القصب: الثقافة العربية أعادت صياغة نفسها بشكل أكثر عمقا واقترابا من التاريخ

تم نشره في الاثنين 3 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • القصب: الثقافة العربية أعادت صياغة نفسها بشكل أكثر عمقا واقترابا من التاريخ

   يعتبر المخرج العراقي  أحد  المجددين في المسرح العربي  في الثمانينيات، واليه ينسب "مسرح الصورة"  ولعب دورا في الإنعطافة التي شهدها المسرح باتجاه التحرر من  الثرثرة اللغوية الزائدة " لإيمانه الشديد بأن المسرح صياغة لرؤية درامية وفكرية وجمالية لا تتوقف عند حرفية النص"،وتحول هذا الإيمان إلى عمل تطبيقي فنظر لمسرح الصورة، عبر أعماله المختلفة منها"جلجامش"، وهاملت"، و"الملك لير"، الخليفة البابلية"، "العاصفة"، "الخال فانيا"، "حفلة الماس"، "عزلة في الكرستال"، "الشقيقات الثلاث"، "ماكبث"، "طائر البحر"، فهو مخرج منظر كتب الكثير من الدراسات في المسرح، ودرس كثير من المسرحيين الذين لهم بصمات واضحة في مسيرة المسرح العربي.

د. القصب زار الأردن مؤخرا خلال مهرجان المسرح الأردني"الغد" التقته وكان الحوار التالي.

* لعبت دورا في الإنعطافة التي شهدها المسرح العربي باتجاه التحرر من أعباء الكلام، وذلك من خلال إطلاقك لمسرح الصورة وسبرك لغوره ماهي أوجه الإختلاف بينه وبين المسرح التقليدي؟

-المسرح التقليدي يعتمد في اسسه وتحليلاته الإخراجية وحتى في بناء الممثل فيه على الجوانب (السيكولوجية)، وهذا ما أثبته"(ستانسلافسكي)، في حين أن مسرح الصورة يعتمد في تحليلاته على الفلسفة راكنا الجانب السيكولوجي في محطات لا نلتفت إليها، والعرض في مسرح الصورة مؤول والمتلقي هو تركيب تدخل في بيئته التحليلية جوانب عديدة، فالمتلقي هو مؤلف ومخرج ومفكر، وهو جزء من أزمة وأيضا فالمتلقي يكتب إنشائية العرض بصريا لذا فجمهور هذا المسرح هو النخبة الأرستقراطية مثل الرسامين والقصاصين والشعراء والموسيقيين، هذا الجمهور الذي يسمح له بالدخول إلى أجواء تلك السرية الثقافية المتقدمة.

ولأن الحوارات تعذبني وتقلقني لذلك أنطلقت من الثابت إلى المطلق، والمطلق اسميته في تجربتي"الصورة"، فالصورة هي طقس روحي يتجول بسرية في عمق المتلقي وتتنفس منه مساحات المكان كله، لذلك فمسرح الصورة الذي انتمي إليه هو مسرح مزيج من التداعيات الصوفية والأحلام السريالية المتهمشة، والصورة قادرة وحدها من دون الإتكاء على رديف حواري لغوي، أن تظهر عذابات الإنسان في هذا القرن، نحن نتأمل الأشياء ونسمعها، إن عظمة اللغة تموت بعد سماعها، والصورة في مختبرها السري تنقل الكلمات وصورها الشعرية، البلاغية، السمعية، إلى صور مرئية تعتمد التشكيل البصري أساسا في التكوين.

*تواجه كافة أطياف الفنون في ظل الهجمة الشرسة التي يشهدها العالم العربي مشكلة تتمحور حول الهوية والعولمة كيف ترى واقع المسرح العربي في ظل هذه الأوضاع؟

-الخارطة مضببة ومحروقة في أكثر من موقع، لا نرى مدن الجمال واللون بقدر ما نرى أعراض غارقة بالدمار والموت المعلن والخفي، ولم تعد هناك حوارات ثقافية ولغة يمتلكها الجمال بكل منطلقاته، منذ الإغريق وحتى ألفيتنا الملتهبة بنيرانها الكبريتية.

المسرح هو حوار ثقافي وهو جزء من حضارة، وهو رمز للمدينة والتاريخ، لم يعد الآن للمسرح بريقا، ضمن خارطته العربية، بالرغم من أن هنالك محاولات جديرة هدفها الإرتقاء بهذه المدينة الكبيرة والتي أسمها المسرح، لتؤسس من خلالها حواراتنا وتنطلق الموسيقى ودور الأوبرا والباليه ويعود المجد الشعري مثلما كان عند بليك وادغار والنتووديلان توماس وفرلين ورامبو خواء، ولم نعد نرى إلا سحب كثيفة تغطي سماء ثقافتنا الزرقاء.

