاجتها لتدخل (إنساني) يتابعها بشكل دقيق حتى لا تفسد أو "تهلص" وتخرب قبل ان يتم بيعها. وقد يتكرر الأمر في المنزل أيضا، إذ لا يمكن الاحتفاظ بهذه الفاكهة لوقت طويل إذا ما أراد مشتريها أن لا يفقد نقوده .. وصوابه.

   ولم يشأ كامل أن يدير الأعمال أو يعمل في شركات خاصة ليترجم ما درسه في الجامعة الى حقيقة أكاديمية وبدلا من ذلك جذبته الأرض وربما الروتين فصار اسيرا له وجزءا من عمل يومي معتاد يصحو على حبه وينام على عشقه ليصون ميراث العائلة من الضياع وليصون الموز من عبث العابثين بتقاليد تصنيعه فيبقيه عنقودا بكرا نظيفا يصلنا ونحن مطمئنين لحسن "المنشأ والمصدر".

مكافحة الشيخوخة

    علميا كشفت دراسة طبية اعدها الباحث المصري بجامعة المنصورة الدكتور محمود درويش في دراسته المخبرية ان ثمار الموز هي الفاكهة التي يمكن الاعتماد عليها كبديل لهورمون (الميلاتونين) الذي تم طرحه كدواء مضاد للشيخوخة واستبقاء الحيوية والشباب عمرا أطول، حيث تتميز ثمار الموز بغناها بهذا الهورمون.

   وأشار إلى ان "ثمار الموز ليست غنية فقط بالميلاتونين الذي يعد ترياق الصحة والشباب، بل ان ثمار الموز الناضجة تعد مصدرا غنيا بالمغذيات والسكريات السهلة الامتصاص، ولذلك فهذه الثمار مولدة للطاقة وباعثة للحيوية ويمكن الاعتماد عليها في النظم الغذائية الهادفة للحيوية ورشاقة الجسم، مؤكدا ان مؤهلات الموز تسمح له بذلك نظرا لاحتوائه على فيتامين B2 كما انه ضروري لانطلاق الطاقة في خلايا الجسم من الدهون والكربوهيدرات والبروتين، وهو ضروري أيضا لامتصاص الحديد وبناء الهيموغلوبين الدموي، إضافة الى ذلك فإن لفيتامين B2 فوائد صحية للجلد والبصر".

    ويذكر الأطباء ان ثمار الموز سماها القدماء "طعام الفلاسفة"، لأنه كان غذاء أساسيا عند علماء الهند وفلاسفتها القدامى - كما يشير مؤرخون الى ان فرعون الذي ادعى الألوهية وفي معرض برهنته على التفوق والقوة كان يأكل الموز حتى لا يضطر أن يخرج الفضلات كما يحصل للناس عامة وبذا يثبت ألوهيته قبل أن يصبح عبرة لمن لا يعتبر لاحقا من قبل الإله الخالق العظيم سبحانه - مؤكدا ان نشاء الموز لا نظير له في الفواكه او النشويات، اذ ينفرد نشاء ثمار الموز بأنه لا يتم تخزينه في الجسم. فتناول الكثير منه لا يؤدي الى أي زيادة في الوزن، ومن هذا المنطلق ظهرت الوصفات الغذائية التي تضمن الموز كعنصر أساسي لأي نظام غذائي لثبات وزن الجسم والحفاظ على الرشاقة وصفاء الذهن، مشيرا الى ان هذه الميزة التي تتمتع بها ثمار الموز لا مثيل لها في اي غذاء سوى البطاطا. وان الفرق الوحيد ان الموز فاكهة والبطاطا تنتسب الى الخضروات، فضلا عن انها درنات من جذور النبات.

    ويرصد العلم فوائد طبية أخرى للموز في ان ثمرته هي الثمرة الوحيدة التي تؤكل نيئة لمرضى قرحة المعدة، كما انه يساعد على خفض ضغط الدم المرتفع ويؤهل ثمار الموز لهذه الوظيفة احتواء الثمار على نسبة عالية من البوتاسيوم مصاحبا لها كمية قليلة من الصوديوم، كما ان الموز مضاد للحموضة ويرجع ذلك لاحتواء الثمار على نسبة عالية من الاملاح الكلوية التي تعادل حموضة المعدة، علاوة على ان تناول ثمار الموز مهم في حالات سوء التغذية ونقص الفيتامينات، وذلك عند تناوله باستمرار مع نظام غذائي معين.

    وعلى صعيد متصل نجح عالم استرالي في صنع مولد للكهرباء يستخدم الموز المتحلل كوقود من خلال مشروع لإنشاء محطة كهرباء صديقة للبيئة تستخدم الفاكهة التالفة. وقام بيل كلارك أستاذ الهندسة في جامعة كوينلاند بترك الموز يتحلل في أقبية محكمة الإغلاق ثم استخدام غاز الميثان المنبعث من عفونتها في تغذية مولد كهربائي.

    وجاءت كلارك الفكرة عندما طلب منه الاتحاد الاسترالي لمنتجي الموز تقديم أفكارا عن إعادة استخدام الموز الذي لا يباع بسبب صغر حجمه أو إصابته بعطب.

وللقيام بذلك يتعين عليه هرس وضغط الموز لاكتشاف وسيلة التحلل الأكثر فاعلية وليضيف اليها أنزيمات لتسريع العملية. وإذا ما تحقق ذلك فان صناعة الموز ستقوم ببناء محطة كهرباء تعمل بالطاقة البديلة ويمكن ان توفر الكهرباء لحوالي 500 مسكن. الا ان التطبيقات العملية لهذه الأبحاث ستكون محدودة بالضرورة حيث ان الأمر تطلب بالفعل حوالي 60 كلغ من الموز لتشغيل مروحة منزلية لمدة 30 ساعة.

التعليق