هل تقصد من خلال حديثك بأن المسرح مهدد الآن كباقي الفنون التي أنزلقت وراء مفاهيم تكنولوجية غريبة علينا؟ 

المسرح هو جزء من التاريخ وهو رمز للمدينة والإنسان، وعندما تغلق المدن تنطلق شرارة نيران تهجم وتتحرك كعاصفة قاتلة، عصرنا هو عصر التدمير مثلما دمرت الأغنية وهمشت فيروز وأم كلثوم، وذلك المجد الكلاسيكي مجد الأغنية ومجد الشعر.

في ظل ما يواجهه المسرح من تغريب ، ماهو دور الفنان المسرحي ومسؤولياته في مثل هذه الظروف؟

مسؤوليتنا كمسرحيين هو أن نحافظ على هذه الخرائط، وأن نحافظ على مدن الجمال، وأن نفكر من خلال الفكر، ولكي يستمر هذا النبض الديناميكي بداخلنا، علينا أن نتجاوز الصعب وأن نغامر وسط الهول التراجيدي وعلينا أن ننطلق كطيور بيضاء.

*بحكم متابعتك المستمرة لمهرجانات المسرح التي تقام في الأردن ومطلع على تجارب مسرحية للجيل الجديد والقديم كيف تنظر لواقع الحركة المسرحية الأردنية؟

-هوحوار ثقافي تعمق من خلال رموزه الفنية هاني صنوبر وحاتم السيد والفنان الراحل محمود أبو غريب وجميل عواد وخالد الطريفي، هؤلاء أسسوا الخارطة الأولى لمسرح ثقافي إنساني ينطلق من الجمال أولا، مسرح لا علاقة له بالموعظة والإرشاد والإيدلوجيات المنحطة، مسرح تأسس على حركة شبابية، لذلك ففي كل المهرجانات نرى حكيم حرب وغنام غنام و خليل نصيرات وعبدالكريم الجراح وفراس الريموني، هؤلاء يشكلون ضوءا مشعا في كل المهرجانات التي شاهدناها، اما الأعمال التي تقدم ليس فقط بالمهرجان الأردني للمسرح بل في أكثر المهرجانات العربية لا نرى إلا فرق ضعيفة تتحرك على الهامش في بلدها، لم يكن لها وجود وفاعلية مدهشة في الخارطة المسرحية العربية، لذلك فإن أكثر المهرجانات قد جفت بداخلها الرؤية والدهشة

*كثيرون هم من ساهموا في رفد ودفع مسيرة المسرح العراقي، كيف تنظر لواقع هذا المسرح هذه الايام؟

-العراق عمق حضاري وتاريخي وفلسفي وعلمي لا يمكن لهذا البلد الممتد بجذوره داخل كل قارات العالم أن تجف رؤاه وتتوقف حركته، مادام الدياليكتيك يشكل حركة تاريخ، فهذا يعني أن مسرحنا العراقي مسرح مستمر ، هذا البلد الذي فيه جدارية جواد سليم ولوحات فائق حسن لا يمكن أن يدمر سينهض كما نهض من قبل وسيكون مشعا كالشمس، ستكون ثقافته ثقافة غير مسنة، لم تصبها الشيخوخة والفراغ سيتحرك ليرسم مجدا إستمراريا وحركة لمجد إنساني جليل وسيتفاعل مع كل الحضارات كما تفاعلت ثقافته منذ العصور التاريخية السابقة وحتى هذه اللحظة.

*وما هو المستقبل الذي ينتظر المسرح بالعراق؟

-مازالت القراءات مضببة وغير واضحة، وبالرغم من ذلك فإننا نستطيع أن نؤشر منطلقا تاريخيا يستمد قوته وملاحظته من حضارات العالم الثقافية لا  توقف هناك في الخطاب الثقافي في المجد وفي الخطاب الثقافي على المستويين العربي والعالمي، تأزم المسرح بحركته التاريخية، وكانت هنالك إنتكاسات كبيرة اصابت الأمم بتاريخها وحركتها، ولكن عندما نعيد الذاكرة الإرشيفية فإننا نرى بأن ثقافتها بالرغم من إحراق الكثير من خرائطها، أعادت صياغتها مرة ثانية وبمتطلبات أكثر عمقا واقترابا للحظة والتاريخ.
        
* التغريب والتجريب مصطلحان لهما منطلقلات فلسفية، كيف يتعامل القصب مع هذين المصطلحين؟ وكيف تتعامل مع شخصياتك ضمن مفهوم التجريب؟

-لم تعد هنالك مصطلحات ثابتة، المصطلح اوجده النقاد، فالتغريب البرشتي هو منطلق فلسفي يعتمد ديالكتيك كأساس في طرح الموقف من خلال التناقض مابين القاعدة والحقيقة والإستثناء، لم يعد التغريب مصطلح برشتي فقط، التغريب موجود في مسرحيات شكسبير وشاكوف وارثر ملير، والتغريب الأكثر عمقا وغرقا فلسفة ما دونته ذاكرة أدامون" العالم مغرب"، والإنسان مغرب وسط مفاهيم ومصطلحات إيدلوجية تتقاطع مع الحقيقة ، فالوهم أصبح الحقيقة، والحقيقة أصبحت وهما، الإنسان وسط صراعات مغرب ما بين الآلة والأنظمة وما بين الإيديلوجيات وما بين نفسه، يخوض صراعا كبيرا داخل وحدة الأنا لا يعرف أين ترتكز اختياراته، لأن المحيط لا يمتلك تلك الإرتكازات الواضحة، فكيف نريد من الإنسان أن يحدد مرتكزاته إذا كانت هذه المرتكزات مغيبة ومزيفة لا علاقة لها باللحظة والإنسان والثقافة والحوار.

 أمافي أعمالي فأنا ابحث دوما عن معالجة الواقع بأشكال أخرى، واسعى دوما إلى تقديم قرءات جديدة للتراث الأدبي والفكري والبصري في العالم،وعند صياغتي للرؤية الدرامية والفكرية والجمالية للعرض المسرحي، لا أتوقف عند حرفية النص الإبداعي لشكسبير أو إبسن، فلا أحاول أن استنسخ الخطاب أو المؤلف بقدر ما امنحه لغة عصري وألقحه بتجربتي، وابحث فيه عن مفاتيح للتفكير بمنطق جديد، منطق عماده الجدلية ويتنفس الفن التشكيلي ويقرأ الشعر.

مسؤولية المسرحيين

المسرح العربي الآن يسجل غيابا مؤقتا إلا أن ديناميكيته وأجياله ستعمل من أجل أن لا يسقط هذا المعمار الكبير كما سقطت الأغنية والموسيقى وكذلك الفن التشكيلي هو الآخر سيبقى متحركا وبعيدا عن منزلقات السقوط والبؤر التي حفرتها أيدولوجية الغرب.

* الحركة النقدية العربية والمنهج الذي تسير عليه وما هي المدخلات الجديدة عليها؟، وهل ساهمت في تطوير المسرح العربي؟

-هنالك نقاد عرب كبار، استطاعوا أن يرتقوا بدراساتهم النقدية إلى خطاباتنا الثقافية بمستوياتها المتعددة، لم يعد النقد قراءة خطية بقدر ما هو قراءة تأويلية تعتمد الفلسفة والتأويل كما أنها تعتمد رؤية الفنان وعمقه أي أن الحركة النقدية ليست حركة ادبية، تستعرض المنتج الفني فقط، القراءات النقدية المرثية تعتمد على عمق التحليل وتفكيك المنجز وتحويل كل الشفر والقراءات المؤلة بداخله، والناقد هو من يستطيع قراءة المنجز قراءة ثانية لقراءة الفنان أو الكاتب.
تغيرت الحركة النقدية العربية خاصة في أواخر القرن العشرين، حيث ظهرت الدراسات السينوغرافية والسيسولوجية ودراسات علم اللغة، استطاع من خلالها الناقد ومن خلال مشاهدته ومن خلال الحوارات الثقافية مع العالم أن يتصافح مع النقد من خلال دراسة علمية متقدمة.

* هل هنالك أزمة في تكوين الخطاب المسرحي العربي إنسحبت على المسرحيين جراء الأزمة في النص؟

-لا أعتقد أن هنالك أزمة في قراءة وتكوين خطاب مسرحي، الأزمة تكمن في عدم التقاط تلك الخطابات المهمة في خارطة المسرح العربي، هنالك قراءات درامية كبيرة، وهنالك نصوص كبيرة وهناك كتاب كبار، لذلك فإن هذه الأزمة مفتعلة، إفتعلها بعض المسرحيين المعطوبين فكريا، وكذلك بعض النقاد الذين ما زالوا يكتبون بلغة أربعينيات القرن العشرين.

*المحطة القادمة في مسرح الصورة الذي أوجدت نظرياته،ماذا ستطرح فيها  من قضايا؟

ستكون محطتي القادمة مسرحية "الخادمات" لجان جنيه، وسيقدمها مسرح التأسيس الذي يشرف عليه الفنان العربي محمد البلهيسي، وسيكون إنتاجا وعملا مشتركا ما بين الفنانيين العراقيين وفنانيين مغاربة. 
 

التعليق